التصنيف: تسالي

  • الأمن الوطني العراقي .. تحديات خطيرة … وتجاوزات عديدة … واختراقات متكررة!

     المستقبل العراقي/ حليم الاعرجي  

    يقول الفيلسوف والحكيم المشهور “صن تزو” في كتابه “فن الحروب”: “اذا عرفت العدو وعرفت نفسك ، فليس هناك ما يدعو الى ان تخاف نتائج مائة معركة!! واذا عرفت نفسك ولم تعرف عدوك، فانك سوف تقاسي من هزيمة مقابل كل انتصار!! واذا لم تعرف نفسك ولم تعرف العدو فانك احمق وسوف تواجه الهزيمة في كل معركة”.

    نصيحة صن تزو، لا تزال الى اليوم سليمة جدا كعهدها قبل 500 عام قبل الميلاد وارى انها مناسبة جدا لما نعاني منه الآن على صعيد الوضع الامني ، والتحديات التي يواجهها هذا الوضع في كل التفاصيل المتعلقة بنوع وحجم وطبيعة هذه التحديات.

    يمكن القول: ان ما يجري ، معركة متواصلة ومستمرة ، تتعدد فيها وبها صفحات المواجهة التي تتضمن أشكالا مختلفة من عناصر الفعل والتخطيط والترتيب والاستهداف والاسلحة المستخدمة بذلك اضحت القضية مشكلة تواجه الشعب العراقي وحكومته في مرحلة، هي من دون ادنى شك ، واحدة من بين اخطر المراحل التاريخية التي واجهها العراق على مدى تاريخه المعاصر.

    خصوصية ما يجري، هو ان المعركة بين العراقيين وأعدائهم، لا تخضع لمنطق الحروب العادية هي ليست حروب خنادق وليست حربا نظامية وهي ايضا ليست حرب عصابات، انها نوع من الحروب التي تعتمد على مبدأ “اضرب واهرب” المنفذ او المطبق لها يستفيد من عنصر “المبادرة” التي يملكها ، بحكم كونه يتحرك بالاعتماد على عنصر الاختفاء مستفيدا من ان الاجهزة الامنية لا تستطيع ان تطبق مبدأ “ان كل الناس  ارهابيون” فالمواطن بريء حتى تثبت ادانته ، والادانة لا تتم الا بعد التنفيذ الفعلي لعملية ” تخريب “.

    الى جانب ذلك ، فان الارهابي يستفيد من ” ميزة ” اخرى تلك هي ، انه لا يرتبط بهدف محدد ومثبت مسبقا بل هو يحاول ان يختار الهدف “الممكن” ونادرا ما ينجح في استهداف هدف مخطط الوصول اليه والحاق الاذى به وقد لا يحصل شيء من هذا القبيل ، الا في اوقات متباعدة واماكن مدروسة ومهيأة فيها كل اسباب ووسائل التضليل والتعمية والخداع ، مع اعداد سبل ووسائل عمليات الانقاذ والاخفاء والاختفاء مع توفير الملاذات الامنة.

    ويسعى الارهابيون ، الى الاستفادة القصوى من الاسلحة المستخدمة من قبلهم وكلما كانت هذه الاسلحة جديدة في تقنيتها وحديثة في فاعليتها ومؤثرة في قدرتها التدميرية كلما امكنها تحقيق عنصر المفاجأة.

    الحديث عن طبيعة ما يجري ينبغي ان يرتكز اولا وقبل كل شيء على نقطة حيوية شكلت بوابة استمرار نزيف الدم والدمار كل هذا الوقت، تلك هي ان لكل معركة اسلحتها وظروفها ومعطياتها فإذا كان الإرهابيون استفادوا من الأسلحة المتاحة لهم والفرص التي يملكونها في إطار المبادرة والتمويل والمساعدات اللوجستية الخارجية فان الجانب الاخر واعني به، الحكومة الممثلة للشعب، وحامية لمصالح الشعب والساهرة على أمنه وسلامته واستقداره ظل سادرا في غياهب التبلد والغيبوبة موزع على:

    1 ـ الجهل أو نقص الكفاءة وقلة التجربة وانعدام قدرة المتابعة مواكبة التطورات النوعية واللوجستية والأسلحة. 

    2 ـ نقص المعلومات وغياب القدرة على معرفة ما يجري في الخفاء. 

    3 ـ ضعف التحصين ضد الاختناقات وانعدام وجود منظومة مقاومة النشاط الاستخباري. 

    4 ـ انعدام وجود مراكز البحث والتقييم والدارسة والتنبؤ والاستقصاء والتحليل .

    5 ـ ضعف التعامل والتعاطي مع الملاذات الآمنة للارهابيين وتجريد الإرهابيين من الاقنعة والاردية والستائر والاغطية التي يستخدمها لإخفاء نواياه وجوهر اهدافه الشريرة بالضرب على وتر الطائفية البغيضة والتمسح بشعارات براقة وحجج واهية وتبريرات كاذبة ومسوغات واهية بيد أنها فعالة نتيجة ضعف إمكانية الآخر في التصدي لها وكشف خلفياتها وحقائقها لانعدام وجود الإعلام الحقيقي القادر على الإقناع والمتمكن من الحضور الفاعل الذي يحظى باحترام المتلقي الصديق وإجبار المتلقي المعادي على التعامل معه نتيجة شعوره من انه محاصر بالكلمة والصورة والحركة الصادقة والدقيقة والسريعة والمباشرة والبعيدة عن الخطاب المؤدلج.

    ان معرفة العدو .. ومعرفة الذات هي القاعدة التي ينبغي أن ينطلق منها التصدي الناجح للعدو الإرهابي فهل حصل ذلك..؟ 

    لقد درج المعنيون في الشأن الامني بشكل خاص، التركيز الواضح على الجانب السياسي للمشكلة من خلال اتهام دول الجوار ودول إقليمية اخرى بالتدخل السافر والمبطن بالشأن الداخلي وتسهيل الاختراقات للحدود ودعم الإرهاب بالأسلحة والمعدات والخبرات والتمويل والجوانب الفنية وغيرها. وفي نفس الوقت، ظل التركيز على الجانب العسكري ، ينطلق من قواعد تقليدية ، المتمثل في اعداد الجيش وقوى الامن الداخلي .. بالتدريب والتسليح والتهيئة والتخطيط، وكانت القضية تنهض على عقيدة الحروب التقليدية من خلال الانفتاح والانتشار والتموضع والاستعداد متناسين ان الحرب التي ينبغي ادارتها ، هي حرب “الفوضى” حرب تعتمد بالاساس على عنصرين مهمين لا ثالث لهما وهما:

    1 ـ الحصول على المعلومة المؤهلة بمعرفة العدو معرفة دقيقة وتفصيلية مع قراءة واضحة لما ينوي القيام به وما يعاني منه من مشاكل ومعضلات وقدرات وما أضيف اليه من دعم لوجستي وأسلحة ومستوى الإقبال البشري على التطوع .

    2 ـ امتلاك القدرة والاستطاعة لتفعيل الجانب الفكري والنفسي والاجتماعي والتربوي ذي الأثر الفاعل والدور الكبير في وجود ونمو  وتفاقم ظاهرة الإرهاب.

    لقد كان من المحتم استخدام كافة الإمكانيات المادية والمعنوية وبأوسع معانيها وبادق عوامل التغيير في قدرتها على المجابهة وإسقاط أسلحة العدو ومحاصرته وعدم السماح له في استخدام ما متاح له من قدرات وإمكانيات. 

    ان دراسة متأنية وموضوعية للسنوات التسع الماضية تشير بوضوح الى ان الاهمال وعدم الاكتراث والتجاهل بالأبعاد الفكرية والثقافية والنفسية للمسألة الأمنية ، فضلا عن وجود ظواهر ومظاهر مضرة لعبت دورا مساعدا تلك هي تفاقم مشكلة البطالة والأخطاء الجسيمة التي وقع فيها الاحتلال وخصوصا في مجال تسريح الجيش وقوى الأمن الداخلي وعدم المبادرة الى إيجاد حلول صحيحة وواضحة تضمن للآلاف من العاملين في هذه المؤسسة الكبيرة والمتشعبة والخلط بين من كان بعثيا “بس بالاسم”!! واولئك الذين الحقوا الدمار وسفكوا الدماء البريئة والتعثر الذي اصاب عملية المصالحة التي كان ينبغي ان تكون الاداة الوسيلة الفعالة والقادرة على امتصاص كل الظواهر والمظاهر المحرضة على الإرهاب والميسرة على التمرد واللجوء الى العنف الدموي.

    والعيب كل العيب فينا وليس في الآخر الجار، او الاخر الاقليمي ، اذ ان المرء اذا ما تمكن من تحصين نفسه والنأي بنفسه عن الضعف والتردي والانخطاط واغلق كل او اغلب الثغرات التي يتسلل منها الشر ويصل من خلالها اللص الى مبتغاه فانه عندها سيعيش مرتاح البال ولا يهمه جار سيئ او شرير متربص. صحيح ان العهد الصدامي ترك ارثا مدمرا زاده الاحتلال سوءا وقرفا وصحيح ان الجيران تخلو عن كل قطرة عرق في جباههم في اطار استغلال بشع لظرف طارئ مر به العراق ولكن الأصح ايضا هو اننا لم نفعل طوال التسع السنوات الماضية سوى الشيء القليل في هذا الميدان.

    البعض يتعذر بالتكوين المتناقض والمثير للشكوك الذي ظهرت به العملية السياسية ابتداء من تشكيل مجلس الحكم الذي انطوى على تناقضات فكرية وشخصية واثنيه وقومية ومذهبية ودينية متناقضة. ولعل البعض يقول: ان العملية السياسية بما فيها مجلس الحكم، تعكس التركيبة والتكوين العرقي والمذهبي والديني والمناطقي والعشائري الذي يتكون منه الشعب العراقي، وهذا الامر كما يفترض يجسد طبيعة الائتلاف المطلوب الذي ناضل من اجله الشعب العراقي تحقيق لمبدأ الشراكة الحقيقية في حكم العراق وصنع القرار فيه بحيث لا يكون هناك تغييب او تهميش او نخبة من الاقلية تحكم باسلوب ديكتاتوري فردي.

    كان ذلك صحيحا ولا خلاف عليه… بيد ان الخلاف في طبيعة اختيار الشخصيات التي مثلت هذه المكونات القومية والمذهبية والدينية والمناطقية فباستثناء أربعة او خمسة اشخاص ما زالوا موجودين يمارسون ادوارا معينة في العملية السياسية بينهم شخصيتان كرديتان يرتبط وجودهما بموقف الشعب الكردي حيالهما وهما يمثلانه بطريقة التواصل التاريخي مع الجذور والاصول المتصلة بالموقع الذي كانا ولا يزالان يحتلانه في الحركة الكردية.

    ان الاخرين من الذين كانوا اعضاء في مجلس الحكم والعملية السياسية ولفترة عدة سنوات ، فقد تبخروا وصاروا جزءا من الماضي، لانهم لم يكونوا اصلا جديرين في احتلال مواقع كانت من حصة آخرين ربما كان في وسعهم ان يلعبوا دورا يمكن العراق من تجنب الكوارث التي حلت به لاحقا اذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: 

    1 ـ احمد الجلبي 

    2 ـ عدنان الباجه جي

    3 ـ موفق الربيعي 

    4 ـ محمد بحر العلوم 

    5 ـ محسن عبد الحميد

    6 ـ سونكول جبوك

    7 ـ دارا نور الدين

    8 ـ رجاء حبيب خزاعي

    9 ـ صلاح الدين محمد بهاء الدين

    10 ـ غازي عجيل الياور

    وأتساءل ويتساءل غيري ايضا .. اين هؤلاء الآن ..؟ طبعا لم أتطرق لأولئك الذين فارقوا الحياة غيلة وغدرا ولكني أتساءل عن الذين ملأوا الدنيا ضجيجا بأسمائهم المدوية دون ان يتركوا بصماتهم التي يذكرها الشعب بالشكر والثناء … كيف طواهم النسيان؟ واين يعششون الآن وبأية ملايين من الدولارات يلعبون؟ كسبوها سحتا حراما وحتى الذين مازالوا باقين ، فأنهم يشكلون عبئا وثقلا على العملية ويضعون في طريقها العراقيين والمشاكل والتحديات المؤذية بعضهم يعيش بعقلية “نيرون” خارق روما .. وبعضهم يعيش بعقلية “القطة” التي تسرق بعد ان تغمض عينيها ظنا منها بان لا احد سيراها !!! واخرون بعقلية ” ليس بالامكان افضل مما كان” واخرون “يد على الشيطان ونصف يد على الرحمن والنصف الاخر معلقا بانتظار ” من ياخذ امي يصير عمي”. 

    هكذا هو الحال .. وحتى لو افترضنا ان هناك من بين الموجود من هو جاد بوطنية حقيقية صادقة لإنقاذ البلد مما هو فيه ، فانه “ساع الى الهيجا بغير سلاح” طبعا لابد من القول: ان من حسن حظ العراقيين ، انهم بعيدون جدا عن اية حرب اهلية او طائفية او عنصرية او التجارب التاريخية كثيرة، ففي اعقاب انقلاب 8 شباط 1963 حاولت سلطة الانقلاب ان تحول “الخلاف ” الذي حصل بين حكومة عبد الكريم قاسم والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة الملا مصطفى البارزاني ، الى صراع عرقي عنصري تحت شعار ” اخوتنه عليهم ” وكان اعلام السلطة قد استنفر كل ما فيه وما به من اجل “خلق حرب عنصرية” وزج في هذا المجال ميلشيات اسماها بمسميات تاريخية غير ان تلك المساعي باءت بالفشل الذريع وحصل نفس الشيء عندما عمد صدام حسين الى شن حرب ابادة وتطهير عرقي من خلال “الانفال” غير ان ما حصل في اعوام 2005 ـ 2008 حسم الامر بشكل قاطع فرغم كل ما انفقه الممولون الإقليميون الذي تجاوز إنفاقهم حدود المليارين من الدولارات ورغم ان نقص السيادة وانعدام وجود سلطة وطنية متكاملة ورغم وجود العديد من القوى المحلية الراغبة في اشعال فتيل الحرب الاهلية فان هذه  الحرب لم تحصل، وان كل المحاولات ذهبت ادراج الرياح وصمد التآخي والحب والود وظل النسيج الوطني للشعب قائما بقوة وصلابة لا تلين..

    تلك واحدة من بين اهم العوامل المساعدة للاجهزة الامنية المتمكنة والقادرة على الاداء الامني الصحيح فهي تعمل في بيئة صديقة بصرف النظر عن  الموقع الجغرافي.. إذن اين المشكلة ..؟ ولماذا هذا القصور والتقصير الواضح ..؟

    المطلوب الآن … والانطلاق في الرؤية من أرضية التفكير الاستراتيجي المحيط بالمسألة الامنية من جوانبها كافة .. في اطار فهم علمي وانساني لحاجات المواطن ومن بينها الحاجة الأمنية والأكثر اهمية وإلحاحا فالواجب الاول والذي لا يعلو عليه اي واجب اخر هو تأمين الانسان العراقي والمجتمع العراقي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وفكريا ونفسيا واستخباريا وليس الانكباب على تأمين الكراسي وحماية الجيوب المنتفخة.

    ان الامن الوطني، قضية ملحة ومهمة ترقى الى شرف الإنسان وقدسية معتقداته وفي عالم اليوم صار الأمن صناعة ترتكز على اساس واعتبارات ومفاهيم وعقول واجواء ومناخات وبيئات وأفكار وإبداع وخلق وتجديد صناعة بكل ما في هذه الكلمة من معنى وبالتالي فان غياب الرؤية الثاقبة، والبعد الستراتيجي ، والخبرة المتراكمة والمتجددة والحرفية العالية والاخلاص المتجذر لن يخلق انتاج بمواصفات قادرة على المنافسة والانتصار في اجتياح الصناعات الرديئة من ذلك كله نجد ان ما نعاني منه هو :

    1 ـ فقدان الرؤية الواضحة والمحددة التي تعرف وتدرك حدود الأمن الوطني والتحديات الواجب مجابهتها ومصادر التهديد ونقاط التماس وطبيعة الجسور التي يمكن العبور عليها في الاتجاهين : الايجابي والسلبي.

    2 ـ فقدان الإخلاص الحقيقي غير المفتعل والمجرب. 

    3 ـ فقدان الكفاءة والتمكن وتعدد المهارات وتنوع الممارسات وقدرة صنع القرار المناسب في الوقت المناسب .

    4 ـ انعدام وجود الخارطة الاجتماعية العراقية .

    5 ـ التمكن من الاستخدام المتطور والسليم للتقنيات الحديثة .

    6 ـ الولاء المطلق للوطن وليس للأشخاص للدولة وليس للحكومة للشعب وليس للأحزاب او الكتل او المكونات .

    7 ـ  الانفتاح على تجارب الاخرين في العالم.

    8 ـ البحث عن الكفاءات العلمية التي تمتاز بالذكاء وقدرة التحليل والدراية السليمة مع امكانية الاستنتاج .

    ان اسوأ ما يعاني منه الامن الوطني الان هو مشكلة ” الخطوط المائلة ” او “ازدواجية العلاقة ” ولا يمكن توقع اي نجاح حقيقي للاجهزة الامنية ان لم تصل الى حل لهذه المشكلة بايجاد اسس وسبل كشف هذه الخطوط المائلة ذات الولاء المزدوج او ازدواجية العلاقة..

     ان ذلك لن يكون ممكننا الا عندما نتمكن من رسم مصادر الهوية العراقية الحقيقية على النحو التالي :

    اولا : هناك اجتهادات في الدين الاسلامي شكلت وتشكل تيار المذاهب وهذه المذاهب طرق اجتهادية تختلف في الفرعيات وفي كل شيء يخضع للاجتهاد ، والاجتهاد لا يعني التناقض او التباغض او التقاطع او التعارض بل يعني التجديد والبحث عن الرؤية الافضل والأحسن، كما هو التعدد في تفسير القرآن الكريم ، او الاحاديث النبوية الشريفة وعلى ذلك فلا خلاف اما الطائفية فهي واجهة سياسية يراد بها الاتكاء على ” الدين المسيس” المعتمد على ” تكفير ” الاخر وتجريده من انتمائه الاسلامي ووصفه بوصف ” المرتد ” وهذا امر لا ينبغي له ان يكون ويتحتم استخدام كل المتيسر في الاعلام والخطابة والتوضيح والإرشاد والتركيز على هذه القضية المهمة بحيث نجنب شبابنا الوقوع فريسة الماكنة الدعائية الصهيونية والماسونية والارهابية والبهائية ، والتحذير من دس السموم وتكريس التفرقة بعمامة ” شيعية ” او جبة سنية .

    ثانيا : اننا شعب واحد ، بعربة واكراده وتركمانه وكلدواشوريه وصابئته ومسيحية واسلامه لافرق بين هذا وذاك وان هذا البلد وجد من اجل ان يبقى هكذا ومن غير المسموح به الخروج عن صبغة الإخوة الوطنية والوحدة الوطنية ففي وجودهما ضمان لحقوق المواطنة وحرية الوجود وقدرة البناء وهذا ما ينبغي ان يكون واضحا للجميع، فالكردي الذي يدافع عن العراق، يدافع عن انجازاته ووجوده وقدرته على البناء والعطاء وتطوير ما توصل اليه وكذلك العربي، وبهذا المفهوم تتطابق الآمال القومية مع الآمال الوطنية.

    ثالثا : ان يكون واضحا للجميع ان المنطقة تمر الآن باخطر منعطف تاريخي يقسم بما يلي:

    1 ـ خيوط التناقضات المشتبكة الآن وانقلاب الطاولات وما اصاب التوازنات ونظم العلاقات من خلل هي الان بيد اسرائيل اولا واميركا ثانيا.

    2 ـ تحويل انظمة الحكم في المنطقة الى مهددة ولا يمكن  مواجهة هذا التهديد الا بالدعم الامريكي.

    3 ـ تحريك الاقليات القومية والدينية او تصعيد حدة هذه الخلافات. 

    4 ـ تحريك ودعم الحركات المتطرفة .

    5 ـ تغليب التناقضات الثانوية على التوافقات الرئيسية .

         

  • المؤتمر العالمي للإرهاب في القدس كان البداية .. الأسلمة … والبحث عن شرعية “الحرب” على الإرهاب

     المستقبل العراقي / حليم الاعرجي 

    لا احد في وسعه ان ينكر حقيقة أن جذور ما يسمى بـ “الإرهاب العالمي المعاصر” ظهرت ونمت في فترة الحرب الباردة بين المعسكرين السوفيتي والأميركي، حين قامت الولايات المتحدة الأميركية بدعم “المجاهدين الأفغان” ذوي الأصول الوهابية ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان وبالتأكيد فان بعض فصائل هؤلاء “المجاهدين” التي كانت مدعومة بالولايات المتحدّة الأميركية أصبحت لاحقا أدوات تم تدريبها وتمويلها من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لتصبح ضمن شبكة أسامة بن لادن وهذه حقائق ثابتة، لا سبيل لإنكارها او عدم الاعتراف بها وقد استمرت العلاقة بين المخابرات الأميركية وهذه الفصائل، حتى بعد ان تدخلت الولايات المتحدة الأميركية مباشرة في احداث أفغانستان وأطاحت بحكومة طالبان لتؤسس وضعا بلغة الغموض ويخضع لصناعة الفوضى الخلاقة ولتتسع دائرته بحيث تشمل باكستان ومناطق أخرى في العالم وهنا لابد من ان نتساءل: ترى هل بدات فلسفة الحرب على الارهاب وكينونتها ، مع الاحتلال السوفيتي لأفغانستان ام ان له بداية اخرى وضعت ما حصل في أفغانستان في صياغة فكرية تنظيمية وفي اطار محدد ووفق آليات عملية تنفذه على الأرض..؟

    البعض يحاول ان يثبت تاريخ البدء بشن الحرب على الارهاب على خلفية ما حدث في أيلول سبتمبر 2001 في حين أن الواقع يقول إن الحرب علـــى الإرهاب وتوفير أرضيتها الفكرية ومنطلقاتها السياسية وآفـــاق اهدافها المرحلية والستراتيجية ، بدأت قبل احداث أيلول باثني عشر عاما … اي منذ عام 1990 حيث كان العالم يشهد انحلال وتداعي الكتلة الشرقية وظهور بوادر السقوط السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة في تلك الظروف الغامضة ووسط تلك التحولات المخيفة اجتمعت نخبة من الناشطين في مجال دعم اسرائيل واحلال السلام وانهاء الصراع العربي الاسرائيلي ينتمون الى عدة دول اوروبية وأميركية واسترالية وآسيوية وافريقية في مؤتمر عالمي عقد في القدس في فلسطين المحتلة لدراسة “الارهاب في العالم” وكيفية مواجهة هذا الارهاب ومحاولة وضع تعريف شامل وواضح لكلمة إرهاب والافعال او الحوادث او الوقائع التي توصف بـ”الإرهاب” وعرف المؤتمر فيما بعد بـ”مؤتمر القدس” حول الإرهاب العالمي.

    واذا اردنا ان نفهم طبيعة هذا المؤتمر وغاياته ونواياه ومراميه فلابد من ان نعرف منظم هذا المؤتمر الواقف خلفه والداعي إليه.

    كانت فكرة المؤتمر قد طرحت من قبل بنيامين نتيناهو الذي أصبح فيما بعد رئيسا للوزراء الإسرائيلي ويلعب الآن دورا كبيرا من خلال موقعه كرئيس للوزراء في الوقت الحاضر في رسم مستقبل إسرائيل على الصعيد الاقليمي في قضيتي حل القضية الفلسطينية وفق مشروع الدولتين، وموضوع الملف النووي الإيراني الذي تعتقد إسرائيل انه يشكل عليها خطورة، بسبب كونه يتجاوز احد أهم الخطوط الحمراء للإستراتيجية الاسرائيلية التي تتعدى مفاهيمها الأمنية حدود إسرائيل إلى كامل الحدود الاقليمية لمنطقة الشرق الأوسط بأكملها.

    المهم ان فكرة نتيناهو تلقفها شقيقه الذي يحمل معهد “جونوثان نتيناهو” اسمه وكان عقيدا في الجيش الإسرائيلي وتم قتله على يد إحدى الفصائل الفلسطينية فأسس شقيقه معهدا متخصصا بالأبحاث والدراسات الإستراتيجية احياءً لذكراه وقد تبنى هذا المعهد ما وصفه بـ “الارهاب” في اشارة واضحة للمقاومة الفلسطينية على اساس انها من وجهة نظره ارهابا ، ولذلك عمل على مدى اكثر من عقدين من الزمن بالتهيئة والاعداد لاعمال تدخل في هذا الاطار وقد توجه عمله هذا بـ”المؤتمر العالمي” للإرهاب حيث قام المؤتمر من خلال توصياته بوضع الايديلوجية لما يسمى ” الحرب على الارهاب ” ثم قام بتأسيس منظمة وجعل مقرها في روسيا لمحاربة الارهاب وتوفير الدعم المالي واللوجستي لها.

    لقد شكل ذلك حافزا قويا للبروفسور فيليب بول من جامعة سان فرانسيسكو الاميركية لاعداد دراسة مفصلة مدعومة بالوثائق عن حركة الإرهاب العالمي للفترة من 1968 ـ 1978 وقد لاقت هذه الدراسة إعجابا وقبولا من قبل الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان ولعبت الدراسة دورا كبيرا في اعادة النظر بالخطط الأميركية، بتجديد قواعدها وحيثياتها، واسسها وارستها على نوع معين من الشرعية السياسية.

    لقـــد تضافرت النتائج المتحققة من المؤتمــر العالمي للارهاب الذي عقـــد في القــدس مــع دراسة البروفيسور فيليب بول، لتوجد أسسا جديدة في السياسة الاميركية في اطار العمل ضد الارهاب وكان ابرز تلك الاسس واشدها اثارة تبني الولايات المتحدة الأميركية أسلوب إقامة العلاقات المباشرة مع الحركات والتيارات المتطرفة في العالم، وتوثيق العلاقات المباشرة مع الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية… حتى وصل الامر درجة قيام تحالفات تنطوي على قدر كبير من التعاون المباشر وغير المباشر في أجواء شهدت نشاطات غير محدودة لوكالة المخابرات الأميركية CIA  لإيجاد أسس وقواعد التعاون في إطار من السرية وكان من بواكير هذه الجهود إيجاد “جيش” من ” المجاهدين”. 

    لقد حلت عبارة ” الارهاب ” على نطاق واسع منذ ان جرى استخدامها من قبل مؤتمر الإرهاب العالمي محل عبارة “العنف” قد اشتد الحوار والنقاش على هذا التوصيف الذي ظل عاما بعيدا عن التحديد حيث كان انصار  توصيف العنف يؤكدون ان لهذا التوصيف عمقا تاريخيا في حياة البشر وقد استخدم للاشارة الى الاعمال المجردة من قيم الرأفة والرحمة والانسانية وهو توصيف ينطبق على الفعل شكلا وموضوعا اما ” الارهاب ” فلا يتحقق ذلك التطابق بين المضمون والتوصيف اذ ليس شرطا ان يكون الارهاب مقترنا بالعمل الفعلي، فقد ترهب إنسانا وتخيفه بالتهديد والتلويح وبهذا المعنى يصبح الإرهاب “تخويفا”.

    لقد كانت د وافع المؤتمر بالتمسك بهذا التوصيف معروفة رغم انه لم يتطرق اليها بالتصريح او التلميح فهو اراد ان يوصف العمل الفدائي الفلسطيني حصرا بوصف يستمده من القرآن الكريم وكان كل شيء يوحي بان هناك مخاضا اسرائيليا اميركيا ليس طبيعيا ويراد له ان يلعب دورا بارزا ومؤثرا على المستوى العالمي في كبح جماح المسلمين العرب وغير العرب الذين بدءوا يتحركون على مختلف المستويات  باستخدام النفط وأمور ستراتيجية أخرى في التأثير على الرأي العام العالمي، حيث كان لهم مكان الصدارة في حركة عدم الانحياز مجموعة الـ” 77 ” والوحدة الافريقية وفي اميركا اللاتينية وفي آسيا ويملكون صنع القرار في منظمة الاوبك ولديهم منظمة خاصة بهم تعني بشؤون التنسيق والمشاريع المشتركة وهي منظمة “اوابك” وكان بهم التأثير الفعال في المنظمة الدولية وصدور قرار الجمعية للأمم المتحدة بإدانة إسرائيل بجريمة “العنصرية” كان انتصارا باهرا للقضية الفلسطينية فكان لابد من رد يسقط كل ذلك ويظهر الطرف الآخر ” ارهابيا ” ليست له قضية عادلة ، ليس له موقف انساني وكان لهم ما ارادوا … اذا وجدوا العينات التي تستجيب لهم وتجسد ما ارادوه برداء اسلامي كاذب .

    لقد حل ” الخطر الاسلامي ” محل ” الخطر الشيوعي ” واذا كانت اسرائيل واميركا قد فسرا معنى “الخطر الشيوعي” بالتحليل والنقاش والاستناد على المعطيات القائمة على الارض فأنهما كانا عاجزين عن فعل ذلك مع ما وصفاه بـ “الخطر الاسلامي” وكان لابد من ان يستندا على معطيات واقعية قائمة على الأرض من هنا جاء دور الاسلمة فكرا وسلوكا وبالاعتماد على ” تفكير” الآخر ومعاقبته بالقتل عن طريق الذبح “الحلال”.

    وبحسب ما يذكره الدكتور نور علي الاكاديمي والسياسي الباكستاني، باشرت واشنطن باتخاذ خطوات فعالة وعملية في هذا المجال لاستثمار الغزو السوفيتي لأفغانستان  بالسعي إلى تنظيم الكثير من الراغبين بالجهاد ضد السوفيت وربطهم بوكالة المخابرات الأميركية من حيث النقاط التالية:

    1 ـ التمويل وتتكفل به الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص والسعودية كعامل مساعد تحول فيما بعد إلى ممول أساسي ووحيد.

    2 ـ التدريب والتأهيل اللوجستي والايديلوجي والتركيز على قاعدة “التكفير ” وان لا حياة ولا وجود للكافر وان قاتل الكافر في الجنة ويشارك الرسول محمد “ص” في أكله وصحبته ..

    لقد تجاوزت الولايات المتحدة الاميركية كل التصورات والتوقعات في استغلال الشعور الديني السائد لدى الشعب الافغاني بشكل خاص والشباب المسلم في باقي الدول الإسلامية وبشكل محدد في السعودية ومصر وشمال افريقيا وتوظيف كل ذلك في خلق مقاومة للنظام الشيوعي الكافر وبادرت أميركا الى طبع كتيب صغير باللغة الأفغانية يشرح مضامين وأهمية الجهاد في الإسلام بلغة بسيطة.

    كان اسامة بن لادن احد اهم الشخصيات المحورية في هذه العملية وهو أسامة ابن الشيخ محمد بن لادن، مؤسس إمبراطورية المقاولات والانشاءات التي سيطرت على معظم المشاريع في السعودية بدعم حكومي مثل: شبكات الطرق والمطارات وقد انتقل نشاطه في المقاولات إلى الاردن والكويت والامارات  وغيرها .. وكان يتمتع بصداقات وعلاقات عائلية وطيدة مع عائلات أميركية كبرى كعائلة بوش الأب والابن.. وكان على علاقة حميمة بهنري كيسنجر وشخصيات أميركية كثيرة.

    كان الشيخ أسامة من غلاة الوهابية دينا ولذا كان مقربا جدا من العائلة المالكة في السعودية وقد دخل عالم “الجهاد” بدفع وتأييد وتحريض من صديقه بوش الابن.لقد بدأت قرارات وتوصيات مؤتمر “الإرهاب” العالمي في القدس يؤتي ثماره فقد بدأت عمليات “غسل الدماغ” تتواصل في باكستان وافغانستان والسعودية وأخذت النجاحات التي حققها “المجاهدون”  ضد السوفيت تصغي عليهم هالة من الفخر الممزوج بـ ” ثقة ” بالنفس تتعزز كل يوم وبدا الاعلام الاميركي والغربي والاسرائيلي يخلق من ذلك اساطير ماطرة بـ “مخاوف” يفصح عنها هنا او هناك إلى أن رفع الغطاء عما يجري في الخفاء عند إنهاء الاحتلال السوفيتي وانبثق نظام طالبان بتشجيع وتأييد اميركي “مقصود”.

    لقد كانت الرؤية المحددة للإستراتيجية التي حددها المؤتمر، هي العمل على ايجاد مصادر التهديد والخطر من خلال خلق بؤر تفرز ظواهر مظاهر يمكن استثمارها في الترويج للحرب على الإرهاب منها:

    1 ـ استغلال العمليات التي تستهدف الطائرات وامن النقل الجوي بالخطف او الإسقاط او التفجير.

    2 ـ استغلال عمليات احتجاز المدنيين وخصوصا في المدارس والمعاهد العلمية والتربوية .

    3 ـ استغلال عمليات استخدام اساليب واسلحة ووسائل الدمار الشامل. 

    4 ـ استغلال عمليات التفخيخ والذبح ضد المدنيين وجاءت في أسس هذه الستراتيجية تأكيدات بضرورة ان تستخدم كافة الوسائل الإعلامية لتسليط الضوء على هذه الممارسات لزيادة كراهية الناس لها ورفضهم التعاطي او التعاطف مع مرتكبيها بصرف النظر عن المستهدف… والآن من هم مهندسو ومنظمو ومعدو هذا المؤتمر ولماذا اجرى التعتيم عليه وطمس معالمه؟.

    حسب وثائق فيليب بول ، فان الحاضرين يفصحون بوضوح عن اهمية ومكانة هذا المؤتمر الذي مهد الطريق لإعلان اميركا “الحرب على الارهاب” وهم :

    1 ـ مناحيم بيغى رئيس منظمة اراغون ورئيس وزراء لعدة دورات. 

    2 ـ بنزيون نتنياهو بروفسور في جامعة كورنيل. 

    3 – شيمون بيريز زعيم حزب العمل الاسرائيلي. 

    4 ـ الجنرال حاييم هيروتز رئيس مخابرات اسرائيل في حينها .

    5 ـ الواء ماييراميت رئيس مخابرات اسرائيل سابقا .

    6 ـ العقيد هارون ياريف رئيس مخابرات سابقا.

    7 ـ اللاوء سلومو كازيت رئيس مخابرات سابق.

    8 ـ بول جونسون رئيس تحرير جريدة “نيو ستيتسمان” الاميركية. 

    9 ـ سيرهيو فريزر نائب عن حزب المحافظين البريطاني .

    10 ـ ريتشارد باليبس بروفيسور متخصص بالشؤون الروسية ومستشارا لدى الرئيس ريغان.

    11 ـ ري كلــن نائــب رئيــس وكالة المخابرات المركــــــزية الاميركية سابقا.

    12 ـ اللواء جورج كيفان قائد القوة الجوية الأميركية .

    13 ـ جــــــورج بــــوش ” الأب” رئيس المخابرات الأميركية سابقا ورئيس الولايات المتحدة لاحقا ووالد الرئيـــس الســابق جورج بوش الابن.وهنا نتساءل .. ترى كيف تغير التوجه في التثقيف والإعداد النفسي من مجاهدة الكفار السوفيت الى “مجاهدة” الكفار الأميركيين وكانت البداية أحداث أيلول “سبتمبر” وهذا ما سنتحدث عنه في حلقة جديدة من هذا  الموضوع.

      

      

  • الجديد القديم في المنطقة العربية .. من الانقلابات العسكرية إلى الربيع العربي.. النتائج واحدة والأسلوب يتغيّر!

    منذ أن بدأ الغرب بتنفيذ اتفاقيتي سايكس بيكو وسان ريمو الخاصتين بتقسيم الوطن العربي بين الدول المنتصرة في الحرب العالمة الأولى.. أخذت عمليات التغلغل المخابراتي المصحوب بالدعم اللوجستي والمالي والسلطوي، تأخذ شكلا مغايرا لما كانت عليه في زمن السيطرة العثمانية، ففي الوقت الذي كانت فيه الدول الغربية تكرس جهودها في مجال تحريض العرب على التمرد والعصيان على السلطة العثمانية وتشجع التوجهات القومية والوطنية، باتت بعد قيام الحكومات والدول في الأجزاء التي تحررت من الهيمنة العثمانية تبذل جهدا متصاعدا في مضمار محاربة المشاعر القومية والوطنية وتكرس النعرات الطائفية والعنصرية وتبثّ سموم التفرقة من خلال تقريب هذه الفئة او هذا الطيف وإبعاد ذلك وشراء الذمم ونشر ثقافتها ومحاربة الثقافة الوطنية والقومية وإشاعة قيم التقليد والهوس بالقيم والتقاليد الغربية وتكريس الاعتماد المطلق على الغرب في كافة المجالات وعلى كافة الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتشكيك في جدوى الاعتماد على النفس واللحاق بركب الحضارة. 

    وتناولت بأهمية مطلقة قضية الجيوش في المنطقة العربية باعتبارها العصب الأشد حساسية في البنية الأمنية والمدنية والسياسية للدول العربية، فحاولت التركيز على هذه المؤسسة الوطنية على نحو غير مسبوق انطلاقا من توقعها من الدور الوطني والقومي، الذي ينتظر هذه المؤسسة الأمنية العسكرية وهو دور في غاية الأهمية بحكم كون هذه المؤسسة تمتع بأقصى درجات الأهمية بالنسبة للأمة العربية باعتبار ان ليس في الإمكان تحقيق أيّ تقدم في مضمار امتلاك الدول العربية قدرتها في فرض إراداتها السياسية بحماية مقدراتها الاقتصادية والسيادية والثقافية والحضارية إلا بتوفر جيش قوي ومؤسسات أمنية وشبكات مخابراتية متكاملة وقادرة على تغذية هذا الجيش بما يحتاجه من معلومات يستند عليها في صياغة ناجحة ومقتدرة لعقلية عسكرية تؤسس مدرسة متكاملة مؤهلة لوضع إستراتيجية تنهض على فهم حركي يستوعب الواقع الماثل ويتواصل مع التاريخ لبناء مستقبل تجد فيه الأمة العربية اعتبارها الذي كانت عليه عبر التاريخ. 

    لقد تجسدت الجهود الغربية في مجال الموقف من الجيوش العربية بعدة محاور أساسية منها: 

    1- نقل التمييز الطبقي الى التركيب التنظيمي في المؤسسة العسكرية فالغالبية العظمى من الضباط هم من الأغنياء والمترفين وشيوخ العشائر والوجهاء وكبار المسؤولين اما الجنود فهم من الفقراء والمعدمين رغم ان بعض الجيوش العربية التجنيد الإلزامي لكسر هذه الطوق.. 

    2- حرمانها من القيام بما وجدت من اجله على صعيد حفظ الأمن والاستقرار والسيادة الوطنية.

    3- استخدام الأسلحة التي تم شراؤها بملايين الدولارات المستقطعة من قوت الشعوب ومن حقها في الرخاء والسعادة والرفاهية في غير الأهداف والمسوغات والمبررات التي اعتمدت في تسويغ شرائها حيث تم توجيهها نحو صدور المدنين العرب من السلاح لتراق الدماء الشريفة الحرة الكريمة على أديم الأرض المنكوبة بضياع مفاتيح الوجود القادر على حمايتها من دنس الطامعين وغدر الاستعماريين. 

    4- ومن اجل تحقيق كل ذلك وغيره فقد اتجهت أسهم البوصلة الغربية باتجاه التمادي أكثر فأكثر من خلال اختراق المؤسسة العسكرية بـ(المغامرين) و(الطائشين) و(الباحثين) عن السلطة والتسلط. 

    لقد أدى ذلك الى نتيجتين مهمتين: 

    الأولى : أن الشعوب العربية باتت تنظر للجيوش العربية، على انها حاوية او حاضنة او مفرخة للانقلابات العسكرية التي لا تؤدي سوى الى تعميق الجراحات وتبديد القدرات والإمكانيات وتفويت الفرص وخلق العداوات والجزارات والتناقضات بين أبناء البلد الواحد دون أية أسباب حقيقية وأكثر من ذلك. 

    الثانية: ضمان وجود الحاجة للمساعدة والدعم الغربي طالما أن قائد الانقلاب العسكري احد اثنين. 

    1- عديم الكفاءة.. فيتخبط إلى أن يضع الأمور تحت طائلة الحاجة إلى الدعم والإسناد الغربي بتحقيق ما يريده الغرب عموما والطامعون من الأعداء بشكل خاص في جو من البهرجة الشعاراتية والبراقع الخطابية. 

    2- أو ان يكون قد وصل الى ما وصل اليه نتيجة الدفع المخابراتي الغربي بشكل مباشر او غير مباشر، وبذلك فهو يظل قيد التوجيه بواسطة الريموت او بواسطة حلقات اتصال وتواصل وضعف هذا النموذج من قادة الانقلابات أنهم معرضون للافتضاح والانكشاف مهما حاولوا إخفاء حقائقهم لذلك كان ينبغي الدخول في حلقة كبيرة وواسعة من الانقلابات العسكرية بحيث يظل المواطن في الوطن العربي في عدم قدرة على التشخيص والتحديد فإذا كان الانقلاب (أ) مرتبطا بالغرب وأعداء الأمة لماذا حصل الانقلاب (ب) ضده..؟ البعض كان يلجأ الى تفسير ذلك بانه جزء من الصراع بين الدول الاستعمارية الامبريالية.. فيما يوزع البعض الانقلابات العسكرية بين الوطني وغير الوطني حسب المزاج والميول والتوجهات السياسية والدينية والمذهبية. 

    الواقع الذي لا يمكن ان نخطأ في تشخصيه هو ان الغرب كان ولازال وسيظل يعاني من مشكلة المنافسة بين دوله فما موجود الان وقبل الان بين الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا وغيرهم، المنافسة وليس الصراع وبالتالي فان توزيع الانقلابات على أساس الولاء لهذه الدولة الغربية او تلك ليس صحيحا برغم أن هناك أولوية في التعامل، إذ حصل ان بعض الانقلابات كانت ذات أولوية أمريكية في حين نجد غيرها ذات أولوية بريطانية بيد ان في كل الأحوال لم يحصل تغيير انقلاب بغيره نتيجة الولاء لهذه الدولة او تلك بل كان يحصل عندما يستنفذ الانقلاب أهدافه ويتحول الى عبء على الغرب يلجأ عندها الى ازاحته بأية طريقة وبأي ثمن.. كلما كانت حاجته السياسية او الاقتصادية قائمة، كان هناك استعداد للتغيير، ومن هنا نجد أن مجموع الانقلابات العسكرية التي حصلت في الوطن العربي تجاوزت حدود الخمسين انقلابا ناجحا عدا الانقلابات الفاشلة.. نصفها تقريبا في العراق وسوريا. 

    لقد حصل اول انقلاب عسكري في المنطقة العربية بتاريخ 1936 قام به بكر صدقي ضد وزارة ياسين الهاشمي.. وقد شكل وزارة جديدة برئاسة حكمت سليمان وتولى هو تسيير الامور بعيدا عن البلاط الملكي غير انه تعرض الى عملية اغتيال في الموصل وهو في طريقه الى تركيا لحضور مناورات عسكرية تركية وبعد ذلك بخمس سنوات حصل انقلاب عسكري اخر بزعامة رشيد عالي الكيلاني وبقيادة العقداء الاربعة في الاول من مايس عام 1941.. وفي عام 1958 حصل انقلاب عبد الكريم قاسم في 14/ 7/ 1958 وهو المرة الثالثة التي يخرج فيها الجيش ليطيح بالنظام القائم ويقيم محله نظام آخر في غضون عشرين سنة. بعد ذلك وفي عام 1963 في شهر شباط حصل انقلاب جديد هو الرابع ليطيح بنظام عبد الكريم قاسم ويقيم نظاما بعثيا هو الأول من نوعه في العراق، بيد أن انقلاب 8 شباط 1963 لم يستمر طويلا إذ تلاه انقلاب جديد بقيادة عبد السلام محمد عارف في 18/ تشرين الثاني/ 1963، وبعد اربع سنوات تقريبا عاد البعثيون من جديد في انقلاب دموي هو الخامس في سلسلة الانقلابات بتاريخ 17/ 7/ 1968 وبعد 13 يوما عاد البعث ليعزز سيطرته الكاملة على سلطة الانقلاب بانقلاب مكمل في 30/ 7/ 1968 ومنذ ذلك التاريخ ظل البعث في السلطة إلى عام 2003 حيث أطيح بنظامه واسدل الستار على اسوأ فترة مظلمة مرة على العارق.. واذا ما اضفنا الى عدد هذه الانقلابات الانقلابات الفاشلة كانقلاب عبد الوهاب الشواف على عبد الكريم قاسم وانقلاب عارف عبد الرزاق على حكومة عبد السلام عارف وانقلاب عبد الغني الراوي على حكم البعث وانقلاب جماعة راجي التكريتي على حكم البعث وانقلابات اخرى كثيرة، نقف امام عدد هائل من الانقلابات العسكرية توحي وكان الجيش لم يكن موجودا الا لغرض القيام بانقلابات عسكرية وقد تحولت الدبابة والطائرة والمدفع وسائل التفاهم بين الخصوم. وما حصل في العراق حصل في سوريا ايضا فمنذ عام 1949 شهدت سوريا سلسلة من انقلابات المتعاقبة حتى بلغ عددها اكثر من عشر انقلابات ما بين 1949 – 1970 ففي 30/ اذار / 1949 قاد حسني الزعيم قطعاته العسكرية ليطيح بنظام الحكم القائم ويتولى هو المسؤولية بيد ان ذلك لم يستمر طويلا فقد توجهت الدبابة الى قادها مدافعها ضده لتطيح به في انقلاب عسكري جديد بقيادة سامي الحناوي في 14/ آب/ 1949 اي بعد خمسة أشهر فقط ولم يستقر المقام طويلا بسامي الحناوي إذ فاجأه أديب الشيشكلي بانقلاب آخر في 24/ 11/ 1949 اي باقل من 100 يوم فقط، ولكن الشيشكلي اضطر في 29/ 11/ 1951 لقيادة انقلاب جديد وضع المسؤولية فيه بيد شكري القوتلي وفي 25/ 2/ 1954 قاد مصطفى حمدون انقلابا ضد حكم الشيشكلي وسقط انقلاب مصطفى حمدون في انقلاب عسكري جديد بقيادة عفيف البزري في 13/ 1/ 1958 انقض عليه عبد الكريم النحلاوي بانقلاب اخر في 28/ 3/ 61 وقد أجهض هذا الانقلاب الوحدة بني مصر وسوريا وبعد اقل من عام وقع انقلاب جديد بقيادة زياد الحريري في 8/ 3/ 1963 حمل حزب البعث إلى الحكم في سوريا وفي 16/ 11/ 1969 قاد صلاح جديد انقلابا اطاح بحكم جناح ميشيل عفلق وأمين الحافظ غير ان هذا الانقلاب لم يستمر طويلا فبعد اقل من عام قاد حافظ الأسد انقلابا في عام 1970 ظل قائما الى الوقت الحاضر وهو اول انقلاب يقيم نظاما جمهوريا وراثيا وهذا ما شجع انقلابيون آخرون في العراق ومصر واليمن من السعي الى تبني أسلوب التوريث بعد ان وجدوا الفرصة سانحة لهم في غياب القدرة على القيام بانقلابات عسكرية جديدة، بعد أن استفادوا من تجارب الماضي في كيفية تفادي الصيغ الفنية في التحضير للانقلابات ووضعوا أسسا وقواعد صارمة في التحكم والسيطرة على حركة القطعات العسكرية وقيادة القطعات وتوزيع الاسلحة الثقيلة مع امتلاك قطعات فاعلة ومدربة تدريبا عاليا ومحصورة لديها الاسلحة والمعدات اللوجستية فضلا عن توفير الولاء المطلق مع الارتباط المصلحي كما تحت السيطرة المطلقة على اجهزة ومؤسسات الاستخبارات العسكرية والأمنية وتوفير احدث واعقد المعدات في السيطرة والتحكم .

    هذا الى جانب الاستخدام الواسع والنشط للاعلام والدعاية وممارسة كل المظاهر والظواهر المغطاة بغطاء الديمقراطية والحرية، حيث كانت نسبة 99، 99 في المئة هي الحاجز الذي لا يمكن القبول بغيره في اية انتخابات شكلية لانتخاب رئيس الجمهورية في سابقة طالما تكررت في بلدان عربية أخرى حيث صارت الانتخابات بيعة وولاء ثم صار التوريث على قاعدة إذا قال الانقلابي قال الوطن بأكمله. 

    ان ما حصل في العراق وسوريا حصل في مصر أيضا منذ انقلاب عام 1952 حيث تبعته عدة انقلابات أخرى ولكن بطريقة مختلفة من ناحية الأداء الفني بها، فالانقلاب الذي اطاح بجمال عبد النار لم يكن على طريقة الانقلابات التي حصلت في العراق او في سوريا بل هي تشبه أيضاً حتى الانقلاب عام 1952 ضد حكم الملك فاروق. 

    لقد حصل الانقلاب على عبد الناصر بطريقة خفية وعلى نحو درامي فقد مات عبد الناصر مسموما ومن قدم له السم في أيلول عام 1970 كان معروفا انه يمشي جنب الحيط، بيد انه كان ثعلبا ماكرا مخادعا ربته المخابرات الإسرائيلية وانفقت عليه منذ عام 1959 كما يقول ذلك الصحفي والكاتب المصري المعروف محمود السعدني بعد أن استلمته من المخابرات الالمانية. 

    وفي ذلك يروي امين هويدي الشخصية المصرية المعروفة والوزير المصري السابق وسفير مصر الاسبق في العراق، ان السادات غرر بالمخابرات المصرية التي اكتشفت علاقاته بالموساد منذ عام 1957 وقد تم وضعه تحت المراقبة الدقيقة بيد انه عرف من المخابرات الإسرائيلية انه مراقب في وقت مبكر فجمدت الموساد علاقاتها به إلى أواسط الستينيات ويقول انه اشتغلت اجهزة الاستماع التي وضعت بعناية في غرفته للمزيد من الخداع والتضليل وهو الذي ورط عبد الناصر في حرب اليمن ولم يطل المقام بالسادات اذ سرعان ما تعرض لعملية اغتيال على يد الاسلاميين في 14/ 10/ 1981 ليتولى الأمر بعده حسني مبارك الذي طال وجوده فاستدعي الأمر اللجوء إلى أسلوب جديد في عمليات التغيير بعد ان تكررت نسخة حافظ اسد في مصر والعراق واليمن وتونس التي شهدت انقلاب الربيب على صاحب نعمته في عملية قل نظيرها.. حيث أزاح زين العابدين علي الرئيس حبيب ابو رقيبة. 

    لقد غادر مصطلح الانقلاب العسكري الساحة العربية باستثناء ما حصل في موريتانيا مؤخرا ليحل محله الربيع العربي الدموي. من هنا يمكن القول ان زمنا قادما لا نعرف كم عدد سنينه سيشهد المزيد من مشاهد الربيع العربي في بلدان عربية كثيرة لا تستثنى منه حتى دول الاستبداد المالي فإذا كانت هذه الدول قد تمكنت من إجهاض كل المحاولات الانقلابية التي حصلت فيها قطر، السعودية، البحرين، لأسباب تتصل بقلة عدد أفراد جيوشها وسهولة السيطرة على مفاصل الفعل فيها وقوة الأجهزة المخابراتية لديها وتمكنها من الإغراءات، فليس في وسعها السيطرة والتحكم بالعواطف والمشاعر الجماهيرية اذا ما انطلقت من عقالها، خصوصا وان شرارات ذلك متوفرة وخصوصا في السعودية وفي البحرين وفي الكويت وغيرها. 

    الآن لابد من ان نتساءل.. ترى لماذا هذا التغيير في استخدام أسلوب التلاعب في البنية الحكومية للدول العربية، بحيث كانت الانقلابات العسكرية هي السمة الأكثر وضوحا في التعاطي والتعامل السياسي بين القوى المرتبطة بالغرب برغبتها او غصبا عنها، الجواب على هذا السؤال سهل ويسير فالغرب بعد ان استنفذ كل إمكانياته الفنية والمخابراتية في السيطرة على النتائج التي تجسدت على الارض عبر الانقلابات وتحولها إلى التوريث والتمسك في كرسي الحكم وقطع الطريق على أية محاولة انقلابية اخرى بات من الضروري اللجوء الى اسلوب جديد يحقق الهدف الذي تسعى إليه القوى الكبرى في الغرب في عمليات التغيير والتبديل بحسب الظروف المستجدة!!

  • العراق والكويت الفصل السابع.. سكين الغدر والانتقام في الخاصرة العراقية.. إلى متى ؟ !

     المستقبل العراقي / حليم الاعرجي 

    الكثيرون في داخل العراق وخارجه، يجهلون او يتجاهلون، ما يعانيه العراق من أضرار وأمراض وإشكاليات ومشاكل ومعضلات موروثة في العهد الصدامي الغابر، او هي من نتائج الاحتلال الأميركي، ومن بين أسوا والعن وأردأ تلك الإضرار الفادحة، خضوع العراق للفصل السابع وما ترتب على ذلك من نتائج مباشرة او غير مباشرة مدمرة، هذا فضلا عن التعويضات والديون وما ترتب على الاحتلال من نتائج تقف في مقدمتها الاستباحة المقصودة وغير المسبوقة، لكل ثوابت وأساسيات وقواعد وجوده الأمني والسياسي والوطني، حيث ظل العراق لفترة طويلة من الزمن على مدى عامي 2003 و2004 بلا موانع ولا قيود ولا حدود.. تجوبه الغربان والثعالب والذئاب والخنازير من شماله الى جنوبه، تبحث عن فرائسها بشراهة لم يسبق لها مثيل.

    وطوال السنوات التسع الماضية، حاول العراق بكل ما تيسر لديه من جهد متواضع العمل على مواجهة تلك الآفات والأعاصير الصفراء المدمرة، وبرغم قوة الشمولية الجهد المناوئ المنطلق من قوى إقليمية ودولية تملك كل مستلزمات العمل العلني والسري لتقويض الجهد الدفاعي العراقي المتواضع، فأن العراق ظل يحاول بجهود متواصلة ومتصاعدة، إقناع القوى الظلامية التي تقف خلف استمرار خضوع العراق للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وقبل الدخول في مجريات خضوع العراق لهذا الفصل، ومحاولة الإجابة على أسئلة من نوع على من تقع مسؤولية اخراج العراق من طائلة عقوبات الفصل السابع؟ ولماذا تصر بعض الجهات الإقليمية وبتأييد دولي على الاستمرار في الضغط على الأمم المتحدة بموافقات خفية وتحريض سري من دول كبرى للإبقاء على خضوع العراق للفصل السابع، دون ان يكون هناك ما يدعو لهذا.. بل لقد تحول الأمر إلى قضية خطيرة تنطوي على قدر من الاستهانة الواضحة بميثاق الأمم المتحدة الذي وجد ليس من اجل الانتقام، بل من اجل ردع أولئك الذين يستهلون خرق قواعد القانون الدولي والإنساني فيقدمون على الإساءة لشعوبهم قبل الشعوب والأمم الأخرى نقول: ترى ما هو هذا الفصل الذي بات الآن يستخدم من قبل البعض للانتقام والثأر..؟

    يتكون ميثاق الأمم المتحدة من “111” مادة تنتظم في 19 فصلا، وتعتبر الفصول الثلاثة ” 5 و 6 و 7 ” هي أهم الفصول واخصها البند السابع وفي هذا البند يتحدث الميثاق عن مجلس الأمن واختصاصاته ويضم 39 ـ 51 مادة وهذا البند، اي السابع يحمل عنوان “فيما يتخذ من أعمال في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان” علما ان أهمية هذه المواد تكمن في أنها تملك آلية قشرية في التنفيذ من قبل الأمم المتحدة ومجلس الأمن على الدول المعاقبة.

    وتنص المادة 39 على مرحلة إصدار القرار من قبل مجلس الأمن، وهي التي تقرر حجم ونوع التهديد الواقع ضد السلم او الإخلال به والاقرار بوجود العدوان.

    فيما ذهبت المادة 41 الى الزام مجلس الامن بإصدار العقوبات غير العسكرية كقطع العلاقات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبرية، قطعا كليا او جزئيا.

    غير ان المادة 42 ذهبت الى ابعد من ذلك، الى حيث اتخاذ التدابير العسكرية عن طريق القوات الجوية والبحرية والبرية وعمليات الحصار البحري والجوي والبري.

    وتعتبر القرارات الواقعة تحت البند السابع ملزمة، في حين انها غير كذلك اذا ما وقعت تحت البند السادس… كما حصل بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي للاراضي العربية في عام 1967.

    ورغم ان عقوبات البند السابع شملت العديد من الدول في افريقيا والبلقان واسيا واميركا اللاتينية بيد ان ما حصل مع العراق لم يحصل مع كل الدول التي استخدم البند السابع ضدها.

    ان الخطورة التي ينطوي عليها البند السابع، تتعدى حدود مستلزمات ردع المعتدي ومعاقبته في إطار الحفاظ على امن وسلام العالم، فمنذ عام 1990 وبعد غزو صدام حسين للكويت كثر استخدام البند السابع في القرارات الخاصة بالعراق، فصدر ما يزيد على 90 قرارا واستمرت القرارات الى ما بعد خروج صدام حسين من الكويت ويلاحظ ان جميع القرارات التي صدرت كانت ضمن البند السابع اي انها ملزمة التنفيذ، باستثناء قرار واحد هو قرار 688 الذي نص على ضمان حقوق الانسان السياسية والمدنية والانسانية لجميع المواطنين والكف عن الابادة والقمع الذي كان يمارسه النظام الصدامي بحق ابناء الشعب العراقي، وواضح لماذا استثني هذا القرار عن الخضوع للبند السابع فيما اخضعت جميع القرارات الاخرى التسعين للبند السابع لأنها كانت، مذلة ومهنية للعراق وللشعب العراقي. 

    بالطبع لا يمكن ان يخطا المرء ادراك حقيقة ان غزو الكويت بكامل صفحاته، كان مؤامرة كبرى، شاركت فيها الكويت ودول كبرى وذلك من اجل مسألتين سياسيتين: 

    الاولى : تجديد قدرة الكويت على البقاء وسط تحديات محلية واقليمية ودولية عديدة يأتي في مقدمتها استفحال أزمتها الاقتصادية والسياسية الخانقة في الثمانينات وبداية التسعينات وتعرض الانتاج النفطي الكويتي للتعثر بسبب نضوب او قرب نضوب بعض المكامن النفطية وقد جاءت نتائج الغزو الاهوج مطابقة لما كان مأمولا حيث حصلت الكويت على اكثر من سبعين مليار دولار كتعويضات الكثير منها كاذبة إلى جانب استرداد ديون مبالغ فيها أعطيت كمنح او هبات او ديون بلا فوائد او ودائع او تسهيلات، والأكثر من كل ذلك الترسيم الزاحف نحو الشمال لــ “الحدود ” وما انطوى عليه من الاستيلاء على اكثر من ” 50 ” بئر نفط إنتاجية من حقول جنوب الرميلة وعدد كبير جدا من المزارع المعمرة والاستيلاء على جبل سنام وخور الزبير وخور عبد الله في الخليج العربي ومحاصرة موانئ العراق الرئيسة وفي مقدمتها “ام قصر” والقاعة البحرية العراقية وغير ذلك.

    الثانية: ان اخطر قرار صدر بحق العراق في اطار البند السابع هو القرار 678 الصادر بتاريخ 3/ نيسان / 1991 ويعتبر أبا القرارات كلها، حيث احتوى هذا القرار على 34 مادة، كلها وضعت العراق امام الخطر المحدق به وجها لوجه، حيث اتاح هذا القرار، بتنفيذ الوجه الاخر للمؤامرة، ذلك هو وضع العراق تحت الوصاية الاميركية المباشرة منذ لحضة صدوره، وهذا ما جعل اميركا تعلن في 9 / نيسان / 2003 انها دخلت العراق وفق القرار الاممي 1483 وبعد ذلك عدلت عن هذا القرار فأطلقت على نفسها قوات متعددة الجنسية بقرار 1546.

    ان كل الوعود التي اعطيت للعراق على مدى اكثر من سبع سنوات لم تستطع تحقيق أي تقدم يذكر بما في ذلك معاهدة الإطار الستراتيجي مع الولايات المتحدة الامريكية وكذلك تلك التي أعطيت من قبل الدول دائمة العضوية لمجلس الأمن الدولي للعراق عبر وزارة الخارجية العراقية وعبر رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وعبر رئيس الجمهورية جلال طالباني وجميع الذين اعربوا عن رغبتهم في ” انقاذ ” العراق من الوحش القاتل ” البند السابع ” قالوا ايضا إن في وسع العراق التحرك على دولة الكويت للحصول على “قبول” فعال ومحدد وتحرك جدي، لمساعدة العراق في مجال الخروج من البند السابع بسبب ان “دولة الكويت” لا زالت تصر على ان العراق لم يبذل الجهود المطلوبة والمرغوبة التي تجعله قادرا على التحرك باتجاه الخروج من البند السابع.

    فقهاء القانون الدولي في العراق وفي العالم لا أحد منهم يقبل استمرار خضوع العراق للبند السابع، مؤكدين أن هذا الخروج كان ينبغي ان يكون واقعا حيا منذ اللحظة الاولى لسقوط السبب الذي سبب إخضاع العراق للبند السابع وان بقاءه كل هذا الوقت، يعبر عن رغبات ونوايا أضرت وتضر بسمعة المنظمة الدولية باعتبارها منظمة عادلة محققة للقانون الدولي المنصف ساعية إلى التنفيذ الحرفي الموضوعي لميثاقها الذي استهدف ويستهدف حماية الشعوب والأفراد من النوايا الثأرية والانتقامية الغادرة والسياسات المعبرة عن رغبات التدمير والتخريب المستغلة للظروف والترتيبات التي تبيحها لها الإجراءات المتخذة في وقت ومكان معين فاولئك الذين تضرروا من المانيا او اليابان او ايطاليا او غيرها في الحرب العالمية الثانية، لا ينبغي ان يتجاوزوا حدود الزمن الذي وقع فيه الضرر بل ان الولايات المتحدة الامريكية وغيرها من دول الغرب لم تطبق مواد الفصل السابع على العدوان الإسرائيلي في عام 1948 وعام 1956 وعام 1967 وكل الاعوام التالية وحتى الآن حيث تواصل احتلالها لأراض عربية من سوريا وفلسطين وتفرض اتفاقيات كامب ديفيد المذلة على سيناء.

    ان من اهم بنود الاتفاقية الأميركيةـالعراقية سعي الولايات المتحدة الاميركية لإخراج العراق من البند السابع ولا فضل في ذلك لاميركا او لغيرها فالعراق نفذ كل ما طلب منه، او هو نفذها كما امر بذلك حيث كان يحكم طوال اكثر من سبع سنوات بشكل مباشر من قبل الإدارة الأميركية فأين الخلل..؟ ولماذا الاصرار على إبقاء العراق خاضعا للفصل السابع..؟ رغم مضي اكثر من عشرين عاما على صدور القرار 661 في 7 / 8 / 1990 من الذي يلام على ذلك..؟ واذا كان المنطق يقول : ان ما نحن فيه الان هو نتيجة لاسباب معروفة فان مبدأ التشخيص الموضوعي يقتضي منا تأشير جملة من الحقائق شكلت قاعدة الاسباب الجوهرية وهي:

    اولا : قيام الثورة الايرانية عام 1979، ورفعها شعار “تصدير الثورة” وما ترتب على ذلك من ذعر سعودي خليجي صدامي تحول الى صراع خفي اول الامر، ثم الى دفع صدام حسين ليكون “ماشة” النار في حرب ضروس، وجد صدام حسين نفسه بعد حين من الزمن انه لا يدافع عن نظامه وحسب، بل وايضا عن عروش حكام الخليج وبشكل خاص السعودية والكويت.. الامر الذي رتب وصفا كانت فيه العلاقات بين نظام صدام حسين وهذه الدول تنهض على مبدأ “القتال نيابة عن الخائفين على كراسيهم والحاقدين على ايران الثورة” وبذلك تعاظم الشعور بالالم من قبل نظام صدام حسين ناحية الكويت والسعودية، لان الشعور العام المتزايد بعد الصدمة الاولى للحرب وما ترتب عليها من نزيف مستمر للدم، والامكانيات والقدرات كان يفصح عن إحباط بان الحرب ما كانت لتشتعل لولا تشجيع الكويت والسعودية وإغراءاتهما بامداد الالة الحربية الصدامية بالمال الكافي للانتصار على ايران والحاق الهزيمة بها وما يترتب على ذلك من اعادة تشكيل الاوضاع فيها بما يسمح بقيام نظام إيراني يرتبط بالنفوذ السعودي والكويتي بعد ان يكون صدام حسين قد خرج من الحرب “مفلسا” محطما، فاقدا لاية امكانية او قدرة على دفع الأذى عنه.. فعندها يمكن تدبير “انقلاب عسكري” بنظامه ويأتي بديل ضعيف مستعد لتنفيذ ما يؤمر به!!

    ثانيا: اطماع سعودية تاريخية تنهض على “أمنية” احتواء العراق والسيطرة عليه وإخضاعه لنفوذ وسلطة العائلة السعودية.

    ثالثا : خوف كويتي متراكم يمتد لاكثر من قرن كامل.. منذ ان وضعت بريطانيا اقدامها على ارض الكويت واكتشاف النفط في العراق وفي الكويت وحفر الباطن، والجانب الشرقي من الخليج، ووضع الخرائط السياسية للمنطقة من قبلها بسلخ الكويت وعربستان من العراق وكذلك حفر الباطن، من ” غزو ” عراقي لها وقد عبر هذا الخوف او الخشية عن حضوره في عدد كبير من المحاولات الكويتية للاضرار بالمصالح الحيوية للعراق الامر الذي دفع بالملك غازي الى تدبير محاولة للاستيلاء على الكويت وانتزاعها من الوجود البريطاني المباشر والمعبر عنه بمعاهدة بريطانية تنتهي في عام 1960 ولما فشلت المحاولة كررها عبد الكريم قاسم بعد انتهاء الاحتلال البريطاني للكويت وكررها عبد السلام عارف عندما رفض ترسيم الحدود وكذلك أقدم عليها صدام حسين عندما وجدت الكويت ان فتح الطريق أمام صدام حسين للقيام بخطوة غير ناضجة وسط ظروف دولية وإقليمية غير ناضجة ووسط وضع عراقي صعب بعد خروج متعب بل مدمر من حرب ضروس استمرت لاكثر من ثمانية اعوام، هو الحل الذي يجهض والى الابد على المدى المنظور فكرة ضم الكويت الى العراق الى جانب ما سيتحقق لـ”الكويت ” من فوائد “كبيرة” جراء “احتلال” لن يكون طويلا !!

    نعم لقد تعرضت الكويت وشعب الكويت لخسائر وأضرار جسيمة.. بيد ان اي حساب دقيق وواضح لمسألة ” الخسارة والربح ” يجد ان الكويت فعلت فعل من يهدم بيتا ايل للسقوط وللانهيار ليبني محلة ” عمارة ” او لنقل “برجا ” فلا احد في وسعه ان يقول ان من خطط لدفع صدام حسين لاحتلال الكويت، كان مخطئا في ما اقدم عليه، فما تحقق للكويت منذ خروج صدام حسين منها والى الان، ما كان في وسعها ان تصل اليه لو انها بقيت على ما كانت عليه من اوضاع وترتيبات متدهورة هذا الى جانب ان القبول بفكرة “الترسيم” ما كان لها ان تصبح حقيقة واقعة، لو لم يكن ” الفصل السابع ” قد انهك البلد الذي وجد ان التضحية بالكل من اجل الجزء يصبح غباء بعد كل هذا المسلسل المؤلم من الاحزان والآلام والدمار..

    ان من يراجع شهر العسل الصدامي الكويتي السعودي المعلن بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية، يدرك جيدا ان ما حصل بعدها لم يكن وليد اللحظة التي حصل فيها، فمن تبادل الاوسمة والنياشين والانواط بين صدام حسين والامير جابر وبين صدام حسين والملك فهد حيث قلد صدام حسين الملك فهد وسام الرافدين تقديرا.. وفعل الملك فهد نفسه حيث قلد صدام حسين وساما سعوديا رفيعا.. الى رفض التنازل عن الديون، الى فشل المفاوضات في الطائف بين عزة الدوري والأمير سعد العبد الله.. والذي انتهى الى نهاية مأساوية وغضب ادى الى رجوع المتنازعين الى بلادهم وكانت هذه هي ليلة 2 آب التي تدفقت أرتال الجيش باتجاه الكويت لتجد ان كل شيء تم نقله الى السعودية: ” الأموال، الاشخاص، الامور المهمة، والاسرار، والعائلة الحاكمة وكل شيء مفيد ونافع كان صدام حسين يبحث عنه ليقوي ضعفه وهزاله بعد حرب ضروس عبثية”!!

    ان ما يعطي اصرار الكويت على ابقاء العراق خاضعا للفصل السابع بكل ما يمثله ذلك من مخاطر واضرار جسيمة، صفة الانتقام الواضح والصريح، هو ان صدام الذي كان الأداة الطبيعية بيدها والذي كان اخلص المقربين لها واحد اهم الطهاة لطبخاتها مع أختها في الرضاعة السعودية.. هو من فعل ذلك، وهي تدري ان ذلك كان جزءا من نهج المجازفات لما يريده شعب العراق ويسعى اليه ويحلم به.

    ان شعب العراق.. ما كان يوما يجهل نتائج مغامرة اشتركت كل الايادي القذرة في حياكتها.. ابتداء بالنصيحة المسمومة لبريطانيا عبر ادورد هيث رئيس الوزراء البريطاني الاسبق التي قدمها لصدام حسين، بترك التفكير في التوسع باتجاه سوريا الى التوسع باتجاه الكويت قائلا له: من ملك الكويت ملك العرب، ومن ملك سوريا ملك المتاعب، وانتهاء بالموقف الغامض للسفيرة الأميركية التي قالت وبالحرف الواحد “لا علاقة لنا بما يجري بينكم !! فانتم والكويت أشقاء وما يحصل شأن يخصكما ولا نتدخل فيه !!” 

    لذلك، فليس هناك في العراق من يجهل ايضا ان وراء الاكمة ما وراءها فقد كان لو ان الامر طبيعي، في وسع الكويت أن تستأنس من العقاب الذي فرضه شعب العراق على طاغية لم تذق الكويت من عذاباته وجبروته وطغيانه غير 180 يوما برغبتها وتخطيطها بينما ذاق شعب العراق من ذلك اكثر من 35 عاما بالتمام والكمال فتبارك للعراقيين إعدام الطاغية وتضع يدها بيده لتمسح من على تجاعيد وجهة أوضار سنوات القهر والظلم.. وتبادر الى طي كل الصفحات السوداء خلف ظهرها وتفتح صفحة جديدة مبنية على التعاون والمحبة وان تترفع عن أدوار الشماتة والتحقير والمشكلة أن الكويت لا تعي حقيقة ان هناك فرقا كبيرا بين موقف اصيل واخر مفتعل والمثل يقول : نوم النائم كذبا ” اعمق ” من نوم النائم صدقا ” فاختفاء الكويت خلف “عدوان صدام عليها” لا تعطيه المصداقية المحاكمة الواقعية والموضوعية لطبيعة مجريات القضية بين العراق والكويت بعد السقوط الصدامي الا اذا كانت الكويت غير راضية من قرار شعب العراق بإعدام “صدام”!!! فيكون لكل ما يحصل منها الآن معنى الانتقام ممن فعل ذلك ولا “عفي” عنه إلا بإرجاع صدام من عالم الفناء والعدم!! 

    إن في وسع العراق ان يتحرر من عقدة “احتمال” ان تراجع الكويت نفسها وتعيد النظر في موقفها المشين والمسيء لها قبل غيرها.. بعد ان تعدى السيل الزبى!! نعم في وسعه ان يتحرر من ذلك ويتعامل مع الواقع كما هو بعيد عن الاوهام واحتمالات كاذبة برهنت السنوات التسع الماضية على بطلانها.. فالكويت تغط في حقدها تنعشها الشماتة ويمدها في طغيانها أمل ان ترى المزيد من التردي والتدهور والتشظي في البيئة العراقية وسبيل العراق في هذا التحرر هو أن يعود إلى وعيه وعمقه وأصالته ويحكم في الأمر فهمه وسداد رأيه وينهل من تجاربه ومداد ثقافته وتراكم حضارته فيفتح صفحة جديدة في التعاطي مع العالم وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية ليضعها أمام مسؤولياتها وتعهداتها وعلى نحو لا يقبل الغموض والتردد وليتعامل مع ما يحصل الآن بوعي يستشرف الأبعاد الحقيقية لكل الاحتمالات بواقعية بعيدا عن هوس الشعارات وزيف الادعاءات الفارغة والأحلام الفاسدة والمواقف الزائفة، ولعل في ما أعلنت عنه مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية، اليزابث جونز عن سعي بلادها لتفعيل الاتفاقية الإستراتيجية المبرمة بين الولايات المتحدة الأميركية في العراق وعن تنفيذ جميع الإجراءات لنقل العراق من الفصل السابع إلى الفصل السادس الخاص بحل المشاكل بين طرفي النزاع وديا وعبر المفاوضات الثنائية، ما يشير إلى اهمية وضرورة الاستمرار في الضغط بهذا الاتجاه عن ايمان حقيقي، بان ليس هناك في عالم اليوم، صداقات او عداوات ثابتة.. بل هناك دائما.. مصالح ثابتة فلنتحرك بهذا الاتجاه.. ولنتحرر من الاوهام !!! 

  • العراق والكويت .. من المستفيد من تقيّح الجراح.. ألم يحن وقت تناسي الماضي بكل ما فيه و عليه..؟!

    حليم الاعرجي

    كلما قرأت أو سمعت، شيئا ما عن الكويت وعلاقتها بالعراق وعلاقات العراق بها، ينتابني إحساس بالألم وشعور بالحسرة، ويتجاوز عندي الإحساس بالغضب حدا يجعلني في كثير من الأحيان رافضا لكل مسوغات استمرار هذه الحالة غير الطبيعية، فالكويت والعراق رضيا بذلك أم لم يرضيا به، شقيقتان ينتميان إلى ثلاثة عصائب مهمة:

    الأولى: الأمة العربية 

    الثانية: الأمة الإسلامية

    الثالثة: المجاورة والمصاهرة والقرابة 

    وهكذا صار لهما ثلاثة حقوق على بعضهما البعض الآخر وقد يضاف حق رابع للكويت هو حق الشقيق الأصغر على الشقيق الأكبر في عالم لم يعد يزن الدول بحجوم عدد السكان والمساحة وحسب، بل وأيضا عبقرية المكان والقيادة الناجحة والثروة واستخداماتها والتقدم العلمي والقاعدة البشرية المتعلمة والمتحضرة وقد أضيف إلى كل ذلك الإعلام، حيث جرى اعتماد الإعلام كأحد عناصر القوة المهمة، وقطر النموذج الماثل أمامنا الآن وطوال الوقت. وحسب علمي المتواضع إن الكويتيين حاولوا وباستمرار الحفاظ على صلاة المودة والمحبة التي تربطهم بالعراق بيد أن ذلك ظل في حدود الأماني للغالبية العظمى من الكويتيين الطيبين، فيما راح البعض من ذوي النوايا السيئة والأجندات المشبوهة من مدعي الغيرة على الكويت يدس السم في الدسم، مظهرا “غيرة” على الكويت المهدد بالتوسع “العراقي” وبـ” الغدر” العراقي وبالعودة الى التاريخ ” الذي ” يذكر بـ ” شبح ” ضم الكويت الى “ولاية” البصرة!! محرضا على استخدام كل ما من شأنه إضعاف العراق وامتصاص فائض القوة المتنامية وخصوصا تحت ظل قيام الحكم الملكي، الذي استخدم كل القدرات المتاحة في عمليات التنمية وامتلاك مقومات المستقبل الواعد للعراق.

     لقد ظلت أوهام الخشية من العراق ومن احتمالات امتلاكه للنهوض والقوة والتقدم الهاجس الأكثر سوءا لعدد قليل جدا من الكويتيين، ولسوء الحظ ان هذا العدد القليل كان ومازال يملك قدرة صنع القرار والسعي باتجاه التورط في التآمر العلني او السري على مستقبل وحاضر العراق.. وتشير الكثير من المعلومات المؤكدة والموثقة الى تورط الكويت في قيام الكثير من الظواهر والمظاهر والأحداث التي تسببت في خلق دوامة من الدم والدمار والرماد والخراب ما بين 1858 ـ 2003 وما بعدها بل حتى بعض الأحداث التي وقعت قبل ذلك تعزى الى ” تآمر” كويتي مباشر او غير مباشر فاغتيال الملك غازي، لا تقف الكويت بحسب بعض الوثائق والتحليلات، بعيدة عنه وشاركت الكويت في عدد من المحاولات الفاشلة لإحداث انقلاب ضد عبد الكريم قاسم، وتفهم بأن لها ضلعا كبيرا في انقلاب 8 شباط 1963 الذي أطاح بحكم عبد الكريم قاسم وقد استلم عدد من قادة الانقلاب هدايا نقدية من الكويت، وحصلت الحركات الانفصالية والانفصاليون في العراق، على معونات مالية ولوجستية ومخابراتية، وحاولت جهدها إثارة كل ما من شـأنه تعكير صفو الأمن والاستقرار في العراق.. وظلت القاعدة التي تتحكم بالمنطق الكويتي في إطار التعاطي مع العلاقات بالعراق، ان من اجل “ان تبقى الكويت على قيد الحياة، يتحتم ان يظل العراق ضعيفا قلقا متوترا مكسورا مهددا بالتجزئة وبالحروب الطائفية والعنصرية والدينية والاستنزاف المستمر لإمكانياته وقدراته المالية والاقتصادية والعلمية.

    ويشير البعض في معرض الحديث عن البصمات الكويتية المؤذية والمؤسفة، الى “جيش” من رجال المخابرات الكويتيين دخلوا العراق مع الدبابات الأمريكية، حيث تولوا مهمات ” وسخة” ضد الممتلكات العراقية والمؤسسات الرسمية الحكومية، تدميرا وسرقة وبحثا عن أشياء تتصل بالأمن الوطني العراقي.. وبأساسيات البنى التحتية وأرشيف الدولة العراقية والذاكرة العراقية ومحفوظات الأجهزة الأمنية والخصوصيات العراقية بكل تفاصيلها الأمنية والسياسية والمدنية والاجتماعية، وإذا ما وصلت الى ما بعد عام 2003 والاحتلال الأميركي وسقوط الطاغية صدام وصدور حكم الشعب العراقي عليه بالموت جراء ما اقترفت يداه من جرائم مدمرة بحق العراق والكويت ودول عربية وإسلامية أخرى وما تلا ذلك من صدور آلاف الرسائل والمبادرات والتلميحات والتصريحات العراقية المؤكدة لبزوغ فجر جديد متعطش لزمن جديد يشهد ولادة علاقة كويتية عراقية أخوية من جو نظيف من كل النوايا الشريرة والغايات المسيئة والأهداف العدوانية والأجندات المدمرة، جو تزدهر فيه ومن خلاله كل الآمال والأحلام والأماني النبيلة التي قبرتها الأحقاد والشماتة ووساوس الأوهام والظنون السوداء وقصر النظر وسطحية الرؤية وأخطاء التقدير والتوقع، والخلط بين الثابت والزائل، وللوقتي والمزمن والممكن والمستحيل. ليس دفاعا عن الكويت أو الأشقاء الكويتيين، القول “ان من الخطأ معالجة الخلل بالخلل، والمرض بالمرض، فقد كان من الممكن تفادي الوقوع في سياسة، الفعل ورد الفعل، وبالتالي فلا اجد اي تبرير لما حدث في عام 1960، فالإعلان عن عائديه الكويت للعراق تجاهل، مستلزمات تحقيق هذه الدعوة، كما تجاهل، إمكانية دولة صغيرة تملك عائدا نقديا من النفط يفوق ما يحصل عليه العراق ذو السبعة ملايين نسمة في حينها، في عالم ينهض على الرشوة ويلهث خلف سراب القروض والمنح والهبات، وهذا هو الذي مكن الكويت من تشكيل قوات “الليفي” العربية للدفاع عنها بقرار من جامعة الدول العربية..

    لقد نهضت كل المشاكل والأزمات وتدهور الثقة المتبادلة والإحساس الكويتي المبالغ فيه، بالخوف من احتمالات “الغدر” على فرضية ليست واقعية وغير واردة في سياق منطق العصر الذي يقوم على ترتيبات دولية وتقسيمات وانقسامات أثنية ودينية وسياسية واقتصادية، فاستقلت دول كانت تابعة لغيرها وانشطرت أمم الى أجزاء وظهرت إلى الوجود دول لم يكن لها وجود قبل القرن العشرين ولو أردنا ان نعيد ترتيب العالم وفق ما كان عليه في القرن التاسع عشر او قبل ذلك، فان ذلك يتطلب حربا عالمية ثالثة.. ورابعة… وربما خامسة بمعنى زوال العالم تماما فماذا سيحصل لو اردات الصين اعادة تايوان اليها بالقوة ولو ارادت سوريا استعادة الاسكندرونة واعادة عربستان الى العراق وإعادة الأندلس الى العرب، واعادة فوكلان الى الارجنتين واعادة يوغسلافيا كما كانت واعادة قبرص الى تركيا واعادة اذربيجان الى ايران واعادة بنغلادش الى الباكستان، واعادة واعادة.. نعم لقد كانت الكويت تابعة لولاية لبصرة بيد ان ذلك قد صار في ذمة التاريخ في ضوء الواقع الذي انبثق في المنطقة بعد أن فرضت خرائطه السياسية معاهدات دولية كرستها انتصارات الدول الغربية الكبرى في حربين عالميتين اثنتين، وكرستها حاجة هذه الدول للنفط الذي قرر تواجده طبيعة الخرائط السياسية في المنطقة، وبحسب الرغبة البريطانية التي كانت هي المحرك الاساسي للاوضاع والاحداث في المنطقة بحكم كونها كانت الدولة الاقوى والاعظم، وكان يمكن تجنب الخوف في مثل هكذا فرضية غير واقعية، والقبول بالامر الواقع كحقيقة يتعامل معها الكثير من الدول التي تشابهنا في الظلم والمغبونية التاريخية. 

    اذكر ان كثيرا ما التقي باخوة كويتيين في رحلاتي المختلفة خارج العراق.. وفي كثير من الاحيان ادخل في نقاش ساخن معهم.. وغالبا ماتاتي في نتائج هذه الاحاديث، متشابهة من حيث الاقرار باهمية وضرورة ان يحل التفاهم والتوارد والمحبة بين البلدين الجارين، محل الشك والريبة وسوء الظن، واذكر اني قلت لاحدهم وكان على قدر كبير من الثقافة والمكانة الاجتماعية: 

    – هل ترتاحون وتغمض لكم جفون وترتاح عقول وتسكن نفوس وتهدأ ضمائر وفي جواركم شعب يعاني صنوف العذاب ونقص السيادة والتعدي على مياهه وأراضيه وتلويث الجروح وتعميق القصص من خلال الاستمرار في عمليات تأدية انتقالية لن تميت شعبا او تهجر بلدا او تلغي وجودا. 

    فرد قائلا وقد فغر فاه وفتح عينيه!! 

    – كل هذا نحن فعلناه..؟!!

    قلت

    – بل أكثر من ذلك.. فماذا تسمي الاصرار على اخضاع العراق للفصل السابع والابقاء عليه مرهونا مقيدا مكبلا..؟ هل في ذلك ذرة شهامة..؟ هل التبس عليكم الأمر ام انتم تقصدون ذلك بكل إصرار وتعمد..؟ من الذي ارتكب جريمة الغزو ضدكم.. صدام حسين ام الشعب العراقي اذا كان صدام، فصدام اعدم وقد طواه اللحد منذ سنوات، اما اذا كنتم تعتقدون ان الذي فعل ذلك الشعب العراقي، فما أقبحكم وما أسوأ ما انتم عليه، ففي ذلك اعتراف صريح وواضح بأن القضية شعب تعداده 30 مليون نسمة وليست قضية مزاج شخص.. شعب يستحق المعاقبة من وجهة نظركم على امل ان يموت هذا الشعب وينتهي وجوده تماما، كما يفعل الصهاينة عندما يظنون بان من الممكن إنهاء وجود الشعب الفلسطيني وإلغاء قدرته على الصمود واسترداد قدرة امتلاك إمكانية تغيير قواعد معادلة القوة بما ينسجم مع طبيعة الأمور ويحقق المعقولية في طبيعة النزاع من اجل الحياة الأفضل فمنطق قوانين الصراع القائم الآن لا يمكنه ان يستمر الى الابد، اذ لابد من تشمله رياح التغيير عاجلا ام اجلا.. وفي النهاية لا يصح الا الصحيح. 

    ان منطق الحياة العملية في السياسة الدولية كان ومازال وسيظل هو الطموح في التفرد المستقل المنعزل عن تفاعلات الأحداث العالمية وغير المنغلق امام التأثيرات الدولية المتبادلة، وغير البعيد عن مجال التعاون والتآزر الدولي لضمان امن وسلام العالم والعمل المشترك الفاعل لتحقيق ازدهار ورخاء البشرية ففي الوقت الذي يقترب فيه عدد دول العالم من 231 دولة، ظهرت إلى الوجود تكتلات دولية تعبر عن سيادة هذا الاتجاه في العالم حيث نلاحظ قيام كعدد كبير من التجمعات الاقتصادية الإقليمية التي تسعى الى الغاء الحواجز الكمركية في حدود نطاقها مع الإبقاء على الاسواق المشتركة وانشاء اتحادات جمركية ومن الأمثلة على ذلك نشير الى اتحاد البنلوكس الذي أقيم سنة 1948 بين دول أوربية وبلجيكا وهولندا ولكسمبورغ كذلك جماعة الفحم والصلب الاوربية التي اقيمت سنة 1952 بين بلجيكا وفرنسا والمانيا والسوق الاوربية المشتركة التي اقيمت سنة 1957، ومنطقة التجارة الحرة الأوربية هذا بالإضافة الى أقوى تكتل قاري موجود الآن وهو الاتحاد الأوربي، وهناك منطقة التجارة الحرة لأميركا اللاتينية فالاتحاد الجمرك والاقتصاد الافريقي لإفريقيا الوسطى والجماعة الاقتصادية لغرب افريقيا ومنظمة التجارة العالمية، ثم منظمة شنغهاي وغير ذلك كثير جدا مما لا يسع المجال للاسترسال فيها ولعلنا نتمكن من فرصة أخرى للحديث عن موضوع الأحلاف والتكتلات الدولية في العصر الراهن ومكانة العرب فيها. 

    المهم عندي الآن ولعله كذلك بالنسبة للآخرين في العراق وفي الكويت ايضا هو ان نتمكن من اختراق حاجز القصور والتقصير الناجم عن الارتهان المذل لمنطق مفلوج ينهض على الفعل ورد الفعل في دائرة تحرك صغيرة ومظلمة تدور حول البيضة من الدجاجة او الدجاجة من البيضة وأيهما أسبق!! الكويت عراقية، او ان الكويت للكويت، وبين ذاك، اموال تهدر وفرص تضيع وأنفس تزهق وفقر مدقع يتجذر وانتهاكات لقيم الجيرة واخلاقيات الاخوة ومفاهيم الدين ومثل العروبة.  ان نتمكن من الانتصار على عوامل الشد الى التخلف والتبلد والتحجر تحت طائلة الفهم الخاطئ لما ينبغي ان يكون.. 

  • الكاذبون المخادعون في السياسة عروشهم من طين !!

    المستقبل العراقي /حليم الاعرجي 

    لا أحد يدري على وجه اليقين، الوقت الذي يحتاجه العراق من اجل تكريس وتعريق أفكار وآراء وتوجهات واصطلاحات دخلت قاموس أدبيات النشاط السياسي والفكري لتحل محل مفردات أفكار وآراء وتوجهات عاش فيها وعاشت فيه ردحا طويلا من أزمن مورست خلالها شتى أنواع الأساليب القمعية والتعسفية في إطار قيم وأخلاقيات وممارسات أنظمة نخبوية استبدادية ديكتاتورية أحادية، بحيث أصبحت الأساليب القمعية ضد حقوق وحريات الشعب تقليدا تقف دون اختراقه او تعويق تفاقم شروره نخب سياسية واجتماعية واقتصادية وتجارية ارتبطت مصيريا ومكانيا بالنظام الأوتوقراطي الذي تمكنوا بشتى الوسائل والأساليب الإرهابية الترويعية تأسيسه على حساب الملايين من الشعب المظلوم الذي وقع تحت طائلة الاضطهاد من خلال فرض القوانين والقرارات القمعية الاستثنائية حتى بات ذلك قاعدة ثابتة في الحياة إلى درجة صار فيها الشعار الأوسع انتشارا والأكثر خطوة لدى الطبقة الحاكمة، هو إذا قال فلان قال العراق وفلان هذا ليس شرطا صدام حسين إذ تكررت نسخته لمرات عديدة قبله وبعده، وبذلك فهو تقليد ونموذج جاهز للإجهاز على كل تطلع مشروع لأي فرد أو مكون أو طيف من اجل الحرية والكرامة والديمقراطية. 

    لقد ظلت سياسة استصغار الشعب ومكوناته الأساسية والعمل على تكريس مفاهيم التعسف والتهميش وإظهار الكثيرين منهم بمظهر الأدنى والأقل قياسا بغيرهم من المحسوبين على النخبة الحاكمة او الموالية، وإشاعة مفاهيم وترتيبات كان من شأنها تقيم الشعب الى شرائح وملل ونحل وطبقات نوعية ثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية وعشائرية وقومية واثنية ودينية ومذهبية ومناطقية تتصدرهم بلا منازع الفئات المنتمية الى طبقة النبلاء الذين يملكون مفاتيح كل الابواب والشبابيك بلا استثناء فهم مصدر ثقة في كل شيء تبيح لهم ما ليس متاحا لغيرهم فلهم مواقع المهمة والمناصب العالية والحساسة ويتمتعون بالامتيازات والمكافئات العينية والمعوية ويستلون من اموال الشعب ما يحلو لهم ويرغبون وان شاءوا ان يفسدوا فلهم ذلك ولكن عليهم بلا زعل أن يختفوا خلف الأبواب الموصدة او بعيدا عن الانظار في ما تشتهي وترغب أمزجتهم من دول العالم وفي دول العالم تقابلهم طبقة محرومة من ابسط حقوق الإنسان عدا حقوق المواطنة بل هو موضع شك الآخرين من المتنفذين، رغم أنه هو مادة شعاراتهم وكحلهم الذي يكحلون به عيونهم من باب الزينة والتجميل. 

    لقد دخل شعبنا منذ بداية العقد الثاني من القرن الماضي في دوامة سياسة الكذب سياسة الوجهين في الظاهر شيء وفي الداخل شيء آخر مختلف تماما، كان نفقا مظلما لا يستطيع فيه الإنسان رؤية موطئ قدمه، كما لا يستطيع التكهن بما سيكون او بما ستؤدي الى الاحداث من خلال تحليل ودراسة المقدمات لمعرفة النتائج فاذا كانت المقدمات كاذبة وغير صحيحة فكيف اذن يمكن الوصول الى توقع نتائج محتملة!! 

    يقول الشيخ عبد الواحد الحاج سكر، استنادا على ما سمعته من الشيخ الأستاذ المحامي والاديب والمفكر المعروف عاد تكليف الفرعون انه اتفق مع ياسين الهاشمي خلال مؤتمرات الصليخ أن تأتي وزارة شعبية بديلا عن وزارة جميل المدفعي واتفقنا أن تكون هذه الوزارة الشعبية نقطة تحول حقيقية في تاريخ العراق الحديث بحيث ينهض الحكم على مبادئ الديمقراطية الحقيقية، باعتماد صناديق الاقتراع بانتخابات برلمانية حرة، تأتي بالاغلبية المهيأة باستلام السلطة وان تكون هذه السلطة سلطة عادلة غير غاشمة وان يكون استقلال حقيقي للقضاء وفصل الصلات الثلاث عن بعضها وفي ضوء ذلك تحركت عشائر آل فتلة في المشخاب تساعدها وتعاضدها جماهير الشعب في الفرات الاوسط وفي بغداد فسقطت ألوية الديوانية والحلة وكربلاء واضطرب الحال في بغداد حيث سيطرت الجماهير على الشوارع والساحات وكذلك حصل الشيء نفسه في الرميثة والسماوة والبصرة والعمار والكوت والموصل والرمادي وغيرها، الأمر الذي اضطر البلاط الى سحب الثقة من المدفعي والطلب منه تقديم استقالته وقد حصل ذلك فعلا وعرف البلاط ان الأمور لا تعود الى سابق عهدها الا بتكليف ياسين الهاشمي بتشكيل وزارة جديدة وإرغام جميل المدفعي على الاستقالة وبالفعل أجبرت وزارة المدفعي على الاستقالة وعهد بتشكيل الوزارة الجديدة لياسين الهاشمي. 

    ويستمر الشيخ عبد الواحد الحاج سكر في حديثة فيقول: كانت فرحتنا لا توصف فقد انتصرنا.. هكذا اعتقدنا وهكذا تصورنا الامر قياسين صعد الى الوزارة بنتيجة تخطيط وترتيب وتضحيات واستعداد لتقديم المزيد الى ان يتحقق هدفنا الذي اعتقدنا أنه هو الذي يقودنا إلى ما كنا نحلم به لأننا لم نتعلم الكذب ولم نتصور أن يلجأ الإنسان للكذب تحت اي اعتبار ولأجل اي هدف فالانسان اما ان يكون صادقا او ان لايكون اصلا وهكذا كان الاعتقاد اننا قد حققنا ما ننشده وعلينا الانتظار… انتظار ما ستسفر عنه الايام من انجازات كبيرة ضخمة لصالح الديمقراطية والحرية والاغلبية المهمشة المظلومة!!! ولكن أية من هذه الـ”لكن”، فبعد ان استلم الهاشمي الوزارة، كشر عن انيابه وابرز مخالبه وتنكر لقرارات الصليخ وحل الحزب واندفع يطارد المظلومين ويزيد اضطهاد المحرومين فكان لابد من القيام بما ينبغي القيام به حيال تنكر الهاشمي للأكتاف التي حملته والسواعد التي خلقت منه رئسيا للوزارة في حين ما كان له ان يكون وزيرا وكذلك رفعت أخيه، ولان الله بالمرصاد للكاذب فقد حق عليهما عذابه حيث طرد الهاشمي على اثر انقلاب بكر صدقي وقتل الثاني أما نحن فقد تحملنا وزر ما لم يكن في الحسبان. 

    هكذا هم الطغاة كما تعلمنا من التاريخ وكما يوضع لنا كتاب طبائع الاستبداد للمفكر العربي الكبير الكواكبي فهم اناس شاذون ليسوا أناسا اسوياء كي نتعامل معهم بشكل سوي وطبيعي. 

    حدثني المرحوم الشيخ وداي العطية رجل الريف المثقف، وأحد ابرز شيوخ الحميدات في الشامية في لقلاء جمعني به في كربلاء عام 1972 عن لقاء تم بينه وبين صدام حسين في عام 1966 في كربلاء وكان بصحبته احد أولاد الشيخ وداي وهو حسن الذي شغل منصب متصرف لواء كربلاء بعد انقلاب 8 شباط 1963، فجرى الحديث بينه وبين صدام ونقل عنه إن صدام قال وبالحرف الواحد: 

    إذا تمكنا من العود ثانية الى السلطة فلن نكون سببا في قطع رزق احد.

    ولن نؤذي أحدا ولن نغمط حق احد ولن نقدم على اي عمل تؤدي نتائجه المباشرة او غير المباشرة الى منع الناس من التمتع بالحرية الكاملة، حرية الرأي وحرية التنظيم الحزبي وحرية التظاهر لو قدر الله وتمكنا من العودة سنعوض الفقراء ما فاتهم ونحقق لهم كل ما يحملون به ويتمنونه. 

    ويمضي الشيخ وداي العطية وهو صاحب كتاب الديوانية في حديثة فيقول لقد صدقت اقوال صدام فقد كان حديثه واضحا مباشرا غير ان السنين التي أعقبت انقلاب 17 تموز عام 1968 أوضحت تماما انه كان كاذبا في كل ما قاله!! 

    واضيف الى ما قاله الشيخ وادي العطية أن دموية وظلم وقسوة صدام حسين تجاوزت الحدود المعقولة والمنقولة ولا يمكن ذلك في الميل السلطوي الجائر وحسب، بل لأن الطغاة مصابون في العادة بأنواع عديدة من الجنون والخبل خاصة جنون العظمة وجنون الاضطهاد وجنون الغطرسة والتعالي وغالبا ما يكونون من أخبل واجن الناس ياكلهم القلق والهوس والعرب من الموت لذلك يسخرون كل إمكانيات الدولة والسلطة من اجل حمايتهم وبسبب ذلك يصابون بلوثات عقلية وخرف، من هنا بات من الصعب ان لم يكن من المستحيل تصديق ما يقولونه وما يعدون به شعوبهم.

    ان الكذب والخداع وصناعة الاوهام لإشغال الناس عن الحقائق القائمة على الارض ليست جديدة في علم السياسة وتطبيقاته المختلفة خصوصا ان الشائع بين الناس ان السياسة هي فن الخداع والتدليس للجمهور لتحقيق مآرب سياسية تعكس أهدافها الحقيقة بشكل مباشر او فن اشباع عواطف الشعب الجاهل بما يخبئه المستقبل بالوعود الكاذبة لخدمة مصالح السياسيين. 

    المرعب في الأمر أن البعض يعتمد تفسير الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر للسياسة حيث يقول ان السياسة هي ثاني أقدم مهنة في التاريخ بعد مهنة الدعارة وتستر كان في أسلوب واحد في التسويق فكما ان العاهرة تزين نفسها وتتبرج لجذب الزبائن كذلك الحال النسبة للسياسي بيد ان المفهوم الحقيقي للسياسة شيء آخر مختلف تماما انه فن استخدم الممكن على طريق الوصول الى الأهداف المؤجلة او البعيدة المنال.

    البعض يفهم السياسة على نحو فيه شيء غير طبيعي من الإبهام والغموض حيث يقول هذا البعض إذا تكلم السياسي وفهمت قصده من الكلام يبقى هذا الكلام بعيدا عن السياسة اي ان السياسة عمل فيه الكثير من الخدع والنذالة والنفاق واللعب بالألفاظ وما يظهر امامك ما هو الا تجميل وتجمل فهي قائمة على آلية تنهض على قواعد تستمد وجودها من مبدأ الغاية تبرر الوسيلة وكل شيء مباح وهي بذلك تكون أقذر لعبة عرفتها البشرية بحسب ما يراه البعض بيد ان هذه الرؤية فيها الكثير من السوداوية المبالغ فيها فالسياسة كما يراها آخرون، هي لا تعني الكذب والنفاق والدجل والتضليل فهذه الصفات هي جزء من منظومة متكاملة تشكل السلوك اللااخلاقي في كل نشاطات الحياة فهذه الصفات تجدها في السياسة كما تجدها في الاقتصاد والاجتماع والثقافة والدين، فليس كل من تزي بالزي الديني وحسب نفسه متدنيا هو في حقيقة امره كذلك، الا اذا لم يمارس تلك الصفات اللااخلاقية فمن كذب لا دين له ومن نافق ودجل وخان الأمانة ليس له دين تلك هي الحقيقة. 

    من هنا ينبغي أن نتصدى بالتوضيح والتحليل حقيقة أن السياسة اجل واكبر وأرقى من ان تقرن بهذه الصفات اللااخلاقية.. السياسة هي فن العمل على فضح ودحض الاكاذيب وتعرية الدجالين والمنافقين وفضح اسرارهم وهتك استارهم وازاحة الستار عن خفاياهم فالسياسي الذي يحيط نفسه او نظامه بالألغاز والاحاجي والأسرار هو سياسي كاذب ومنافق ودجال لان الذي يفتش عن الدحور والانفاق المظلمة شخص يخفي ما يخجل منه أو يخاف عليه أو يخشى منه فالأمر في كل الأحوال يحتاج إلى الشفافية وليس تهويل الكيان السياسي او الاحزاب لشخوص قادته المعرفية أو القيادية وإحاطتهم بهالة من الغموض والأسرار الخفية فذلك وبالدليل العملي والتجربة الفعلية يكشف حقيقة أن مرد ذلك محاولة اشباع عواطف الجمهور الذي يطرب للاكاذيب والحكايات الوهمية والوعود الكاذبة. ان السياسة هي علم لادارة شؤون الدولة والمجتمع.. وهي تتطلب في الاداء والتخطيط والإعداد نخبة مختارة من أصحاب الكفاءات والتخصصات المتعددة في النظم السياسة تمارس دورها بنزاهة ووضوح وشفافية وصدق بعيدا عن اللف والدوران وليس من بين ركائزها الكذب والخداع فهذه صفات تحتاج إلى عناصر وضيعة بلا أخلاق وقد تأتي للعملية السياسية عن طريق غير شرعي وغير سوي كما يفعل البعض عندما يتآمرون او يمارسون الإرهاب وفق قاعدة “الغاية تبرر الوسيلة” وبذلك فأنهم يمارسون السياسة وفق منطق بعيد كل البعد عن القيم والأخلاق زاعمين ان السياسة هي كذب ونفاق ودجل وخداع وفي ذلك بهتان واضح، فالسياسة علم له أصوله وقواعده وحيثياته ومكوناته وله فلسفة خاصة ومستقلة تنطلق من الرغبة في التفكير في ما تطرحه الحياة السياسية من مشكلات تستعصي على الفهم والحل وهي تختلف عن علم السياسة من جهة إنها إحصاء وترتيب للنظم السياسية وتختلف عن علم الاجتماع السياسي من جهة ما هو بحث في الأبعاد الاجتماعية للتجربة السياسية. 

    ما نريد الوصول اليه هو ان ما يقوله البعض ويفعله ويمارسه لا يمت الى السياسة وبالتالي للعملية السياسية التي انطلقت في العراق بعد عام 2003 لتؤسس وضعا يناقض ما كان عليه في الشكل والمضمون، بهدف الدخول إلى عالم التقدم والرخاء ومساواة من يحيط بنا او بعيد عنا، وتعويضنا ما فاتنا طوال أكثر من نصف قرن كان فيها العراق يدور في حلقة مفرغة تكالبت عليه المحن والإحن والمصائب نتيجة فعل السفهاء والرعاع وسقط المتاع من الجهال والفاسقين والباحثين عن الجاه والسحت الحرام…. وهناك مثل عراقي يقول، اعطي الخبز لخبازته حتى لو أكلت نصفه.. ومعنا المثل هو ان العمل ينبغي أن يتسلمه المقتدر المتمكن الكفء وليس الامعات او خدم الاجندات الاجنبية او مفتقري الدراية والاعلمية والمفهومية والباحثين عن فرصة الظهور والبروز والشهرة. 

    اسوء ما عنينا ونعاني منه، هو هذا الذي يطبقه البعض “اروايك حنطة وأبيعك اشعير” يضحك بوجهك ويتعامل معك وكأنه من اخلص الناس للفكرة او العقيدة او وجهة النظر التي تؤمن بها، ويصرح ويعلن ويتحدث بلسان طويل، لكنه يخفي اشياء في داخله بلؤم وخسة وانحطاط ولدينا امثلة كثيرة من واقع حال العملية السياسية في العراق ومن المشاركين فيها .. أمثلة تتحدث عن طائفيين وعنصريين وقتلة وعملاء وجواسيس في حقيقتهم بيد انهم يظهرون خلاف ذلك وما حصل من الهاشمي نموذجا. 

    البعض يقول تلك هي السياسة واقول ان الغدر والباطنية واللؤم وعدم الوضوح صفات الساقطين اجتماعيا وليست صفات السياسيين الشرفاء من المحترفين او الهواة، ولدينا نماذج منهم كثيرون لسنا بحاجة الى ذكرهم فهم معرفون. 

      

  • العراق ودول الجوار ..طامعون وتوسعيون وإرهابيون… الأردن الاستثناء الوحيد!!

    ترددت كثيرا قبل أن احزم أمري واكتب ما يجول في خاطري حول واحدة من بين اهم واخطر القضايا التي عانينا منها وبسببها الشيء الكثير من الأذى والتعدي والتجاوز، رغم ما بنا وفينا من مصائب ومتاعب وما واجهناه من مصاعب ومشاكل.. تلك هي : علاقتنا بدول الجوار، وعلاقاتهم بنا..

    العراق محاط بست دول وهي عربية واسلامية وتمتد علاقاته بها في عمق التاريخ كانت خلاله واقعة تحت سيطرته لأكثر من اربعة قرون بالتمام والكمال ما بين 130 ـ 656 هجرية 750 م ـ 1258 م وخضع العراق لحكم بني أمية في سوريا طوال 130 سنة وخضع لحكم الدولة العثمانية طوال خمسة قرون تقريبا وكذلك خضع لحكم الدولة الفارسية قبل الاسلام وبعده في فترات متقطعة وخلال قيام الدولة الصفوية في ايران.. ويلخص نوري السعيد رئيس الوزراء العراقي الذي تولى رئاسة الوزارة اكثر من 14 مرة خلال الفترة من 1921 ـ 1958 واشتهر بحنكته ودرايته وكفاءته، وبانه هو الذي اخرج فكرة حلف بغداد الذي ضم “تركيا وايران وباكستان والعراق وبريطانيا والولايات المتحدة الاميركية” طبيعة وضع العراق بالنسبة للدول المحيطة به، بالقول “العراق يجاور دولتين قويتين طامعتين فيه، واربع دول ضعيفة خائفة منه… وما بين الطامعين والخائفين ضاعت إمكانيات وقدرات العراق في التقدم والرقي، من خلال الهدر المستديم لإمكانياته وقدراته في مشاكل جانبيه وتدخلات سافرة وتصدير لازمات ومشاكل من هذه الدول إليه”.

    تلك هي الحقيقة المؤكدة، بيد ان الموضوعية تفرض عليه استثناء الأردن، ذلك البعد الذي امتحن في واحدة من أصعب واسوأ واخطر التجارب، تلك هي قيام ثورة 14 تموز 1958 وتعرض العائلة المالكة الهاشمية للقتل والسحل والتنكيل بلا جريمة اقترفوها ولا خيانة أقدموا عليها بل العكس هو الصحيح في تلك اللحظات والساعات والأيام، الصعبة والمؤلمة كان المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال، يعمل بكل ما اؤتي من قوة وجهد من اجل دفع الخطر عن العراق، البلد الذي يرتبط مع الأردن باتحاد معلن ودولة اتحادية كونفدرالية معترف بها فرفض عروضا سخية للتدخل مؤكدا ان القرار في كل الأحوال هو قرار الشعب العراقي وليس من حق اي جهة أن تصادر هذا الحق.

    كانت تجربة مؤلمة وقاسية، بيد انها كشفت معدن هذا الرجل الكبير في عواطفه والعظيم في فكره وعقله، صاحب بصر نافذ وبصيرة متفتحة رحبة.

    لا أريد ان استرسل اكثر، لئلا يحسب ما اكتبه على محمل المجاملة رغم ان ما قلته حقيقة واقعة، وليس من طبعي ان أجامل احدا غير اني لا أنكر حقا ولا أسوق باطلا، وتلك هي إحدى متاعبي في الكتابة.

    ثمة الكثير من الوقائع التي تتحدث وبوضوح وبصراحة وبتفاصيل مؤكدة عن موقف الأردن الداعم لسيادة ووحدة العراق أرضاً وشعبا، وتلك هي القضية الاكثر اهمية بالنسبة لي عندما أحاول تقييم موقف أيٍِّ من دول الجوار بالنسبة للعراق، فقضية ووحدة العراق أرضا وشعبا، هي القضية الأكثر أهمية بل هي الأهم بالمطلق.

    في لقاء لي مع احد الشخصيات الأردنية النافذة على خلفية مؤتمر القمة العربية الأخير، جرى الحديث بيني وبينه سريعا قصيرا، غير انه غني بالعواطف النبيلة والمشاعر السامية يقول “من حق الإخوة العراقيين أن يحلموا بعراق قوي متطور متفتح باتجاه الرقي والسمو، امن مستقر ومستقل وموحد من حقكم أن يكون بلدكم قادرا على ان يعيد لكم الامل والمستقبل ويريحكم من تعب السنين العجاف عراق جديد يحقن الدماء الطاهرة ويوقف النزيف، عراق متسامح مع نفسه قبل تسامحه مع الآخر عراق جديد يسخر طاقاته البشرية وموارده الطبيعية للبناء وليس للدمار، للرفاهية وليس للبؤس للسلم وليس للحروب..

    ومضى في حديثه وقد تصاعدت نبرات صوته حدة : 

    “تأكد اننا في الاردن لن نسمح لانفسنا ولا لغيرنا في حدود ما نملك من قوة وقدرة ان تمس نبتة عراقية في فيافي او جبال او اهوار او وديان العراق ونبكي قبل ان يبكي طفل عراقي فقد أباه في الموت المجاني الذي يحصد الآلاف في غياب الوقفة العراقية الواحدة المترفعة على صغائر الخلافات والاختلافات المصدرة اليكم عبر الحدود من قبل الآثمين”، ويضيف قائلا : 

    تاكد… كان يمكن ان يكون الاردن ساحة موت مجاني كارثي، لو لم تكن هناك عقول واعية، واخلاص حقيقي ثابت للوطن وحي مستديم للشعب، كنا احد اهداف مخطط اغراق الجميع في بحور من الدماء نعم ليس لدينا مشكلة مذهبية، ولكن لدينا تنوع ديني، وقد حاول الإرهاب الدخول من هذه الفجوة.. ولكن لحسن الحظ وجدها مغلقة بإحكام.. عصية على الاختراق وهذا ما ينبغي ان يكون في البلد الذي نحب ونعشق.

    تلك هي الحقيقة التي تمثل جوهر الموقف الأردني حيال العراق.. موقف الشقيق المحب، والجار الراغب في التعاون البناء إلى اقصى حدود التعاون، بل هو ينشد اكثر من ذلك هو يريد ويرغب في ان يكون هناك جهد ستراتيجي مشترك يرسي قواعد وثوابت العلاقات بين البلدين على اسس ومعايير إستراتيجية تخترق حواجز الحاضر باتجاه المستقبل، حيث يلعب التواصل الأردني العراقي دور الجسر الذي تعبر عليه وبه ما تنتجه الوحدة الاقتصادية لدول شمال الخليج العربي من جهة.. ومن جهة أخرى أن يكون عمقا ستراتيجيا للعراق وان يكون العراق بعدا إستراتيجيا للأردن.. وبذلك تتواجد أرضية البناء المشترك لمستقبل واعد، تتكامل فيه ومن خلاله القدرات والإمكانيات خصوصا وان العراق في أمس الحاجة الى تعدد ونوع قنوات اتصاله بالبحار تجاريا ونفطيا تلك هي الحقيقة، تجاهلها او التقليل من شأنها او إدراجها في مرتبة متدنية في سلم أولويات العمل.. او وضعها في “خانة” العادي وليس “المهم” او “الأهم” يضر ضررا بالغا.. في المصالح الحيوية الآنية والمستقبلية للعراق وتاريخ العلاقة بين البلدين يؤكد هذه الحقيقة ويجسد جدواها وفائدتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ودون الدخول في تفاصيل الفوائد الامنية والاقتصادية والسياسية التي تحققت للطرفين عبر هذا التعاون فان المنطق يقول في ضوء التحليل الواقعي لطبيعة المعاناة العراقية المتجسدة بالتدخل المباشر وغير المباشر السافر في الشأن الداخلي العراقي، ان الحدود العراقية الاردنية والعلاقات الأردنية العراقية كانت وما زالت، تبعث على الارتياح نتيجة ابتعاد السياسة الاردنية عن كل ما من شأنه التسبب في اثارة المشاكل او التأثير على سلامة نسيجه الوطني ووحدته الوطنية، في حين نجد الأمور عكس ذلك تماما بالنسبة للحدود العراقية السورية قبل عام 2011 والحدود العراقية التركية على مدى التاريخ المعاصر ومحاولات تركيا الرامية الى التدخل السافر في الشأن الداخلي العراقي ولديها أطماع معبر عنها عبر التصريحات والأدبيات والصحافة والإعلام، بل أن عددا كبيرا من الوزراء الاتراك وكبار المسؤولين، كثيرا ما هددوا بالغاء معاهدة عام 1926 ما يعني احتلال “ولاية” الموصل بكاملها “تدخل فيها كردستان وكركوك وربيعة وسنجار وغيرها والى ما يجاور حدود بغداد” اما ايران فان الاوراق فيما يتعلق بالعلاقات معها تختلط على نحو اكثر بكثير من اختلاطها على مستوى العلاقات مع تركيا فتركيا حاولت ولا زالت التأثير على عاملين اضيف لهما في الاونة الاخيرة عامل ثالث وهي: 

    اولا : التركمان والضغط المستمر على جعل هذه الاقلية القومية المتآخية مع غيرها من القوميات المكونة للشعب العراقي ملاذا امن للسياسة التركية باعتبارها احدى اهم الأوراق.

    الثاني: السنة.. في كل حين حاولت تركيا الاتكاء على السنة للاستقواء على مواجهة الشيعة باعتبار أن الشيعة حصة إيران. 

    الثالث: بذلت تركيا جهودا غير طبيعية من اجل التدخل في الشأن الداخلي العراقي وهي تحاول حشد محاور وتحالفات في المنطقة تكرس ضد العراق والتشويش على دوره المحوري في المنطقة 

    الرابع : توجهت تركيا وعلى نحو غير مسبوق للانفتاح على اقليم كردستان العراق فاتحة بذلك كل قنوات الاتصال والتواصل ليس حبا بالأكراد الذين تناصبهم العداء ولا تترك فرصة الا ونكلت بهم ووجهت حمم اسلحتها الفتاكة لتدمير وقتل الاكراد في الاراضي العراقية او في الأراضي التركية.

    وعلى هذا المنوال.. مارست ايران انواع اساليب التدخل السافر في الشأن الداخلي العراقي وحاولت امتلاك العديد من الاوراق لعبت فيها بمهارة على حساب المصالح الحيوية للعراق شعبا ووطنا وهذا ما دفع الولايات المتحدة الاميركية الى جعل العراق مجرد محطة من محطات التواصل مع إيران، عبر عدة اساليب ووسائل مرئية وغير مرئية أما الأمر على صعيد العلاقات مع الكويت فهو في المحصلة النهاية لا يخرج عن هذا الإطار، إطار التدخل السافر والمستتر غير ان الوسائل والاساليب تختلف، رغم ان الاطماع التوسعية واردة وحاضرة بقوة على صعيد العلاقة بين البلدين والاسوأ من كل ذلك، ان الكويت التي تعرضت لعمل اجرامي من قبل صدام حسين دفع ثمنه، تماما كما دفع ثمن ما فعله الشعب العراقي من اضطهاد وعسف وإبادة جماعية تعاملت مع العراق وكأنه هو الذي فعل بها ما فعل، فلم يكفها انها كانت منطلقا لقوات الاحتلال واصطحبته لتعبث وتعيث فسادا بأمن وأمان العراق بل واصلت الضغط على العراق وعارضت خروجه من الفصل السابع وبالغت في التعويضات والديون التي اعطيت لصدام حسين من اجل ان يواصل حربه المجنونة على ايران ليدمر ايران والعراق في آن واحد ثم أخيرا وليس آخرا اقدمت على انشاء ميناء ليس الغرض منه غير تضييق الخناق على العراق الذي يعاني اصلا من اطلالة محدودة وضحلة وهي تطل على البحر بكامل حدودها وتملك عددا كبيرا جدا من الموانيء.

     اما السعودية فان لها شأن آخر اكثر خطورة واشد ضررا فالسعودية كانت طوال اكثر من 150 سنة تناصب العراق عداء مستحكما ينطلق من اعتبارات طائفية منحرفة، فقد شن الوهابيون غزوات منتظمة ومتواصلة راح ضحيتها اعداد غفيرة من العراقيين “شيعة وسنة” ومن مختلف المناطق العراقية الملاصقة للصحراء الغربية وعندما تاسس الحكم الوطني وقيام الحكم الهاشمي الملكي، تصاعدت حدة الاستفزازات السعودية ضد العراق ومارست شتى انواع الضغط والتآمر العلني والسري لاعاقة نهوض العراق وعندما اكتشف النفط في السعودية حاولت السعودية اغراء شركات النفط على تعمد ابقاء مستوى الانتاج العراقي من النفط، اقل من حاجة البلد المادية لتغطية متطلبات خطط الاعمار والتنمية والتطوير.

    وبصرف النظر عن تاريخ طويل من المحاولات السعودية الرامية إلى الايقاع بالعراق والعراقيين واثارة النعرات الطائفية والعرقية، فان ما حصل منذ عام 2003 والى الوقت الحاضر يجعل السعودية واحدة من بين اشد البؤر إرهابية المصدرة للإرهاب والممولة له والمحرضة على الاستمرار به والمسوغة لممارساته بـ”الفتاوى” وبغيرها بالطبع لابد من الإشارة هنا الى موضوع العلاقة بين العراق وجيرانه، لم تصل الى ما وصلت اليه، بسبب الآخر التركي او الإيراني او الكويتي او السعودي او السوري، بشكل مطلق بل ان ثمة جزءا من المسؤولية يتحمله المسؤولون العراقيون الذين اظهروا الشيء الكثير من البلادة والجهل وضعف الشخصية وضيق الافق والاستقواء على الأخ في الداخل من خلال استخدام امكانيات وقدرات هذا الجار او ذاك..

    يحدثني احد كبار الصحفيين العرب المحسوبين على السعودية ويعمل في احدى الصحف التابعة لها عن العلاقة بين صدام حسين والملك فهد والأمير عبد الله ولي العهد، وكذلك علاقة عزة ابراهيم بهما فيقول: كنت اسمع نكات وقفشات وحكايات مضحكة ومعبرة عن مدى ازدراء واحتقار الملك وولي عهده بصدام حسين وكيف انهما يتعمدان اظهار التبجيل والاحترام والتقدير له لإرضاء غروره وعنجهيته، بخلاف ما كانا يفعلانه مع عزة إبراهيم لانه كان عنيدا وشديدا ودقيقا لذلك فان أية قضية يكون فيها الطرف المفاوض عزة ابراهيم تتعقد وتتلكأ فيما لا يكون ذلك على مستوى العلاقة المباشرة بين صدام حسين والملك وولي عهده ومن هنا جاءت قضية الديون وقضية ” النصائح ” وعمليات التحريض و… “شيمة وخذ عباته”!!

    ان الاستخدام الواعي والعقلاني لأساليب ووسائل التواصل الموضوعي المحقق للمنافع والمصالح المشتركة في إطار من الوضوح والصراحة والموضوعية هو الذي كان وما زال يمثل حاجتنا الملحة في التعامل مع الجوار وان لا نساوي بين من يسيء لنا وبين لم تبدر منه اية شائبة وليس في نيته ان يفعل ما يسيء لجواره ويتبنى سياسة عدم التدخل في الشأن الداخلي للآخر.. وله تاريخ ناصع البياض في اطار التعامل الثنائي.

  • الشـــرق الأوســـط .. رجـــل العالـــم المريـــض !!

    •من مأساة ليبيا !! وضياع تونس !! ومتاهة مصر!! إلى شلالات الدم في سوريا!! 

    واحدة من عجائب الدنيا في يومنا هذا.. دولة اسمها قطر.. عدد نفوسها من السكان الأصليين نصف مليون نسمة.. نصفه نساء واطفال.. ويبلغ عدد السكان من غير القطريين أي العمالة المهاجرة إلى قطر مليونا و750 ألف نسمة وتبلغ مساحة هذه الدويلة 11 الف كيلو متر ويبلغ الناتج القومي القطري الآن بحدود سبعين مليار دولار ويأتي ذلك من عائدات قطر من تصدير النفط وتصدير سوائل الغاز والمواد البتروكيمياوية ويبلغ إنتاج قطر من الغاز الآن بحدود خمسين مليون طن متري بالإضافة إلى ما يقارب المليون وربع المليون.. ويبلغ الناتج القومي القطري الان أكثر من سبعين مليار دولار ومع ذلك فقطر تواجه الكثير من التحديات والصعوبات الاقتصادية ذات الآثار والأبعاد التي ترسم خطوطا سوداء باتجاه مستقبل قطر كوجود سياسي فاعل في المحيطيين الاقليمي والدولي. 

    يرجع الكثيرون من المحللين والباحثين والمتابعين القفزة التي حققتها قطر، الى طبيعة علاقاتها باسرائيل وبالصهيونية العالمية، وما تحملته من اعباء ووظائف سياسية واعلامية ومعلوماتية في هذا المجال.. 

    لقد بدأت قطر علاقاتها مع اسرائيل بعد مؤتمر مدريد على وجه التحديد، على اثر الإطاحة بامير قطر الشيخ خليفة آل ثاني في انقلاب قادة ولده حمد في 27/ 7/ 1995 وبعد ذلك وفي ضوء ما حصل على مستوى العلاقات القطرية الاسرائيلية قام شمعون بيرز بزيارة لقطر في عام 1996 وافتتح المكتب الإسرائيلي في الدوحة ثم التوقيع على اتفاقية بيع الغاز القطري لإسرائيل وفي تلك الزيارة التي استقبل فيها بيرز بحفاوة وترحيب بالغين القى بيريز محاضرة في جامعة الدوحة اشار فيها بالقيادة القطرية الجديدة مؤكدا صلابة العلاقات القطرية الاسرائيلية وقومتها في مواجهة اولئك الذين لا يرغبون في ذلك وبارك بريز الفضائية القطرية الجزيرة، مؤكدا احترامه وتقديره للدور الذي اضطلعت به متعهدا بتقديم المزيد من الدعم والإسناد والمساعدة لاستكمال تنفيذ مهامها في اطار الستراتيجية الإسرائيلية القطرية.. في العمل على اعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة بما يؤدي الى اقامة شرق أوسط تنعم فيه شعوبه بالسلام والأمن والاستقرار والتقدم والرفاهية. 

    وبالمقابل فقد أقامت قطر بورصة الغاز القطرية في تل ابيب وأنشئت شبكة من الاتصالات والمكاتب الاستشارية للاتصال بالشركات والمؤسسات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية الاسرائيلية وفي ضوء ذلك تصاعدت وتائر العلاقات القطري الإسرائيلية الى مستويات عالية جدا، حيث أعلنت قطر اعترافها بإسرائيل وتم تبادل التمثيل الدبلوماسي واستلمت قطر تدفقا هائلا من المعلومات المخابرايتة الاسرائيلية مع جهود متواصلة لربط قطر بالعجلة الإسرائيلية وبشكل لا يسمح لأي عارض في المستقبل من التأثير سلبا على مستوى العلاقة ولا على قوة ومتانة الارتباط القطري بالعجلة الإسرائيلية. 

    لقد مضى أكثر من 16 سنة على العلاقات القطرية الإسرائيلية وقد كان الشيخ حمد بن خليفة الذي قاد الانقلاب على أبيه، يحاول إقناع المحيطين به، والآخرين في قطر وخارجها بان علاقاته بإسرائيل ستجلب له قطر وللقطرين التقدم والرقي وزعامة المنطقة ولعب دور محوري على المستوى الدولي… بيد ان أيا من تلك الوعود لم تحقق على النحو الذي بشر به الشيخ حمد، الذي بدا مؤخرا محبطا ومتبرما بعدما تأكد أن كل الوعود التي قطعتها إسرائيل له، لم يحصل عليها، بل حصل على ما يناقضها كما واجهته قطر في ليبيا وفي تونس وفي موريتانيا ومصر وما تواجهه الآن على مستوى ما يحدث في سوريا.

     كان الشيخ حمد بن خليفة يامل بالنقاط التالية: 

    اولا: استتباب الامر له في قطر وقطع دابر النزعة الانقلابية الموروثة لدى ال ثاني حيث اطاح الاخ باخيه وابن الاخ بعم والابن بابيه في حالات تكررت لاكثر من ست مرات غير ان حمد بن خليفة، اكتشف الآن ان الشيخ حمد بن جاسم رئيس الوزراء ووزير الخارجية ينسق مع الموساد الإسرائيلي من اجل الإطاحة بالشيخ حمد بن خليفة وذلك لان الموساد الإسرائيلي بات على يقين من ان الشيخ حمد بن خليفة مرحلة انتهت وأسدل الستار عليها عمليا نتيجة عجزه عن التفاهم مع القادمين الجدد كحكام في عدد من البلدان العربية وكذلك لتقاطعه مع دينامكية حيوية الشيخ حمد بن جاسم بحسب الموساد الإسرائيلي، بيد أن ذلك لم يلق الترحيب الكافي من وزارة الخارجية الإسرائيلية التي ترى أن تغيير الشيخ حمد بن خليفة لن يؤدّي الظرف الراهن سوى الى المزيد من التعقيدات السياسية والاقتصادية في قطر وعلى نحو يؤثر على الخطط الاسرائيلية في تعزيز تواجدها المخابراتي والسياسي والاقتصادي والعسكري في الخليج العربي. 

    ثانيا: معاونة قطر في الخروج من انعدام توفر الشروط الموضوعية والذاتية لقيامها بدور محوري في المنطقة وذلك لفقدانها أصلا إلى عناصر تكوين الدول، فما بها من مشاكل وتحديات يجعل اي احتمال باستمرارها كدولة، مشوب بالكثير من الشكوك.. وذلك لان قطر تواجه المشاكل والتحديات والصعوبات التالية: 

    1- مخاطر أمنية 

    2- مخاطر اجتماعية 

    3- مخاطر ثقافية 

    4- مخاطر اقتصادية 

    5- مخاطر سياسية 

    6- ولعل البعض يقول: ان ليس هناك دولة في العالم لا تواجه هذه المخاطر مجتمعة او منفردة.. والجواب ينهض على الحقائق التالية: 

    اولا: إن قطر تعاني من عدم التوازن الحاد في التركيبة السكانية فالإحصاءات القطرية تقول ان عدد سكان قطر من القطريين الأصليين يبلغ حوالي نصف مليون نسمة، فيما يبلغ عدد السكان من غير القطريين الأصليين أي من الوافدين على قطر بحدود المليون ونصف المليون قدموا إلى قطر من جميع أنحاء العالم وبشكل خاص من آسيا واهم خطر حقيقي يواجه السكان القطريين الأصليين هو ان هذا المليون ونصف هم من الشباب أي في حدود سن العمل وهم في الغالب الأعم من الذكورة بينما السكان الاصليين من القطريين فهم نصف مليون نسمة منهم فقط حوالي 35% من الذكور البالغين و6% من النساء وأطفال والمرضى وغيرهم، إذن هنا يكمن التحدي الكبير والخطير لمستقبل التوازن في النشاط الاجتماعي والسياسي .

    ثانيا: إن الخطر لا يتوقف عند حدود التركيبة السكانية، بل يتعداه إلى خلل آخر اشد وطأة، ذلك هو خلل التركيبة النوعية والتركيبة العمرية، والتركيبه الاجتماعية.

    ثالثا : تعدد الثقافات التي تمثل الأماكن والمناطق التي جاء منها هؤلاء العمال الوافدين مع تعدد بيئاتهم وولاءاتهم.

    رابعا: فقدان الهوية الثقافية والتي هي التي تحمي الخصوصية وتحمي الإرث الثقافي التاريخي وتحديد معالم الشخصية. 

    هذه المخاطر الجسيمة مضافا إليها مخاطر الارتباط بعجلة التبعية لإسرائيل ولدت وضعا بالغ الخطورة بدأت قطر تستشعر نتائجه المدمرة وخصوصا على مستوى أساتذة الجامعات، والمثقفين والواعين ومحبي قطر ومن بين اخطر سمات هذا الوضع هو: 

    1 ـ غربة قطر عن محيطها وعن ثقافتها الخليجية حيث يبرز التناقض المثير للقلق قطريا بين الجذر التاريخي للأقلية القطرية من السكان الأصليين وبين التنوع والخلط بين عدد هائل من الثقافات والهويات والولاءات المتباينة والمتعارضة والمتقاطعة.

    2 ـ غربة قطرية في انتمائها الإقليمي من خلال ارتباطها الوثيق بالسياسات والخطط والإستراتيجيات الاسرائيلية بشكل خاص والأميركية والغربية بشكل عام.

    3 ـ استفحال الهوة العميقة بين تطلعات القطريين وثقافتهم وهويتهم المهددة بالغرق في بحر التناقضات والتحديات والتنافر الاجتماعي وبين الحكام وبشكل خاص تياري حمد بن خليفة وزوجته موزة وحمد بن جاسم.

    4 ـ تعاظم الدور الذي تلعبه المعارضة القطرية في الخارج وخصوصا في السعودية ودول عربية وأوربية عديدة.

    5 ـ تدهور العلاقات القطرية مع الدول المحيطة بها باستثناء علاقاتها بإيران التي اريد منها ان تكون وسيلة من وسائل جس النبض الذي يفيد السياسة الاسرائيلية والامريكية حيال الملف النووي الإيراني وحيال الوضع العام في ايران اما فيما يتعلق بالسعودية فان العلاقات القطرية السعودية في ادنى درجة من درجات التدهور حيث تتهم قطر السعودية بأنها خلف المحاولة الانقلابية التي دبرت ضد الشيخ حمد بن خليفة كاتهم السعودية بالمحاصصة في ترسيم الحدود وانهاء ملف المشاكل الحدودية العالقة بينهما.

     فيما ترى السعودية ان قطر ضربت كل ثوابت وأساسيات ومعايير العلاقات الخليجية عندما تطلعت بعيدا خارج حدود المنطقة لتفتش لها عن حلول لمشاكلها والتحديات التي تواجهها في حين كان الأمر كما يفترض حسب رأي السعودية أن يتم من خلال مجلس التعاون الخليجي ومن خلال التعاون الثنائي رغم أن لا اعتراض للسعودية على إقامة أفضل العلاقات القطرية الإسرائيلية ومن هنا جاءت تصريحات الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني المؤكد لحقيقة التدهور في العلاقات القطرية السعودية عندما وصف هذه العلاقات بأنها ليست على ما يرام. ان من بين أهم العوامل التي تتعلق بالقطريين هي التحركات داخل المؤسسة العسكرية وتغيير التحالفات وارتباط ذلك بلعبة الحكم والخلافة بالرغم من ان اكثر المؤشرات المتوفرة في هذا الصدد تشير الى سيطرة متزايدة للشيخ حمد بن خليفة وهنا يعبر احد الصحفيين الفرنسيين المختصين بقضايا الخليج العربي بمقال مطول في جريدة اليغياغور عن حالة النظام القطري من ان السنديانة الكبيرة تموت بفعل المرض من الداخل”. 

    تلك هي الحقيقية ان موت نظام قطر الحالي ينطلق من داخلها وليس من خارجها فالواقع يؤكد ان نظام قطر ينهض على معادلة تكون من ” المال + الإعلام + المرونة السياسية + التحالفات” ومتى ما تمكنت عناصر المعارضة والضغط وعوامل الشد الى الوراء والتحديات الحقيقية من تحقيق تقدم حقيقي في شل ارادة التشكيل والبقاء فيه فانه سينهار فورا. 

    البعض يعتقد إن الذراع الاستثمارية القطرية هي التي أوجدت لها مجالا حيويا واوربا واسيا وأميركا غير أن الواقع يؤكد أن تلك الذراع ما كان لها أن تصف إلى ما وصلت إليه لو لم تكن هناك عوامل مساعدة تدفع باتجاه تمكين  قطر من ان تلعب دورا مرسوما ومعدا بعناية من قبل اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية”.

    واذا كانت الحقيقة المعبر عنها من خلال قانون علمي يحكم حركة التاريخ تقول ان التاريخ يعيد نفسه ويضيف كارل ماركس في الأولى ملهاة وفي الثانية مأساة فان ذلك يشير الى انه منذ ان اسس الشيخ محمد ال ثاني قطر ككيان مستقل عن البحرين وحكامها يفقدون مقاعدهم اما مقتولين غدرا او مزاجيين من قبل اقربائهم قسرا.. من هنا فان الكثير من السياسيين والمؤرخين والباحثين في الخليج بشكل عام وفي قطر بشكل خاص ينتظرون استمرار هذا المصير في عائلة ال ثاني ويشيع الآن المراقبون أن ابناء الأمير الكبار يبدون امتعاضهم من استبعادهم من ولاية العهد بل ان بعضهم وصل به الأمر إلى الاعتكاف واظهار والتدين لاستمالة السلفيين الوهابيين وغيرهم ويعتقد مراقبون غربيون آن عائلة ال ثاني لن تقف صامته وهي تتفرج على صراع الصلاحيات بين الاضلاع الكبيرة ويشيع بعضهم ان أقطاباً كثيرة داخل عائلة ال ثاني تطالب بتوسيع عضوية مجلس الاسرة الحاكمة في مقاربة للتجربة السعودية في إنشاء هيئة البيعة لاسرة آل سعود وضم كافة أجنحة الحكم عبر ممثلين في الهيئة ومعروف ان عدد اعضاء اسرة آل ثاني وصل الى اكثر من عشرين الف شخص فأصوات داخل فروع آل جبر والأحمد والعبد الرحمن والعيد”  تنادي بضرورة أن تخضع امور ادارة الامارة وخصوصا على صعيد نمو الثروات للمسؤولين الكبار كالأمير حمد بن خليفة والامير حمد بن جاسم وغيرهما للنقاش والحوار ويضم مجلس العائلة الحاكمة خمسة اشخاص فقط وهم: الشيخ حمد بن خليفة وحمد بن جاسم ورئيس الديوان الاميري ولي العهد وتتكون أسرة ال ثاني من ستة فروع هي: ال جاسم وال جبر ال احمد، ال عبد الرحمن، ال ثامر. 

    ان من يلتهم ” لقمة ” كبيرة عليه ان يتوقع موته المؤكد بالاختناق كذلك الحال مع قطر رغم ان البعض يعتقد ان قطر لاعب رئيس في المنطقة وفي غيرها غير ان الواقع يؤكد حقيقة انها لا تخرج عن اطار كونها اداة بيد اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية ويوجهانها تبعا لمصالحهما بدليل الوجود العسكري الاميركي الاسرائيلي المكثف في قطر بيد أن الفيلسوف ميشيل فوكو يشير إلى حقيقة ينبغي ان لا نتجاهلها في معرض تقييم الدور الذي تضطلع تنفيذه قطر تلك هي ما يصفه بـ النفوذ التمكيني والحجيمي وهنا تلعب قناة الجزيرة دورا مميزا في تجسيده واقعا حيا فهي:

    أولا: تمكن قطر من التأثير على الاوضاع الداخلية للانظمة المراد التأثير عليها بتصعيد حملتها عليها. 

    ثانيا: تحجم قدرة الأنظمة المستهدفة من ان تدافع عن نفسها باسلوب الدفاع المرن والمبادر .من هنا نجد ان النفوذ القطري يصل درجة ان تكلم اثر وان صمت اثر وتلك هي أسمى واخطر درجات القوة والنفوذ حسب تعريفات مدارس عنيت بدراسة النفوذ وطرقه وأساليبه. وهنا لابد من أن نتساءل ترى هل هبط كل ذلك على قطر من السماء؟ بالتأكيد لا احد يجهل حقيقة الجزيرة هي نتاج جهد إعلامي إسرائيلي أميركي أوربي عولمي ناطق باللغة العربية وبغيرها من اللغات ينهض على تجربة إعلامية وخبرات وعقليات ومفاهيم ودراسات علمية تمثل حصيلة معرفية هي كل خبرة بشرية في كيفية صناعة الرأي العام وكيفية تجريد المتلقي من قدرته على فهم الأمور خارج اطار التحليل الذي تقدمه وتلك قضية معروفة ولعل احد اهم اسباب انهيار الاتحاد السوفيتي هو الإعلام الأميركي بشكل خاص والإعلام الغربي بشكل خاص فالجزيرة لا تخرج عن إطار كونها احد الاسلحة الاسرائيلية الاميركية للمنطقة من القاعدة القطرية شأنها في ذلك شأن القاعدة العسكرية الاميركية والقاعدة المخابراتية الاسرائيلية .

  • الشرق الأوسط .. رجل العالم المريض !!

    ما الذي يجري الآن في الشرق الأوسط أهو قد بات الرجل الأكثر مرضا في عالم يفتش عن ضمان استمرار شريان الحياة الأسود؟، ويرجو استغلال واستثمار عبقرية المكان التي يتمتع بها الشرق الأوسط أمراض عديدة مستعصية بعضها ، وخطيرة قابلة للانتقال باللمس والاختلاط أو التعاطي.. وبعضها أوبئة استوطنت وفتحت كل أبواب الاحتمالات المخيفة ومنها لديه القابلية على تحطيم أجهزة المناعة واختراق اسيجة الوقاية.. أمراض قديمة وأخرى جديدة.. بعضها ينشط حسب المواسم .. وأخرى تنشط حسب التوقيتات والبرمجة المرتبطة بموجهات ومجسات لا علاقة لها بالمنطقة .. 

    في إسرائيل.. الحالة المرضية تبدو أكثر خطورة وأكثر ضغطا على مجمل العلاقات الإسرائيلية مع العالم ومع المحيط الذي تعيش فيه.. بل هي – الحالة المرضية- في إسرائيل تبدو أكثر في الخطورة وفي مفارقاتها واشكاليتها فإسرائيل التي تواجدت في محيط غريبة عنه وغريب عنها.. واستخدمت من اجل ذلك كافة أساليب ووسائل القوة بكل أبعادها ومعطياتها وعناصرها بما في ذلك قوة الشرعية الدولية عاجزة الآن تماما عن تبرير عدم قدرتها على إقناع الرأي العام العالمي والإقليمي وحتى الإسرائيلي من استعدادها للتجاوب مع الطروحات والمواقف المنادية بضرورة وضع لحالة اللاحرب واللاسلم السائدة في منطقة الشرق الأوسط وإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.. 

    عندما كان الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ، محصورا داخل المحيط الإقليمي ، ولم تكن هناك حلول مطروحة في إطار العملية السلمية التفاوضية، كانت إسرائيل تصر على عدّ التفاوض مقابل الأرض هو الطريق للسلام، غير ان الأمر تغير بعد اتفاقيات كامب ديفيد وخروج مصر من حلبة الصراع وتبعها الأردن وتوالت الاعترافات بإسرائيل من قبل العرب، انفتح الطريق أمام العالم بشكل عام وأمام الولايات المتحدة وأوربا بشكل خاص لتقدم حلولا اشترطت المعني بالمفاوضات المباشرة للمضي بها.. وبالفعل حصلت تلك المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في أوسلو وواشنطن عبر اللقاء المباشر بين ياسر عرفات ومناحيم بيغن .. وكان من نتيجة ذلك قيام حكومة فلسطينية على الورق وإعطاؤه وجود اسمي في (        ) وتواصلت المفاوضات ولكن دون جدوى الأمر الذي جعل الفلسطينيين يتجهون إلى واشنطن وأوروبا طلبا للنجدة .. وبالفعل كان رد فعل أمريكا وأوروبا تشكيل لجنة أممية رباعية برئاسة بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وطوال أكثر من سبع سنوات لم تحقق اللجنة التي سميت فيما بعد بـ “الرباعية” أي تقدم يذكر وخلال ذلك كانت الولايات المتحدة وبعد نقاشات كثيرة قد توصلت إلى مقترح ينهي هذا الصراع ويسدل الستار على واحدة من بين أسوء واخطر بؤر التوتر في العالم، وقد جاء المقترح على شكل حل سمي بـ (حل) الدولتين قبلت به الحكومة الفلسطينية فيما رفضت ذلك عمليا إسرائيل  التي لم تبد وجهة نظر علنية فيه بيد أنها من الناحية العملية شرعت في العمل المضاد والمناقض لفكرة الدولتين تماما من خلال مسألتين: 

    الأولى: رفضها الاعتراف بالدولة الفلسطينية ومقاومتها لأي إعلان عن ذلك بما في ذلك حق طلب عضوية الأمم المتحدة. 

    الثاني: الاستمرار في إقامة المزيد من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية والاستمرار في تهويد القدس . 

    لقد جاء الموقف الإسرائيلي هذا ليشكل أول صدمة حقيقية للتيار المؤيد لإسرائيل في العالم.. وخصوصا لأولئك الذين كانوا يعتقدون أنها بلد مسالم متحضر يعيش وسط بيئة مفترسة لا تعرف غير الحروب والإبادة.. 

    إزاء ذلك بدأ العالم يفكر بالبديل الذي ينقذ الموقف من التدهور باتجاه الكارثة خصوصا بعد هزيمة إسرائيل في حرب تموز عام 2006 على يد حزب الله … وتفتق هذا التفكير عن فكرة إقامة دولة واحدة تضم اليهود والفلسطينيين وغيرهما من الاثنيات والقوميات وقبل ان يتنفس العالم الصعداء لأنه وجد الحل الحضاري المعقول والممكن جاء رد إسرائيل أن هذا الحل ينهي وجود الدولة اليهودية ويقضي على حلم قيام إسرائيل الكبرى لأن المشكلة الكامنة في الخلل الديمغرافي، هو الذي سيجردها من الأغلبية وبالتالي فإن صناديق الاقتراع ستأتي بحكومة فلسطينية وليست حكومة يهودية وعلى ذلك فالدولة اليهودية القائمة هي دولة يهودية بنسبة 90% لضمان بقائها على هذا النحو: 

    لذلك فإن الموقف الإسرائيلي ينهض على : 

    رفض عودة اللاجئين والمهجرين منذ عام 1948 بأي حال من الأحوال: 

    رفض إطلاق الزيادة السكانية للفلسطينيين المتواجدين في الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. 

    إذن ما الحل؟ الصحافة الأمريكية والإعلام الأمريكي ومراكز البحث والتحليل والدراسة وجهات صنع القرار الأمريكي وصلوا إلى الطريق المسدود.. ولم تعد اللقاءات والاجتماعات والمحادثات الثنائية والجماعية الأمريكية الإسرائيلية والأمريكية الأوربية الإسرائيلية بقادرة على استيعاب ما يحدث وغير قادرة على فهم ما تريده إسرائيل تماما، وإسرائيل من جانبها ورغم أنها تعرف تماما حراجة موقف الغرب وأمريكا وتعرف أنها ولأول مرة تقف وهي عاجزة تماما من تقديم ما يعزز ثقة حلفائها بها وبتوجهاتها المنطقية من هنا كان لابد من إيجاد تيارات في المنطقة تعمل عمل التخفيف من ثقل الضغوط عليها، وكانت هذه التيارات قد تجسدت بالنقاط  التالية: 

    أولا: ربيع عربي يأتي بأسوء ممن كان يحكم ويتجسد ذلك بالسلفيين والإخوان المثيري للخلاف والاختلاف والمسببين للصراعات العربية العربية والإسلامية الإسلامية . 

    الثانية : حماية الاستبداد المالي 

    الثالثة : إيجاد محور يهدد السيطرة الأمريكية بالعصيان والتمرد والتنمر.. يتكون من إسرائيل +تركيا + السعودية +قطر). 

    الرابعة : التصعيد في الموقف المعادي للبرنامج النووي الإيراني والربط بين هذا التصعيد وغلق مضيق هرمز وتهديد خطوط النقل النفطي والتجاري في الخليج العربي . 

    الخامسة: العمل على إيجاد قواعد عسكرية إسرائيلية في المناطق المحيطة بإيران او استخدام هذه القواعد لأغراض تجسسية وتعبوية وإستراتيجية. 

    السادسة: تحطيم سوريا من الداخل تنفيذا لمشورة هنري كيسنجر الشهيرة. 

    فعلا حققت إسرائيل بعض النتائج الايجابية بالنسبة لها فقد اشغلت العالم وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا بما جرى وحتى دول المنطقة هي الأخرى لم يعد حديثها منصبا على ما يجري في الساحة الفلسطينية بل ان الفلسطينيين أنفسهم تناسوا او نسوا موضوعهم.. وراحوا يتحدثون عن انواع السلفيين والاخوانيين وانتظار سقوط طاغية دمشق . 

    السابعة/ بدأت إسرائيل تتحدث في السر والعلن عن تواجد إسرائيلي يقربها عن الخطر النووي الإيراني المزعوم كتفويض لها عن الأضرار التي لحقت بها جراء مشاركتها في الحرب الباردة وبدلا عن التعويضات المادية التي أوعدتها بها الولايات المتحدة الأمريكية وليس ثمة إمكانية لتحقيق ذلك إلا من خلال ثلاثة مقتربات : 

    الأول: من خلال قطر : وقطر بلد صغير لا يمكن إخفاء الوجود الإسرائيلي فيه 

    الثاني: من خلال اذربيجان وهذا أيضا فيه الكثير من الصعوبات والتعقيدات المتوقفة نتيجة بعد المسافة بين إسرائيل وأذربيجان. 

    الثالث: من خلال العراق ، وهذا الخيار الأفضل إذا ما تحقق في ضوء عدة عوامل مساعدة منها إسقاط النظام في سوريا وقيام نظام يرتبط بالحلف القطري السعودي الإسرائيلي التركي بتعاون في فتح قنوات التقرب والاقتراب من ايران إضافة الى ايجاد إمكانية التعاون مع القوى المعارضة للنظام الإيراني وتسهيل تواجدها في مناطق قريبة من الحدود العراقية الإيرانية على شكل خلايا نائمة وشبكات استطلاع وجمع معلومات وبشكل خاص حول الإشعاعات النووية والتلوث النووي وغير ذلك من الأمور المهمة. 

    لقد تفاقمت مشاكل الوضع الاقتصادي والاجتماعي في إسرائيل على نحو لم يسبق له مثيل فخلال عقد واحد جرى تقليص المساعدة التي تقدمها الإسكان للإسكان بـ 56 % وتراجعت نسبة القاطنين في شقة من 73% إلى 66% ومنذ بداية التسعينيات تآكلت الميزانية الفعلية للتزويد بسلة الخدمات العامة بنحو 50% . 

    بالطبع لابد من ملاحظة ان التعليم والإسكان والتشغيل والرفاهية  ليست منتجات استهلاكية بل هي حقوق أساسية لا ينبغي التفريط بشيء منها لحساب قوى السوق من هنا تتصاعد موجات الغضب داخل الكيان الإسرائيلي حيث تفيد المعلومات المؤكدة بوجود حالة غليان داخل إسرائيل والتخطيط للقيام بتظاهرات واعتصامات ضد تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ..

    فما بين 2009 و2011 هبط النمو في إسرائيل فقد انخفضت نسبة النمو من 5 % إلى 3،4 % ثم إلى 8،2 ثم إلى اقل من 1 % ثم بدأ الانحدار فيما ارتفعت البطالة فيها إلى أكثر من 12 %  فيما بلغ التضخم أكثر من 8 % حسب الميزانية لعام 2011 ، وإجمالا يمكن القول بلا تردد أن الاقتصاد الإسرائيلي دخل في أزمة عميقة  متفاقمة ومدفوعة باتجاه التداعي والانهيار الحقيقي تحت ضغط ثلاثة عوامل متشابكة ومتداخلة ومتواصلة وهي :

    *انهيار صناعات التكنولوجيا المتقدمة والتقنيات الحديثة 

    * أزمة الاقتصاد الأميركي والغربي عموما التي تفاقمت منذ بداية العقد الماضي ، لتصل مع بداية العقد الحالي إلى درجات ومستويات تثير الكثير من المخاوف والقلق الحقيقي من المستقبل المجهول. 

    *سلبية المجتمع الإسرائيلي وعدم قدرته على التكيف مع أوضاع تتطلب منه شد الحزام على البطن والتضحية بما كان يتمتع به في المناطق التي هاجر منها تحت الضغط الصهيوني الذي يحاول دفع المزيد من المهاجرين للاستيطان في أراضي عربية محتلة في الضفة أو غزة أو في غيرهما . وهذه العوامل بالإضافة إلى عوامل أخرى لا تقل أهمية منها عدم قدرة إسرائيل على التواصل مع المحيط الذي تعيش فيه بسبب خضوعها لتوجهات ومخططات توسعية كلفتها المزيد من التورط في أزمتها الخانقة ويؤكد خبراء الاقتصاد والمال في العالم أن الاقتصاد الإسرائيلي كان يمكن ان ينهار تحت وطأة هذه الأزمة، لولا استمرار الدعم الأميركي المادي والمعنوي حتى بات صحيحا القول ان الكيان الإسرائيلي ، هو الكيان الوحيد في العالم الذي يعيش على ما يصله من معونات من قوى دولية كبرى رغم ما يبدو على السطح من ظواهر ومظاهر توحي بوجود دلائل على سيطرة وتحكم في الأزمة ، بيد ان المستقبل يخفي عددا هائلا من التحديات القاسية قد تكون لها تداعيات على قدرة الدولة العبرية على تمويل اتفاق امني تتصاعد وتائره وعلى استقرار داخلي تزداد تكاليفه، وعلى مكانة دولية تحتاج إلى بذل مادي واسع النطاق وتكمن هذه المخاطر أساسا في تآكل رأس المال البشري في إسرائيل… ويعني ذلك في محصلته المباشرة، تهديد أساس ورأسي للأمن القومي الإسرائيلي والأمن القومي بدلالته الموسعة ، يعني قدرة الدولة على الدفاع عن نفسها وعلى تحقيق اهدافها القومية ـ على الأقل في حدها الأدنى ـ في مجالات الأمن والسياسة الخارجية، والمجتمع والاقتصاد والعلوم، وبذلك يتميز هذا المفهوم عن  مفهوم “الأمن القومي” بالمعنى الضيق المتمحور حول العلاقات الخارجية والأمن وحسب، ويتجلى هذا التصريف الواسع  في وثيقة “استراتيجي الأمن القومي” للولايات المتحدة الأميركية الصادرة عن البيت الأبيض في أيار 2010 التي تحدد أربعة مجالات: 

    وهي الامن والازدهار والقيم والنظام العالمي ويشمل الازدهار الذي نحن بصدده الان الأهداف التالية :

    * تعزيز رأس المال البشري 

    * التعليم الذي يخدم الأمن القومي في ثلاثة أمور هي :

    * تطوير العلوم والابتكار والتكنولوجيا 

    * تحقيق النمو الاقتصادي المستقر والمتوازن 

    * استغلال ناجح لأموال دافعي الضرائب 

    ان هذا التحديد العملي والواقعي للأمن القومي ، يتيح لنا فرصة الغوص بعيدا في احتمالات المستقبل بالنسبة لإسرائيل فإسرائيل غير قادرة على التعاطي الصحيح مع هكذا تعريف للأمن القومي فتقويم أخطار الحروب التي تنوي إسرائيل القيام بها فضلا عن تلك التي تخوضها الآن يفصح عن حقيقة ان ذلك ضرب من ضروب المستحيل فإذا أخذنا جانبا واحدا من الجوانب ذات الصلة في هذا الموضوع نكتشف حقيقة المستقبل الأسود الذي ينتظر إسرائيل .

    ان اقتصاد إسرائيل موجه بالكامل باتجاه التصدير إلى الخارج ، وبذلك فقد بلغت الصادرات الإسرائيلية من سلع وخدمات حوالي 300 مليار شيكل إي ما يساوي 54 ، 80 مليار دولار في سنة 2010 ويمثل ذلك تراجعا كبيرا عن الاعوام التي سبقته ففي عام 2009 بلغت الصادرات 350 مليار شيكل ويترادف مع ذلك انكماش واضح في الناتج الاجمالي وتمويل موارد إضافية للحاجات الاجتماعية على حساب الضرورات القومية الأخرى وعلى خلاف ما توقعه بنك إسرائيل المركزي من انخفاض معدل البطالة في إسرائيل فان المتحقق الآن ان النسبة تجاوزت حدود 12% مقارنة بـ10% في منطقة اليورو التي تشهد اضطرابات اقتصادية خطيرة هذا إلى جانب الظهور المتزايد للنتائج المدمرة للاستقرار للرفاهية في إسرائيل، ذلك هو التباين الواسع بين مستويات الأجور وتردي أوضاع الفئات الفقيرة، وكانت عمليات الطرد والاضطهاد المتعمد من اليهود البيض للمهاجرين السود وإجبارهم على الرحيل من إسرائيل تعبيرا واقعيا لمستوى ما تعانيه إسرائيل من مشاكل توفير العمل للعاطلين وكذلك توفير المستوى الاقتصادي والاجتماعي المقبول من قبل اليهود الذين يحتمل قيامهم بالهجرة الى إسرائيل وتظهر هيكلية الدخل القومي في إسرائيل انسحاق الطبقة الوسطى التي تشكل العمود الفقري للدولة في مجالات القوة العاملة والمجتمع والأمن .

    إن بلدا يعيش هكذا تحديات يواجه بالتأكيد خلل التوازن بين متطلبات نمو قوته العسكرية ومتطلبات الحفاظ على دوران حركة الاقتصاد في إطار النمو والتحسن ، فالطموحات الإسرائيلية وخططها المستقبلية للتوسع تحتم عليها بذل مجهود امني استثنائي يتجلى في النفقات الأمنية المتزايدة من هنا بدأت إسرائيل رحلة البحث عن بدائل للمساعدات والمنح المقدمة لها من أميركا والغرب بعد ان وصلت الأزمة في هذه الدولة إلى درجة لم يعد معها بالإمكان، الحفاظ على الوجود بعيدا عن إجراءات تقشف حقيقي ، ولم يطل بها البحث، فقد وجدت في قطر ثم السعودية ثم تركيا ، أفضل الأصدقاء وأحسن المساعدين ، فالحاجة قائمة لتعاون برباعي رغم الخلافات التي تصل إلى حد التناحر والتنافس بينهم ، ورغم ما يبدو على سطح العلاقات بينهم، كما هو الحال بين تركيا وإسرائيل والاستعراضات المسرحية التي حصلت بينهما منذ دشنت تركيا مرحلة التوجه نحو الشرق والجنوب بعد أن أعطت ظهرها لأمال وأحلام بالانضمام للاتحاد الأوربي المثقل بالمشاكل والهموم.. وغير المستعد لقبول دولة تعاني مشاكل داخلية كثيرة كاضطهاد الأكراد والعرب والأرمن والعلويين وأمور كثيرة غيرها .. هذه الأمور وغيرها سنتحدث عنها بالتفصيل في حلقة ثانية من موضوعنا هذا “أمراض الشرق الأوسط ” و “الرجل المريض”.

  • قصة الباب والألف والنقطة.. وقرّة العين والصدفة التي كادت أن تخلق فتنة .. المربع الشيطاني وأساليبه في إدارة عمليات ترسيخ الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية على المنطقة.. البهائية أنموذجا

    في تزامن يثير الكثير من الأسئلة المنطلقة من شكوك حقيقية، ظهرت عدة حركات حملت معها الكثير من الألغاز والاحاجي والشبهات حول دوافعها وأسباب ظهورها ومنطلقاتها، وأهدافها وغاياتها… وبرغم أن ما بذل عليها وما سخر من اجلها وما انفق في سبيلها، كثير وكبير ومتعدد غير أن المتلقين من الناس، تعاملوا معها بحذر شديد قائم على الشك والريبة والشبهة ولم يكن ذلك في غير محله، بل لقد برهنت التطورات والزمن، صدق الحكم على هذه الحركات بالانحراف، فالماسونية والوهابية والبهائية، شكلت عبر ظهورها، ظواهر بارزة وواضحة مغرقة بالأهداف والأفكار المخربة والمدمرة للمعتقدات الإلهية والتوجهات الإنسانية وصنعت لأهداف وغايات ومرامٍ تخدم أجندات معلومة لجهات مفهومة ومعروفة.

    وسنتناول في بحثنا هذا البهائية، على أننا سنتصدى في محاولات بحثية أخرى للماسونية والوهابية وما طرأ عليهما من تجديد وترميم وإضافات.

    لقد أثارت وتثير البهائية الكثير من الفضول وحب الاطلاع والاهتمام الناجم عن الرغبة في المعرفة والاستزادة بالعلم والدراية الحقيقية لهذه الظاهرة التي اعتبرها البعض “ديناً” فيما نفى البعض الآخر ذلك مبينا بالأدلة والبراهين القانونية والعلمية لا دينيتها، وإنها مجرد حركة وضعية من عمل البشر.

    ورغم أن الذين تناولوا هذه القضية كثيرون، وبذلوا جهودا مضنية من اجل الوصول إلى ما يؤدي إلى إشاعة المعرفة بالبهائية وإزالة كل لبس او غموض.. فان ما حققته في هذا البحث الاستقصائي فات على الكثيرين من السابق واللاحق.

    لقد حاولت جهدي إظهار العلاقة السببية والسياسية والأيدلوجية بين هذه الحركات الثلاث، في الترتيب والتكوين والية العمل والأهداف الآنية والمستقبلية والخلفيات التاريخية من خلال أيجاد خيط يتلمسه القارئ الكريم من خلال الربط بين المضامين والشكليات والأهداف.

    البابية 

    ترى هي البهائية او البابية..؟

    البهائية صنيعة وضعية استمدت اسمها من “الباب” وهو علي بن محمد بن ميرزا محمد رضا البزاز، لقب نفسه بـ”الباب” تدرج في التفسيرات والتعليلات منذ أن بدأ بإظهار توجهاته ومفاهيمه رغم انه حاول في البداية أن يخفي جزءا مهما من غاياته ومراميه وخصوصا ما يعنيه وما يقصده بـ ” الباب ” مستخدما أسلوب التدرج حيث ادعى في البداية انه يقصد في الباب، الأمام المهدي المنتظر، وقال انه أراد بالباب “العلم” آخذا من الحديث النبوي الشريف “إنا مدينة العلم وعلي بابها”، ثم قال انه أراد به “الدين” باعتبار أن لا مدخل للدين الا من جهته هو.. إلى أن وصل به المطاف حد التحريم على إتباعه طلب العلم إلا من كتبه، وجعل لنفسه ألقابا غير ” الباب” منها:

    “النقطة” و “الذكر” 

    ولد علي في أول محرم سنة 123 هجرية-1820 ميلادية من أبوين إيرانيين، وتوفى والده قبل فطامه، فنشأ في حجر خاله الميرزا علي الشيرازي شقيق والدته المسماة خديجة وعنى خاله بتعليمه، فتعلم اللغة العربية تعليما بسيطا، فيما تعلم العبرية على نحو أفضل كما تعلم النحو الفارسي وبرع في الخط إذ صرف جهده إليه ثم ادخله خاله عالم التجارة وأخذه إلى مدينة “أبو شهر” على الخليج العربي فاتخذا لهما محلا في الوكالة المسماة، سراي الحاج عبد الله، وكان ذا ميل واضح لتعلم التعاليم الروحانية وكثيرا ما كان يختلي بعدد من العاملين في التجارة والبحر. وكان من بينهم شخصية لا تثير الانتباه يغيب كثيرا في نجد وحفر الباطن في الضفة الغربية من الخليج حيث كان يلتقي بالشيخ محمد عبد الوهاب وبالأمير محمد آل سعود وبعدد من الانكليز وكان عبد المعين التميمي وهذا هو اسمه يدعي صلته بمحمد عبد الوهاب بحكم كونه ابن عمه.وتذكر مجلة المرشد العراقية لهبة الدين الشهرستاني في عددها الصادر في 22 / كانون الأول/ 1922.وكذلك مجل لغة العرب للأب انستاس ماري الكرملي في عددها الصادر في 14 / 7 / 1911 أن “علي” هذا كان يتردد على البصرة والدرعية والكويت وله فيها أصدقاء ومعارف.ويقول المطلعون على تفاصيل حياته في تلك الفترة كما تذكر ذلك مجلة الإيمان اللبنانية في عددها الصادر بتاريخ 18 / 1 / 1964، انه عكف في مدينة بوشهر على الخلوات الرياضية الروحية فكان، يصعد على السطح في حر الظهيرة إذ تبلغ درجة الحرارة أكثر من 60 درجة مئوية مكشوف الرأس ويمكث بضع ساعات معرضا رأسه لأشعة الشمس المحترقة فإصابته بعد ذلك نوبات عصبية فعظم ذلك على خاله فزجره فلم ينزجر فأرسله إلى العراق لزيارة العتبات المقدسة لعله يشفى مما به وكان قد بلغ العشرين من العمر.

    في العراق بدأت المرحلة الجديدة في حياة ” الباب ” او كما يقول خصومه والباحثون في خلفيات البهائية وارتباطاتها بداية التنفيذ الفعلي والعملي لما حصل عليه من “تعليمات” و”مفاهيم” وصنعت له من الاستخبارات البريطانية والشبكات الصهيونية والتحالف الوهابي السعودي الذي بدأ للتو ينشط باتجاه التطهير المذهبي للشيعة بشكل خاص والمذاهب الإسلامية الأخرى بشكل عام.أقام “الباب” في العراق أربع سنوات وستة أشهر على رواية مؤرخي إيران وخمسة أشهر على رواية البابايين، حيث استمر على عادته في ممارسة الرياضة الروحية والعبادات وكان يحضر درس السيد كاظم الرشدي في كربلاء المقدسة، ويسمع أقواله وشروحه ويستفهم عما ربهم عليه منها ثم ذهب إلى مسجد الكوفة مع بعض معارفه، فاعتكفوا هناك أربعين يوما وبعد رجوعه، لوحظ عليه انه تغير في أسلوب طرحه للقضايا، حيث ظهر بمظهر المخالف والمعارض للكتاب والسنة فعزلوه وعنفوه ثم قاطعوه فتأثر به عدد قليل من المحيطين به وهم ثمانية عشر رجلا سماهم “حي” وهي في حساب اللغة الأبجدية ثمانية عشر وهو التاسع عشر فجعل هذا العدد مباركا وبنى عليه أحكاما.

    لقد بدأت فصول الأمر تبرز تباعا من غير اكتراث فعلي من قبل الآخرين الذين ذهبوا في محاولات تتسم بالغضب والحدة، من دون جدوى، فـ”الباب” مضى مدفوعا بالتشجيع والتحويل الواضح والمستتر يقيم العلاقات ويؤسس الصلات ومع ذلك أدرك أن بقاءه في كربلاء والنجف لم يعد أمينا.. خصوصا بعد أن أسفر عن حقيقته بشكل لا يقبل اللبس أو الاجتهاد بحيث لم تعد تقولاته وأحكامه وشرائعه تندرج في خانة الاجتهاد المسموح به في أوساط البحث والدرس، بل بدا منه ما يفيد الكفر والزندقة والخروج، عن أحكام الدين الإسلامي الحنيف بشكل كامل من هنا كان لابد من حصول إجماع في الحكم عليه فتبرأ منه علماء الشيعة وكفروه وكذلك علماء السنة.. وعقدت الجلسات العلمية وصدرت الفتاوى والتعقيبات والتعليقات لتحليل ما جاء به من “الباب” وما ادعته أقوالهم وكتبهم وشعاراتهم غير أن ذلك لم يفت في عضده، بل استمر في نهجه بتنفيذ خطته المعدة سلفا فادعى انه صاحب شريعة وانه انزل كتاب سماه “البيان” وقال في كتاب أصدره تحت عنوان “أحسن القصص” الذي جعله في تفسير بعض الآيات ما نصه “إني أفضل من “….” وقراني أفضل من “….” وإذا قال “……” بعجز البشر عن الإتيان بسورة من سور القران فانا أقول بعجز البشر عن الإتيان بحرف مثل حروف ” البيان ” ويمضي في أكاذيبه وتحرضاته وادعاءاته الموحى له بها من شياطين الماسونية والصهيونية والوهابية فيقول: ان “….” كان بمقام الألف وأنا بمقام النقطة فهل يمكن أن تقرأ الكلمة من دون نقطة.. الشيخية والبابية للشيخ محمد الخالصي ـ ولم يتوقف عن هذا الحد بل استمر في تصعيد هجومه العدواني للنيل من مكانة الإسلام وخاتم النبيين فادعى انه خالق الخلق وانه ليس نبيا عاديا أو بسيطا، بل هو كما زعم متشخص للإلهة مفتاح باب الأبواب ـ وأرسل دعاته إلى إيران وغيرها وشرط عليهم الكتمان وعدم البوح باسمه حتى يكون هو الذي يظهره، فذهب ـ ملا محمد علي المازندراني وملا صادق الخراساني- الى كرمان لدعوة اهلها ودعوة الحاج محمد كريم خان قاجار وهو من العائلة القاجارية المالكة، فرفض الدعوة وأعلن كفر البابية وألف كتابا كرسه لتوضيح بطلان البهائية وما جاء به الباب، فمقته البابيون مقتا شديدا وفيه يقول البهاء: “أذكر الكريم إذ دعوناه إلى الله انه استكبر بما اتبع هواه بعد إذ أرسلنا إليه ما قرت به عين البرهان في الإمكان.. انه ولي مدبر إلى أن أخذته زبانية العذاب عدلا من الله إنا كنا هدين”.

    واظهر الباب عزمه على السفر إلى مكة لأسباب بقيت مجهولة. أن ما ترشح عن تلك الرحلة يفيد بأنه حضر في الدرعية لقاء او اجتماعا ضم عددا كبيرا من الماسونيين واليهود والوهابيين وكان معه ثمانية عشر رجلا من أتباعه وأبحر على سفينة شراعية بعد انتهاء اللقاء في الدرعية وكادت السفينة أن تغرق فلجأ إلى بوشهر ويشكك الشيخ الخالصي في الرحلة وفي أسبابها ونتائجها وفي الوقت الذي كان “الباب” يواجه أهل بوشهر الغاضبين عليه وعلى انحرافه كانت مدينة تبريز تعيش ثورة حقيقية عصفت بمبعوثيه حيث شرع واليها حسين خان المراغي التبريزي بهاجمة المبعوثين مع الناس وأمر بقتلهم بعد إلقاء القبض عليهم فتم قتلهم في شهر شعبان 1261 هجرية ـ 1845 ميلادية، الأمر الذي حمل الباب الذهاب إلى تبريز متخفيا عسى أن يتمكن من الثأر من الوالي، فوجد الأوضاع في تبريز على غير ما كان يأمل ويتوقع فعلماؤها غاضبون والناس ناقمون فوجد ملجأ يختفي فيه.. وهناك ألف كتابه “البيان” وجعله كتاب الشريعة والأحكام وفيه الكثير من السجع العربي وبعض الفارسي إلا أن النفس العربي ملحوظا، فلما سئل عن ذلك قال: “إن الحروف والكلمات عصت واقترفت خطيئة في الزمن الأول.. فعوقبت على خطيئتها بان قيدت بسلاسل الأعراب وحيث بعثنا رحمة للعالمين فقد حصل العفو عن جميع المذنبين حتى الحروف والكلمات، فلتذهب حيث شاءت من وجود اللحن والغلط” ـ دائرة المعارف ـ. 

    غير أن والي تبريز استدل على مكانه فأرسل إليه، ولاطفه وأكرمه واستدرجه بان اظهر تصديقه ووعده النصر بالسيف فانخدع الباب وسر سرورا عظيما ووعد الوالي بأنه سيجعله سلطانا على المملكة العثمانية يوم يملك الأرض فطلب إليه الوالي أن يكف عن الدعوة حتى يتهيأ له أعداد القوة لـ”الجهاد” فصدق المشورة في وقت بدأ الوالي يعمل على جمع علماء المسلمين في تبريز، طلب منهم إصدار فتوى بحقه، وفعلا حصل اجتماع ضخم، طلب الوالي من “الباب” أن يقدم اجتهاداته وآراءه وأفكاره في قرطاس مكتوب وبعد تردد وتوجس لم يجد الباب أمامه غير ما طلبه الوالي فقدم ورقة مكتوب فيها عدة اسطر باللغة العربية على سبيل المناجاة كثيرة اللحن والغلط سقيمة التراكيب غثة المعاني، فأخذها العلماء واظهروا عيوبها وضآلتها وضحالتها فاعتذر بأنه لم يتعلم وان ذلك الهام ووحي، فأفتى بعض بجنونه وبعض بقتله فأمر الوالي بضربه وسحبه فضرب ضربا مبرحا فاظهر التوبة والرجوع الى الهدى فكف عنه وأمر بأخذه مشهرا إلى المسجد وفيه جماعة من العلماء فصعد المنبر واعلن بطلان ما كان يدعيه والندامة على ما فرط منه ثم ادخل السجن ومنع من الناس.. بيد أن انتشار الكوليرا في المدينة، أنقذه، حيث استغل الفرصة السانحة، فهرب الى أصفهان وفيها عاش على عهد واليها منوجهر خان بسعادة وحرية، لكون هذا الوالي كان حديث العهد بالاسلام وهو مملوك كرجي، غير أن وفاته (جلبت) للباب المآسي ثانية، حيث ارسله من خلف منوجهر الى طهران التي بادرت بنفيه الى قلعة “جهريق” بمدينة ماكو القريبة من مدينة بايزيد العثمانية في ولاية اذربيجان، ومن هناك طلب من أتباعه القيام بالتمرد والعصيان ويجهروا بأدائه وأفكاره وطروحاته واول من لبى طلبه ملا حسين بشرويه الخراساني بخراسان والملا محمد علي البارفروشي وزرين تاج “التاج المذهب” المعروفة بقرة العين بمازندران وطبرستان وجيلان.وكان لملا حسين منزلة كبرى عند البابيين وهو ممن أجاب دعوة الباب لما كان في شيراز وسماه “باب الباب” واطلق عليه لقب المبشر والوزير وهو الذي يقول فيه البهاء: “لولاه ما استوى الله على عرش رحمانيته ولا استقر على كرسي حمدانيته” فجهر ملا حسين بالدعوة ومعه ملا صادق الخراساني وتبعهما جماعة فعقدوا أعلاما سودا ليطابقوا حديث طلوع الرايات السود من خراسان وجمع الملا حسين 313 رجلا ليكونوا عدة أهل بدر فقام الناس إلى حربهم فتحصنوا بمقبرة الشيخ الطوسي في ولاية مازندران وبذلوا جهودهم في تحصينها ووفد اليه البابيون من كل حدب وصوب وهو يعدهم ويمنيهم بالملك والسلطان غير ان سلطان ايران ناصر الدين شاه ارسل اليه حملة منظمة فقتل ملا حسين وقبل أن يسلم الروح أوصى أصحابه بطاعة ملا محمد علي البارفورشي الملقب عند البهائيين بالقدوس، فواصل القتال ضد الحكومة، التي ارسلت اليه حملة جديدة بقيادة سليمان خان افشار فأصلاهم بنار حامية كان من نتيجتها هزيمة ساحقة للبهائيين ووقوع ملا محمد علي بالاسم، فقدم للمحاكمة وحكم عليه بالاعدام واحرقت جثته وجثامين اصحابه.واما قرة العين وتلقب عند البابيين “شمس الضحى وبدر الدجى وصديقة طاهرة” فهي بنت ملا صالح القزويني احد علماء وقته وكانت من أجمل نساء عصرها.ودراسة سيرة قرة العين توضح على نحو لا يقبل الجدل الجذور الماسونية والصهيونية، لدعوة البهائيين فقد أظهرت قرة العين أمرها وجوهر دعوتها فقالت بضرورة رفع الحجاب وأعلنت صحة تزويج المرأة بتسعة رجال دون أن توضع لماذا تسعة بالذات!! فاجتمع حولها جماعة من الشاذين، فأفتت بمقتل علماء الدين ففتك رجالها بعمها وهو قائم يصلي في المحراب وهاج المسلمون فخرجت خائفة غير أنها لم ترتدع عن غيها فنادت باسم الباب وقالت بنسخ شريعة المصطفى صلى الله عليه واله وسلم دون أن تعطي البديل بل هي قالت أن شريعة الباب لم تصل اليهم بعد، فهم في زمن فترة لا تكليف فيها ولا أمر ولا نهي ومن قولها ما ترجمته “فاخرجوا من الوحدة ومزقوا الحجاب وشاركوا النساء بالاعمال وواصلوهن فما هن إلا زهرة لابد من شمها لأنها خلقت لذلك”!!

    قرة العين عارية

    وفي مازندران التي هربت اليها مع الملا محمد علي البارفروشي “القدوس” عرف الناس فيها بقدومها إلى مدينتهم فهبوا هاجمين عليها، فأخرجوها مع صاحبها من الحمام عاريين، ليتم القاء القبض عليها، فتم ربط شعرها بذنب بغل جرها الى المحكمة التي صدرت حكمها عليها، بالموت فقتلت واحرق جثمانها وكان ذلك في شوال عام 1264 ـ 1847 م، ويقول العلامة الآلوسي في بغداد ان الذي لقبها بقوة العين هو السيد كاظم الرشتي في مراسلاته لها وقال انها قلدت الباب بعد الرشتي ثم خالفته في عدة اشياء منها التكاليف، فقيل انها كانت تقول برفع التكاليف بالكلية، ويضيف العلامة: وأنا لم أحس بشيء من ذلك، مع انها بقيت في بيتي ـ اي بيت الالوسي ـ شهرين وكم من بحث جرى بيني وبينها رفعت فيه التقية وقد رأيت فيها الفضل والكمال ما لم أره في كثير من الرجال وهي ذات عقل واستكانة ومزيد حياء ورصانة ”

    ولا يحفى ان اجتماعها بالالوسي كان قبل اظهار امرها واعلان دعوتها وتشير العلامة الالوسي في مصنفاته الى ان قرة العين قد قدمت الى العراق جمع بعض خواصها ونزلت في بيت الالوسي الذي رحب بها وحاورها وساجلها، ثم قفلت راجعة إلى بلادها بأمر السلطان عبد المجيد سلطان الدولة العثمانية، الذي وصلت إليه معلومات مفادها أن قرة العين تتصل ببعض العلماء سرا وجهرا وتروج لأفكار فيها شيء من “الزندقة” كما ذكرت ذلك مجلة ” المرشد” العدد الثاني السنة الثانية عام 1921 وكنت قد سمعت من بعض شيوخ العراق ممن عايشها وخصوصا البعض ممن كان قريبا منها عندما كانت في كربلاء أن قرة العين ادعت الوحي وان بضع وريقات مما كتبته بخط يدها قد جيء به إلى النجف بعد قتلها وقد اطلعت عليها في عام 1966 في مكتبة الإمام علي بن أبي طالب.

    محاولة اغتيال وقتل الباب

    لقد شهدت السنوات ما بين 1845 ـ 1870 العديد من الثورات والتمردات البابية بيد أن ايا منها لم يحقق سوى المزيد من النكسات للبهائيين وكان أبرزها محاولة اغتيال ناصر الدين شاه في عام 1268 هجرية ـ 1850 ميلادية، حيث استطاع الشاه التصدي للكمين الذي نصبه البهائيون فتم قتل جميع اعضاء الكمين، وانتقلت عمليات القتل والسحل والإبادة على المستوى العام، حيث تم تعقب البابية حتى خمدت نارهم وهدأت شرتهم، عندما وصل الأمر إلى الباب الذي كان حتى هذا الوقت قابعا في السجن في قلعة جهريق حيث طلب ناصر الدين شاه من والي تبريز ان يحصل على فتوى من العلماء بقتل الباب فخضع الوالي للأمر، فعقد مجلسا من العلماء واحضر الباب فسأله عما يوحى اليه فقرا عليهم بعض سور بيانه ، فامر الوالي بان يكتب ما قرأه، ثم انتقل الى حديث اخر ثم فاجأه بسؤال: هل يمحي الوحي من ذهن الموحى اليه ما اوحى به اليه ؟ فقال: لا، فقال الوالي : اتل لنا ما تلوته منذ ساعة، فأعاده وفيه تغيير وتبديل كثير ثم اختبروه بغير ذلك ثم تشاوروا فحكموا بقتله في صبيحة يوم الاثنين لثلاث ليال بقين من شهر شعبان 1270 هجرية ـ 1852 ميلادية، حيث افتى بقتله الملا محمد الحمقاني رئيس العلماء الشيخية. اخذوا الباب حافيا حتى إذا بلغوا به ميدلن “سرب ازخانه كوجك “وفيها من الجنة ثلاثة أفواج “طوابير” وبين هذه الطوابير حصلت المفاجأة “الصدفة” .

    صدفة تخلق فتنة

    عندما نتتبع حياة البهائيين، نجد انهم يعتمدون على الصدف في خلق هالات تحيط بأسمائهم وشخوصهم وليس ثمة صدفة اشد وضوحا من تلك التي حدثت اثناء تنفيذ حكم الاعدام رميا بالرصاص بـ”الباب” حيث فوجئ الناس بعد ان تجلى الدخان المتصاعد من البنادق التي نفذت عمليات الرمي، بان “الباب” غير موجود في الموضع الذي تم ربطه به بواسطة حبل متدل من اعلى السقف وعندما هاج الناس، وماجوا وكاد الامر يصل الى الانفجار، لو لم يسارع الجند الى البحث عن “الباب” في اقبية القلعة ودهاليزها حيث تم القبض عليه وإعادته الى مكان الذي كان فيه، وجلية الأمر أن الحبل الذي كان مربوطا به انقطع بفعل إحدى الإطلاقات التي أصابته.ويقول البابويين، ان جثة “الباب” قد تم نقلها إلى حيفا في فلسطين حيث أقيم له قبر في “قصر الباب” بسطح جبل الكرمل وتولى الأمر بعده ميرزا حسين علي بن ميرزا عباس الملقب بـ”البهاء”. فمن هو البهاء؟ وما هي قضية وموقعه بالنسبة للبهائيين؟… وما هي مكانته بالنسبة للآخرين من صهاينة ووهابيين وماسونيين وغيرهم..؟ هذا ما سنتناوله في الجزء الثاني من هذه الدراسة.