يبدو انه قد بات من الصعب ان لم يكن من المستحيل ان يرتفع صوت للعقل والموضوعية والمنطق والإنصاف الحقيقي وسط هذا الجنون الملتهب بعوامل وأحاجي وتبريرات وتسويفات بعضها زائف وغيرها كاذب ورغبة البعض من اللاعبين في العملية السياسية، في التعامل مع القضايا الخلافية بالقوة الدموية او بتكريس صيغ التباعد والتباغض وبناء أسس وقواعد اللاوطنية بكل المفاهيم الانفصالية والانعزالية وسرعان ما يوجه الاتهام للمرء المدرك والواعي بالتسفيه واللاقومية والانهزامية او بالشيفونية والتعصب الأعمى والكراهية او بالطائفية والصفوية وغير ذلك.
المطلوب الآن هو ان يكون الإنسان في العراق منطقيا، وواقعيا، وشجاعا ومخلصا، رغم كل الذي حصل ويحصل، فما عاد الأمر يحتمل أكثر مما يحصل الآن، فقد فتح البعض شبابيك وأبواب الوطن امام كل او بعض اولئك الذين يتربصون خارج الحدود الفرص.
قال احدهم.. في حوار جرى في إحدى القرى على الحدود السورية التركية، وقد مد بصره بعيدا، حيث تبدو مجاميع المقاتلين من كل الجنسيات الشرق أوسطيه مع بعض الأتراك والأوربيين والأمريكيين، واخرون من الصعب معرفة الجهة التي قدموا منها، موجها كلامه لشخص عراقي عاش بينهم لفترة، ثم عاد الى العراق بعد ان اتيحت له فرصة الخروج من تركيا ضمن وفد من المعارضة زار ايطاليا، ومن هناك استطاع الانفلات من الوفد والسفر الى الجزائر ومن الجزائر الى بغداد:
ـ هل تدري أننا على أحر من الجمر في وضعنا الراهن، فقد كنا نتصور، ان نظام بشار الأسد، لن يصمد أمامنا كل هذا الوقت، ولا يبدو الآن، انه سيسقط قريبا.. ومضى في حديثه:
ـ نظام الأسد ليس إلا الخطوة الأولى عن طريق شائك وطويل، لن ينتهي إلا وبغداد ” محررة ” تحت السيطرة الكاملة !!!
ويستمر المتحدث وهو قيادي من الخط الأول للمعارضة، فيقول بحسب رواية الراوي العراقي الذي هو الآن حر يرزق :
ـ تأكد من أننا لا نتاجر بالشعارات ولا بالأهداف المبالغ بها، أننا واقعيون إسلاميون،، ولذلك قلت لك أننا لن نتوقف الا في بغداد وعليك ان تصدق ذلك !!
ويمضي الراوي في روايته فيقول :
يتقاضى كل مقاتل في المعارضة في الحد الأدنى ” 600 ” دولار وصور القتلى تباع على ذويهم وكذلك صور المعتقلين ويتواجد بين كتائب المعارضة عدد كبير جدا من الأتراك المدربين تدريبا عاليا، كما توجد لديهم احدث الأسلحة ويقول : ان تأسيس المعارضة يقوم على خطة معدة بعناية، تستهدف استنزاف قوات النظام السوري القائم، ثم الإجهاز عليها باقتحام مقرات التحكم والسيطرة لقوات بشار الأسد.
ـ ولكن ماذا بعد الوصول الى الإطاحة بنظام الأسد؟
*لاتبقى غير خطوتين:
الأولى: تحرير بغداد وإعلان انفصال محافظات “الانبار، صلاح الدين، الموصل، ديالى، بغداد”.
الثانية : إعلان الوحدة او الاتحاد الفيدرالي مع إقليم كردستان.
ـوماذا بشان سوريا..؟
*وستكون سوريا بثلاثة أقاليم وربما أربعة، وبالنسبة لكردستان سوريا، يمكن أن تنظم إلى إقليم كردستان الجنوبية لتحقيق الاطلالة البحرية المطلوبة للدولة الكردية القادمة، ذلك واحد من السيناريوهات المطروحة الآن على بساط التنفيذ الفعلي بعد أن تمخضت عن مشاورات ومباحثات ومفاوضات شاركت فيها أنقرة والرياض وتل أبيب والدوحة وبعلم ودراية واشنطن وباريس جرت في غضون الأشهر الماضية، بعد ان أيقن هذا المحور من صلابة موقف النظام في العراق من خلال صلابة وقوة المناخ الديمقراطي الذي فتح الأبواب على مصاريعها أمام الشعب العراقي ليمارس دوره في العملية السياسية في تجربة ناجحة أثبتت نضجها وقدرتها على الصمود والتصدي رغم أن عملية التخلص من آثار الماضي وهوى النفوس وضعف التربية الأخلاقية وحداثة التجربة أسهمت في خلق الكثير من الازمات، والمآزق التي كلفت الكثير من الجهد والوقت واعطت القوى المضادة فرصة الطعن من الخلف وخلق المشاكل وإنتاج المصاعب لفرض المتاهات والتأثير على ثقة الشعب بتجربته وبقدرته على ايجاد السلطة الممثلة له والمنفذة لما يريد والساعية الى بذل المزيد من الجهد على طريق تحقيق اماني واحلام الشعب في الحرية والكرامة.
في تناغم يثير الكثير من الشكوك اعلن ” الشيخ ” ضاري عزمه على تحقيق فصل غرب العراق فيما اسماه بـ ” اقليم غرب ” العراق ويأتي هذا الإعلان ليضع النقاط على الحروف في مسلسل تنفيذ المشروع الصهيوني لبناء دولته الحلم، إسرائيل من ” الفرات الى النيل ” لماذا ,,,؟مشروع فصل غرب العراق بدأ عمليا وفعليا، في عام 1991، عندما منح نظام صدام حسين وبغباء سياسي او هو نتيجة عمل مبيت، الفرصة لاميركا ان تتدخل لمنح شعبنا الكردي الحماية من عمليات الابادة الجماعية والتطهير العرقي ثم جاءت عملية غزو العراق، من قبل الولايات المتحدة الاميركية عام 2003، وكان مشروع بايدن باقامة ثلاثة دويلات، شيعيستان وسنستان وكردستان، ونتيجة الضغط المحلي في العراق وفي عموم المنطقة والعالمين العربي والإسلامي، تراجعت الولايات المتحدة الامريكية عن المشروع الذي اطرته منذ البداية باطار غير ” الملزم ” واذا حاولنا دراسة فكرة فصل غرب العراق عن وطنه الام.. نجد ان هذه الفكرة ليست من بنات افكار ” الشيخ ” ضاري وقبله عدنان الدليمي فهما اقل واتفه من ان يجرؤان على طرح هكذا فكرة، بل هما قالا ما امرا به، ذلك ان الفكرة قديمة تعود الى خمسينات القرن الماضي عندما طرحته اسرائيل ليكون الوطن البديل للاجئين الفلسطينيين، ثم طرحه المحافظون الجدد في عام 1998 حيث اكد المشروع على اهمية وضرورة تقسم العراق الى ثلاث دويلات تكون دويلة غرب العراق ملاذا ابديا للاجئين الفلسطينيين بيد ان هذه الفكرة جرى الاعتراض عليها من قبل اسرائيل، التي تراجعت تماما عن فكرة توطين اللاجئين الفلسطينيين في غرب العراق، بيد انها أيدت فكرة سلخ الغرب عن العراق، وفي هذا الاطار كتب الكاتب الاسرائيلي مقالة بعنوان “إستراتيجية إسرائيل” دعا فيها إلى تقسيم العراق على اساس عرقي وديني ومذهبي، مؤكدا أن العراق هو الخطر الأكبر بالنسبة لإسرائيل وان الوصول الى اهداف إسرائيل الكاملة يمر عبر التحطيم الكلي للعراق وقبل هذه الدراسة نشر الكاتب الاسرائيلي برناردلويس دراسة دعا فيها الى تقسيم الوطن العربي وبشكل خاص العراق.
ان انقسام الرأي في اسرائيل، بين مؤيد لمشروع شارون الذي أطلق عليه اسم “الوطن البديل” والذي يقوم على اساس سلخ منطقة غرب العراق من العراق وجعلها وطنا بديلا للاجئين الفلسطينيين وبين رأي آخر لا يؤيد هذه الفكرة باعتبارها تتعارض فكرة قيام “اسرائيل الكبرى ” من الفرات الى النيل وهذا ما اشار اليه الكاتب الاسرائيلي المعروف “ليزلي غيلب” في محاضرة القاها في جامعة الاسكندرية عام 2003 وبحضور رئيس الجامعة عبد اللاه وعدد كبير من اعضاء الحزب الوطني الحاكم في حينه، مؤكدا ان قيام ” اقليم ” في غرب العراق وفي اطار اتحاد كونفدرالي يحقق ما تنشده إسرائيل في وجود حالة استقرار في العراق ويمنع نمو التطرف الذي يهدد الامن الإسرائيلي وامن المنطقة ككل.. وقد تناولت الصحف الاسرائيلية هذا الموضوع بالبحث والتقييم طوال اكثر من ثمانين عاما بيد أنها ضاعفت من اهتمامها بهذا الموضوع منذ عام 2003 وتصاعد خلال السنوات القليلة الماضية، ويؤكد هذا الكاتب المصري الدكتور احمد سعيد تاج الدين في كتابه ” محنة امة ” ان إسرائيل طرحت فكرة تقسيم العراق منذ 1957 حين نشر الصحفي الهندي كرانجيا كتابا تضمن وثيقة سرية اسرائيلية تنص على إقامة “إسرائيل الكبرى” من الفرات الى النيل وتقضي الخطة كذلك بتقسيم سوريا الى ثلاث دويلات “درزيه، وعلوية، وعربية سنية” وتقسيم لبنان الى دولتين “مارونية وشيعية” وفي كتاب اصدره المؤلفان الامريكيان ادوارد جوزيف ومايكل اوهائيون تفصيلات اكثر واوضح اطلقا اسم “التقسيم السلس” على المشروع الاسرائيلي لتقسيم العراق حيث اشارا الى ان موضوع تقسيم العراق لم يعد طرحا نظريا بل اصبح الآن القضية المفضلة لتيار واسع من السياسيين الإسرائيليين وكذلك الأمريكيين، بل ان المعلومات المخابراتية المتسربة من اسرائيل وبعض المحافل الأميركية تشير الى عملية التقسيم تتجاوز الان الصيغ التقليدية التي طرحت من قبل اسرائيل وفق الخطة الوثيقة التي فضحها “كرانجيا” الصحفي الهندي عام 1957 او مشروع بايدن او المشاريع الأخرى التي تحدث عنها كتاب وصحفيون إسرائيليون.. التقسيم الجديد ينهض على فكرة التقسيم العرقي والمذهبي والديني بشكل كامل.. وبذلك يكون العراق مجزأً الى تسع وليس ثلاث دويلات وعلى النحو التالي:
1 ـ اقليم اربيل ويشمل “سليمانية واربيل ودهوك”
2 ـ اقليم الموصل
3 ـ اقليم كركوك
4 ـ اقليم سهل نينوى
5 ـ اقليم الانبار وهو الاقليم “السوبر” بالنسبة لإسرائيل.
6 ـ إقليم الفرات الأوسط ويشمل “الحلة ، الديوانية، والسماوة”
7 ـ اقليم النجف ويشمل كربلاء
8 ـ اقليم الجنوب ويضم ” البصرة وميسان وذي قار”.
9 ـ اقليم بغداد ويضم ” ديالى والكوت ”
بهذه الصيغة، تكون اسرائيل مطمئنة وواثقة من ان مشروعها التاريخي ماض بالاتجاه الصحيح.. وهذا ما يجسده قول لوزير اسرائيلي سابق ” افي ديختر ” بقوله ” ان العراق يتلاشى كقوة عسكرية وكبلد متحد وان تقسيمه عن طريق تكريس التجزءة تشكل اهمية ستراتيجية غاية في الاهمية للامن الصهيوني ويضيف الى ذلك قائلا “المعادلة الحاكمة في حركتنا الاستراتيجية في البيئة العراقية تنطلق من مزيد من تقويض حزمة القدرات العربية في دولها الرئيسة من اجل تحقيق المزيد من الامن لاسرائيل تلك هي الحقيقة فلعبة الاقاليم، لعبة اسرائيلية قبل ان تكون اي شيء آخر”.
يقول احد كبار الإستراتيجيين الأميركيين في حوار لي معه: لا مصلحة لنا كاميركا في تقسيم العراق بل على العكس نحن ننتظر من العراق بعد ان دشن مرحلة الديمقراطية ان يلعب دورا بالغ الأهمية في ترسيخ الديمقراطية في المنطقة من خلال النموذج الذي نتابع تطوره في العراق.. ويتساءل.. ما المصلحة في تقسيم العراق..؟ ويجيب : لاشيء طبعا.. التنوع والتعدد الاثني والقومي والديني والمذهبي والسياسي ليس مبررا للتقسيم فنحن في اميركا لدينا تعددية ولدينا تنوع ومع ذلك فنحن وطن واحد وشعب واحد وحكومة مركزية اتحادية واحدة.. وكذلك الحال بالنسبة للعراق ويضيف : هناك جهات اقليمية لها مصلحة في ذلك وهذا ندركه تماما ونعي وجوده ونحن نقف ضده لاننا لا نجد سببا وجيها للقبول بفكرة التقسيم.. نعم علينا ان نعترف بان صدام حسين فتح الابواب امام هكذا افكار، نتيجة اساليبه التعسفية ومحاولاته الاجرامية، في مجال التطهير العرقي والمذهبي والديني ولكن مع ذلك، لحسن الحظ ان سياسة صدام التخريبية لم تجد لها التربة الصالحة “.
الان ثمة من يحاول أن يكمل ما بدأه الزمن الصدامي الرديء، هناك جهود تبذل مدعومة من جهات إقليمية معروفة، تحاول الخروج من الأوضاع الراهنة بترتيبات تتماشى مع ما تريده إسرائيل على وجه التحديد.
يحدثني احد الدبلوماسيين العرب رفض ذكر اسمه: انه اتيحت له فرصة الاطلاع تفصيليا على عرض سوري نقل الى اسرائيل بواسطة طرف ثالث، جاء فيه ان النظام في سوريا مستعد لعقد صفقة مع إسرائيل يطبع بها علاقاته معها مقابل ان تسعى إسرائيل إلى منع حلفائها وأصدقائها في المنطقة من مد المعارضة بالأسلحة ومنع تدفق المتطوعين والمرتزقة، فكان رد اسرائيل رفض العرض قائلين وبالحرف الواحد ” لسنا بحاجة الى تطبيع علاقاتكم وحتى اعترافكم بنا” ولقد تأخرتم كثيرا!!
ذلك هو الموقف الآن، موقف باتجاه ضياع السياسة والاستقلال وفرص النهوض والتقدم تحت ظل النهب والاحتواء والهيمنة فاسرائيل لها مصلحة في التفتيت والتقسيم لسببين:
الاول : تاريخي، وهو المشروع الاسرائيلي التاريخي بقيام اسرائيل الكبرى، وهذا لن يتحقق إلا اذا أصبحت الامة العربية والاسلامية غير قادرة على الوقوف بوجه هذا المشروع.
الثاني : الهيمنة والسيطرة على منابع النفط والغاز والعمل على مد انابيب النفط والغاز عبر البحر وعن طريق تركيا بعد ان رفضت الاردن ذلك ما يجري الان في سوريا وما يحصل من ترتيبات وتخطيطات سرية ومشاورات وجولات مكوكية تستهدف اولا وآخرا الوصول الى طبخة تطيح بالوضع القائم في العراق وتسدل الستار على اية امكانية في الابقاء على العراق، بلد واحد قادر على حماية سيادة وحدة أراضيه.
ولعل ما حصل في غزة يفصح عن جزء من المخطط فقد عادت العلاقات التركية الإسرائيلية على افضل وأحسن ما تكون، وفي ذلك تأكيد لتكهنات وتوقعات من ان ما حصل بين تركيا وإسرائيل ابتدأ من حادثة باخرة المساعدات المفتعلة لم يكن الا سيناريو كاذب اريد به تضليل الراي العام العربي وارسال رسائل للعرب مفادها ان تركيا مخلصة في ” عثمنتها ” وانها الساعية الجادة لاعادة حقوق العرب المهضومة في فلسطين !!!
ومن لم يكن الهدف من كل ذلك، الا ما يحصل الان في سوريا وما سيحصل في العراق مستقبلا ان افلحوا في ذلك .