الإبداع سمة إنسانية يُفترض ألا تفرّق في خطها العام بين ذكر وأنثى، إلا أن الواقع فرض معطياته على مختلف الإنتاجات الإبداعية بما فيها الأعمال الدرامية، فباتت تُقدم مسلسلات تدلّ عناوينها على أنها أعمال درامية «نسائية» (نساء من هذا الزمن، طوق البنات، حائرات، صبايا، زنود الست، قلم حمرة، بنات العيلة…) وكأنها تُجتزأ من حركة النتاج الدرامي العام للدلالة على أنها أعمال تحمل في طياتها مواضيع وطروح تمس المرأة في شكل أو في آخر ما يعكس تحقيقها خرق في معادلة كان مسلَّماً بها قبل فترة، وتمثَّل هذا الخرق في إزاحة الأعمال الدرامية الذكورية عن عرشها وتكريس دراما أخرى لها طابع أنثوي. تطرح قضايا المرأة بعمق لتكون فيها الأنثى هي البطلة ومحور الأحداث.
والسؤال؟ لماذا هذا التوجه نحو الدراما الأنثوية؟
هل تتجه الدراما حقاً إلى كسر تابو الذكورية في المسلسلات الدرامية؟
أنصار طرح مشاكل المرأة في الدراما
يعتقد المخرج المخضرم علاء الدين كوكش بدور المرأة وأهمية تقديمها بالصورة اللائقة عبر الأعمال الدرامية، فقدم أعمالاً بالأبيض والأسود لا تنسى، كان للمرأة فيها دور بارز، ومسلسلات حاكت المشاكل والهموم التي تتعرض لها المرأة موضحاً المكانة التي وصلت إليها ومستوى الوعي الذي كانت تتمتع به وانعكاس ذلك على المجتمع، ومنها مسلسلا «البيوت أسرار» و «أمانة في أعناقكم».
ولكن لدى الحديث عن واقع المرأة في الدراما بصورة عامة وإن كانت تُقدّم في إطار صحيح، يقول: «أنا من أنصار طرح مشاكل المرأة في الدراما لما لها من تأثير في مجتمعنا، ولكن مما لا شك فيه أننا لا نزال مقصرين في إنجاز الأعمال التي تتعلق بقضايا المرأة، لأن مجمل الأعمال التي قدمت عنها لا تزال قليلة إذا قارناها بما ينتج من أعمال درامية عموماً».
الأعمال النسائية تخترق الخطوط الحمراء
تحدّث سمير حسين مخرج مسلسل «حائرات» الذي قدّم حال المرأة وسط الأزمة السورية الحالية، عن سبب تسمية عمله بعنوان أنثوي وكيف عمل على ترجمته على أرض الواقع، يقول: «اخترنا تسمية «حائرات» لأن هناك حيرة ضمن هذه الأزمة التي نعيشها، حتى في مجتمع فيه استقرار ستجد أن الحيرة قائمة.
فكيف النساء اللواتي يتحركن ضمن ظرف وأزمة خطيرة جداً، فكم سيرتفع مستوى الحيرة لديهن في مرحلة المخاض أثناء محاولتهن البحث عن هدف، ربما يكون ثمنه صعباً عليهن، وبالمحصلة هو عمل نسائي بامتياز».
ولو كان يشترط في العمل النسائي أن يكون مخرجه أو كاتبه أنثى يقول: «لست مع هذا الكلام، لأنه قد تأتي كاتبة وتقدم ما له علاقة بعالم الرجال ويكون حقيقياً جداً.
وبالتالي أفضل القول أننا نقدم عملاً عن المرأة من وجهة نظر رجل، كما أن الكاتب يفهم المرأة من زاويته».
ولكن غالباً ما اقترنت الأعمال النسائية بمواضيع تخترق الخطوط الحمراء وتكسر المحرمات الإجتماعية، بحيث تتناول المسكوت عنه بجرأة إن كان على صعيد النص أو الرؤية الإخراجية.
لدينا الكثير من الأمور المخبأة
سبق أن تعاملت المخرجة سهير سرميني في أعمالها السابقة مع كاتبات مثل رانيا بيطار، سهى مصطفى، ديانا فارس. عن إصرارها على التعامل مع كاتبة أنثى تقول:
«ربما كانت في البداية مقصودة، لكنها تحوّلت في ما بعد إلى صدفة، لكنني سعيدة بهذه التجارب فقد كان هناك عمل على التفاصيل وتحقق توافق كبير بيني وبينهن».وحول العمل الدرامي النسائي الذي تفضّله تقول: «أحب الأعمال الإجتماعية التي لها علاقة بحياة المرأة والمشاكل التي تعانيها ولكن بعيداً من الاستعراض، لا أحبّذ الأعمال التي لها علاقة باستعراض الفتيات وملابسهن، فهي تكون مسلسلات ابنة ساعتها ولا تترك أثراً عند الناس، ولو كان لها جمهورها.
ويتحدث أحمد حامد كاتب «طوق البنات» عن الدوافع وراء تسمية العمل بعنوان انثوي مؤكداً أن الأمر لم يكن مردّه عامل التسويق وليس بدافع الخضوع لموضة درامية تحاول الشركات الإنتاجية إدراجها، ويقول: «من خلال عملي في هذا المجال لم أتقصد تقديم عمل نسائي بالمطلق، ولا عمل ذكوري بالمطلق، وقد تكون هناك بعض الأعمال التي قدمت الجانب النسائي في شكل أكبر لأن الحكاية تتطلب هذا الأمر.
كما أن الإعلام في العموم كان يطالبنا بإظهار دور المرأة. واليوم كتبت عملاً من بطولة نسائية بالمطلق بعنوان «شهر من العمر» ليس لأنني من أنصار البطولة النسائية، إنما لأن الحكاية تتطلب ذلك.
وما دفعني إلى كتابته أن كثراً قد يحبون على زوجاتهم ويطلّقونهم ويتزوجون، وببساطة قد يخون أحدهم زوجته ويرمي أولاده في الشارع، فأردت القول أن المجتمع يبدأ من العائلة المتماسكة ومن ثم الحارة والحي فالمدينة والوطن بكامله».
نستعرض عالم المرأة ولا نغوص فيه
تحدّثت الفنانة رنا كرم التي سبق أن أدت شخصيات حملت كل منها طابعها الخاص في عالم المرأة، عن مدى قدرة النصوص الدرامية عموماً على الوصول إلى المشاهد بصدقية عالية، فقالت: «مما لا شك فيه أن النصوص التي استطاعت ملامسة عالم المرأة فعلاً هي قليلة، ففي بعض الأماكن تمّ الإقتراب من المرأة الموضوع من زاوية سياحية وعبر الذهاب باتجاه الاسم الرنان، بمعنى أننا نريد تناول مشكلة معينة فنستعرضها ولكن لا نغوص في عمقها وتفاصيلها وحيثياتها من الناحية الانسانية، بل نستعيض عن ذلك باستعراضها من الخارج فقط.
ليست هذه المرأة السورية…
قدم المخرج محمد زهير رجب في الموسم الدرامي الأخير مسلسلاً شامياً بعنوان «طوق البنات» وأعلن أخيراً نيته إنجاز جزئين جديدين له، ولكنه شدّد على أنه نأى بنفسه فيه عن صورة المرأة التقليدية التي قدمتها وكرستها العديد من المسلسلات الشامية وأساءت إلى المرأة من خلال إظهارها من زاوية واحدة ترضي غرور الذكورية لدى البعض.
عن الخرق الذي حققه مسلسله يقول: «أخذت المرأة الدمشقية حقها في «طوق البنات»، أما في الأعمال الأخرى فرأيتها عبارة عن «ست بيت» تنحصر مهماتها في الأعمال المنزلية والطبخ وتنتظر ابن عمها (زوجها) ليأتي إلى المنزل.