كثر الحديث عن مشروع ميناء مبارك الكويتي المجاور جدا للعراق والذي أن تحقق فأنه يضيق الخناق على المجرى المائي العراقي الذي يعد من المياه الضحلة, وبغض الطرف عن كل الحجج التي قيلت من قبل الجانب الكويتي والتي سمعنا بعضهم يتحدث بلغة السيادة تارة, وبلغة أنتفاع العراق من هذا المشروع تارة أخرى وهناك لغة ثالثة تستبطن عدم المصارحة بالحقيقة وتهرب الى الذرائعية التي لا تمتلك مستوى حديث البرهان الذي ينتج فكرا, ولا مستوى الخطابة التي تمر على مسامع المتلقين بشيء من المقبولية ولو الى حين, ولا حتى بمستوى الجدل الذي يتعب المتحاورين ,بل وجدنا أغلب ما قيل يذهب الى حصة المشاغبة التي تحرص على ألإثارة وتتهرب من مواجهة الواقع مما ينطبق عليها قوله تعالى “ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون” – البقرة – 42- والآية الكريمة وأن كانت تتحدث عن بني إسرائيل ألا أن معناها ينصرف الى كل سلوك يقع في خانة كتمان الحق ولبوس الباطل.

وكتمان الحق كان واضحا في حديث من تحدث عن ألأسباب والمبررات التي يتذرع بها الكويتيون لبناء ميناء مبارك الخلفي والذي يعرف جغرافية المنطقة جيدا وموقع الكويت على الواجهة البحرية الطويلة التي تتمتع بها الكويت على الخليج تأخذه الدهشة والاستغراب من إصرار الكويتيين على هذا المشروع “الفتنة” وفي هذا الظرف وفي هذا المكان بالذات.

أما من يتحدث عن السيادة فقد نسي حق الجوار, فالجوار حق في الشريعة ألإسلامية, وكان رسول الله “ص” يكثر من الوصية بالجار حتى ظن المسلمون أنه سيورثه وهناك مفهوم الشراكة في ألأرض, والمزارع, والسكن وقد جعلت الشريعة ألإسلامية حق الشريك بالشفعة عندما يريد الشريك ألآخر أن يبيع حصته, ثم أن حق الجوار مقدس في الشريعة ألإسلامية للأسباب ألآتية:-

1-  لتواصل المحبة والألفة بين الجيران والتي يراد لها أن تعم بين الناس.

2-  لتنظيم ألاجتماع ألإنساني ابتداء من ألأسرة, ثم ألأقرباء , ثم الجيران, ثم ألأصحاب, ثم العشيرة, ثم المجتمع.

3-  تفادي نشوب الخلافات من خلال حزمة تشريعات ملزمة.

وهكذا وجدنا مصطلحات مثل “الصاحب بالجنب” و “الجار ذي الجنب, والجار الجنب”.

وللجوار في الاسلام حقوق هي:-

1-  أن لا تضيق عليه بمنع ضوء الشمس أو الهواء من خلال بنائك الموازلة والمشرف عليه.

2-  أن لا تزعجه بصوت أو ضجيج أو صياح يؤثر على النائمين أو المرضى.

3-  أن تستأذنه في المبيع والشراء.

وفي القوانين الوضعية ولاسيما قوانين العقار وتنظيمه في كثير من الدول ومنها بعض الدول العربية مثل لبنان, فأنهم يوجبون على الجار أن يترك مسافة ثلاثة أمتار من كل جهة عن جاره كما يوجبون ذلك على الجار ألآخر حتى يتركوا فسحة للشمس والهواء بحيث يكون بين الجارين مسافة ستة أمتار من كل جانب بحيث لا يؤثر أحدهما على ألآخر, هذا طبعا في بناء الفلل التي مساحتها خمسمائة متر مربع ويشترطون على صاحب البناء أن يترك 60|0 من مساحة العقار فضاء وهو مما ينعكس فائدة على الجيران, هذا في بناء بيوت صغيرة فكيف بنا والحالة في الموانئ المتجاورة والضيقة, فأنه من المنطق مراعاة حق ألإبحار لكل جار بما يساعده على ممارسة حق الملاحة بحرية, وهنا من المناسب التذكير بمفهوم الحرية، تبدأ حرية الفرد عندما تنتهي حرية ألآخرين, ويبدو من طبيعة المنطقة الجغرافية وضيق المسالك البحرية فيها وحصة العراق في ألإطلالة على الخليج هي ألأخرى محدودة لا تتجاوز “70” كيلومترا , ومع مراعاة الظروف والمشاكل التي يعاني منها العراق لاسيما تلك التي تركها له من كان سببا في احتلال الكويت وإلحاق ألأذى بالشعبين العراقي والكويتي, وحاجة العراق لتنمية موارده البحرية بما يتناسب ونسبته السكانية وحاجات خطة التنمية والنهوض وهي أمور ليست كمالية وإنما تدخل في باب الضرورة القصوى, وعلى أخوة في الكويت أن يقدروا ذلك, ولا يتذرعوا بمقولات التنمية عندهم أو حق السيادة, فأن تنميتهم ليست متوقفة على مشروع ميناء مبارك الذي لا يعرف مدى جدواه ألاقتصادية, مثلما تعرف أضراره الحقيقية للملاحة في الجانب العراق بعد دخول السفن العملاقة والكبيرة في مجرى مائي ضيق وضحل مما سيكون مثارا لمشكلات نحن في غنى عنها.

ونحن هنا نذكر المسؤولين العراقيين بضرورة التنسيق فيما بينهم والحرص على أن يكون موقفهم واحدا موحدا في القضايا الداخلية والخارجية حتى لا يكشفوا عورات الدولة العراقية أمام ألآخرين وما ترتب على ذلك من تقصير وطني قد يصل الى حد الخيانة التي لا نريدها لأحد من المسؤولين أو المواطنين على حد سواء،

كما نوصي وسائل ألإعلام أن يتوخوا الدقة وحسن ألاختيار في استضافة المتحدثين عن الشؤون السياسية والاقتصادية وألاجتماعية وألامنية والثقافية, أن يكونوا من أهل الخبرة والكفاءة المشهود لها لأننا بذلك نكون قد وفرنا على بلدنا مزيدا من ألافتخار والظهور بمظهر متحضر يتواصل مع العالم الخارجي بعقلية واعية متفهمة لما يجري حولها وما يجري داخلها, مما يجعل ألآخرين يحترموا العقل العراقي وهذا ينعكس على احترام الدولة العراقية وحكومتها وتلك نتيجة تحرص عليها الدول الديمقراطية التي وصلت الى فضاءات التحضر وسحر الحياة.

التعليقات معطلة