عرفت العرب قديما المرادفة الكاملة بين ان يكون العربي رجلا فحلا وان يكون قاطع طريق. وظلت هذه المرادفة متسلطة على العقل العربي منذ العصور التي سميت بعد ظهور الإسلام بـ(العصور الجاهلية)، مرورا بالغزوات المتكررة والفتوحات التي حملت (راية العرب) الى أقصى جغرافيا الأرض المعروفة آنذاك، الأمر الذي يفخر به حتى اليوم العروبيون على تنوع طروحاتهم، وصولا الى الظاهرة الأنموذج، والتي شهدها عراق ما بعد انعطافة 9/4 ومازلنا نعاني ذيولها حتى الساعة، الظاهرة التي تمثلت بما سموه( الحواسم) تيمنا باسم آخر معركة خاضها (بطل التحرير) المقبور.
فبعد ان انفجر غيظ الناس وأخذ بالتمادي، ربما بسبب أمضاء الحاجة الماسة، أو طلبا للاقتصاص والثأر من ممتلكات (السلطة)، حسب مستوى وعيهم البسيط، السلطة التي استحوذت على كل شيء ولم تترك للناس أي شيء، وبغض النظر عن كل ما قيل ويقال في تفسير تلك الظاهرة، بعد الانفجار ذاك راحت كل حقوق الدولة، التي هي في المحصلة النهائية، المال العام لا غير، نهبا لكل من يمد يده إليها، وبلغت الشراهة لدى الكثير مبلغا إجراميا متخصصا، إذا ما أخذنا بالحسبان ما فعله النظام المدفور من إطلاق سراح كل أرباب السوابق من عتاة المجرمين واللصوص وشذاذ الافاق، قبل اندحاره بزمن وجيز.
وبالنظر للفوضى التي ضربت أطنابها في طول البلاد وعرضها، والتي جاءت نتيجة لسياسات الحاكم المدني(بريمر) سيء الصيت، وبوحي من نظرية (توماس فريدمان) (الفوضى الخلاقة) وقد ألحقت سلسلة من الكوارث الامنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى النفسية بمعيشة العراقي اليومية، ومازال هذا العراقي، المغلوب على حظه، يكابد أضرارها، بالنظر لتلك الفوضى سيغدو واضحا لدينا حقيقة أننا لن ننتهي من ثقافة الغنيمة التي ما انفكت تشكل الدافع الأول في سلوك المواطن والمسؤول، إن لم نخضع جميعا الى سلطة قانون، يعضده الدستور وتقيمه وتحميه حكومة قوية بأذرع أمنية خالصة الولاء للوطن وحده دون غيره.
يعرف جميع العراقيين الأوضاع المربكة والمعقدة التي عاشتها كل الأجهزة الوليدة للحكومات العراقية، مثلما يعرفون ما أكتنف التشكيل الجديد والهيكلة الجديدة لمفاصل الدولة والحكومة على حد سواء من مشكلات جمة كان لنظام المحاصصة الحظ الأوفر في خلقها، حتى غدا هيكل الحكومة وما يندرج تحت لوائها أشبه بـ(شركة مساهمة) مؤسسيها والمساهمين المستفيدين الوحيدين من عوائدها ليس بينهم قطعا اي مواطن عراقي يبات جائعا ومن دون مأوى ويعايش الرعب كل ساعات يومه بفعل الإرهاب وغيره.
العراقي ابن اليوم، حديث عهد بكل ما يحدث أمامه من ألاعيب وأساليب (ديمقراطية) سواء كانت شرعية ام بهلوانية، ولم يكن قد عاش زمن الثلاثينيات من القرن الماضي، مثلما عاشها آبائه، صعودا حتى اللحظة المجهضة للمشروع الديمقراطي العراقي، لحظة التغيير العسكري في 14/تموز/1958.
وكانت التعددية الحزبية في ذروة ازدهارها، ايام العهد الملكي، يحكمها قانون اجازة الأحزاب التي تفهم سياقات عملها نخب سياسية متمرسة، بغض النظر عن مدى انتمائها الوطني وعلاقاتها مع بعضها البعض أو مع الجهات والتيارات الأخرى. ولما يحين موعد الدورة الانتخابية الجديدة تهب الأحزاب والتيارات والكتل جميعها ، بعد ان تكون قد هيأت نفسها لخوض تلك الانتخابات، لبث دعاياتها الانتخابية عبر الوسائل الإعلامية المتاحة على شحتها، من اجل كسب أقصى ما يمكن من أصوات الناخبين، وعادة ما يكون موضوع تلك الدعايات الانتخابية توفير أقصى ما يمكن من الخدمات التي تمس حياة المواطن في الصميم.
كما ان الأحزاب والتيارات المختلفة كانت تعي تماما أصول الدعاية الانتخابية وتقوم بنشاطها على وفق التعليمات والضوابط الرسمية المعمول بها، على العكس مما حدث لدينا في الدورات الانتخابية التي جرت عندنا ، من عشوائية واعتباطية وفجاجة وانعدام شرعية في بعض الحالات عند ممارسة الدعاية الانتخابية.
وعلى ذكر موضوعة الدعاية الانتخابية وافتراقها عن تطبيقات الواقع ، حكى لي شيخ طاعن جمعني وإياه تخت في إحدى مقاهي بغداد، قال: كنا ايام الأربعينيات نسكن في محلة من محلات الكرادة القديمة، وكانت البلد مثل قدر تفور بالدعاية الانتخابية، كل حزب يعد بإقامة جنة الله مكان محلاتنا المتهالكة الجائعة لأبسط حدود الخدمات، وكان عدد الذين يقرأون ويكتبون من الندرة في المحلة بحيث كنا نعتمد على الشاب(علوكي) ذي السبعة عشر ربيعا، وقد كان يجيد القراءة والكتابة ليقرأ لنا يوميا الجريدة ، وذلك اليوم كانت المقهى تغص بالرواد المتلهفين لسماع آخر أخبار الحملات الانتخابية بينما(علوكي) لم يشرف المقهى بعد بطلعته البهية.
وبينما يتعالى اللغط وتتعدد التكهنات، حظر(علوكي) فعم الصمت المكان، ناوله نادل المقهى جريدة ذلك اليوم، تناولها وقرأ بصوت اجتهد ان يسمع به الجميع مانشيتها الرئيس (الشعب يدعم قواه الوطنية)، ولم يكن من رواد المقهى الا ان هتفوا عن بكرة أبيهم وبغيظ واضح: (حيل، خلي يدعمهم ويلعن يوم الـسود العرفناهم بيه).