“والأرض وضعها للأنام” – الرحمن -10- الأرض اليوم هي بيتنا الأزرق في مفهوم علم الفضاء ، وهو يقع على الجانب الغربي من مجرة درب التبانة على مسافة أربعة آلاف سنة ضوئية . ” وان يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ”

ومن الحقائق التي تغيب عن أذهان الناس لاسيما عندما ينغمسون في السياسة هي العلاقة بين السماوات والأرض وخلق الناس . قال تعالى : “لخلق السماوات والأرض اكبر من خلق الناس “.

وهذه الإشارة هي للعلاقة الوجودية بين الناس وبين بقية مكونات الطبيعة على مستوياتها الأرضية والسماوية ” الكون ” قال تعالى :” قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لأنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ” وهذه هي الحتمية بين السماء والأرض ، والتي لا تفوقها حتمية أخرى .

والتلوث السياسي من ابرز مظاهره هو عدم قدرته على تشخيص هذه المعادلة الكونية التي تنتمي الى روح العلم . فالتفكير بانفصال الأرض عن السماء هو الخطأ المنهجي الأول الذي جر على البشرية كل أنواع التلوث السياسي الذي سنرى انه لم يسلم منه حتى من ادعى التدين او من عمل في بعض الأحزاب الدينية فضلا عن الأحزاب العلمانية التي غردت بعيدا عن شاطئ الإيمان ، واصطنعت لنفسها زورقا مثقوبا ، والزورق المثقوب لا يوصل للشاطئ ، ولا لبر الأمان الذي تتوق إليه النفس البشرية بالفطرة .

 فأول معالم التلوث السياسي هو :-

1-  ضياع معالم البوصلة بين السماء والأرض . ” قل ان جعل الله عليكم الليل سرمدا الى يوم القيامة من اله غير الله يأتيكم بضياء ” . وهو سؤال يلامس الفطرة ، ويدعو لمواجهة الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها . قال تعالى :” إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي قالوا أذناك ما منا من شهيد – فصلت – 47-

2-  الاعتزاز بالأنا والتفرد بالذات : وله أمثلة تاريخية : نمرود ، فرعون ، قارون ، قال تعالى :” ان قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ، واتيناه من الكنوز ما ان مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة إذ قال له قومه لا تفرح ان الله لا يحب الفرحين – القصص -76- هذا في المجتمعات غير العربية ، أما في المجتمع العربي القديم ، فكان المغيرة بن شعبة مثالا للذات الأنانية في غرورها وطغيانها قال تعالى :” ذرني ومن خلقت وحيدا – 11- وجعلت له مالا ممدودا -12- وبنين شهودا -13- ومهدت له تمهيدا -14- ثم يطمع ان أزيد- 15 – كلا انه كان لا يأتنا عنيدا -16- سأرهقه صعودا – 17- الرحمن .

3-  استعمال الوسائل التي تدعو الى الخداع وتمويه الواقع ، قال تعالى :” فخرج على قومه في زينته ، قال الذين يريدون الحياة الدنيا  ياليت لنا مثل ما أوتي قارون انه لذو حظ عظيم – القصص -79- ومثلما كان بالأمس يستعمل عشاق الدنيا من أرباب السلطة والجاه الذين كانوا سببا في التلوث السياسي ، يستعملون الزينة والتفاخر بالمظاهر في سبيل خداع عوام الناس لاسيما الذين يعشقون الحياة الدنيا بلونها المادي المغري باللذة والمتعة المؤقتة ، فإننا نرى اليوم كثيرا ممن يلوثون السياسة ، يتفاخرون بالمظاهر وهي على الشكل الأتي :-

ا‌-   قصور فخمة .

ب‌- مكاتب محصنة .

ت‌-  حمايات مدججة بالسلاح .

ث‌-  فضائيات خاصة بهم وتمجدهم .

ج‌- صحف ومجلات ناطقة بأسمائهم ومروجة لخطهم وزعاماتهم الوهمية 

ح‌- استثمارات متنوعة يستخدمون بها أصحاب الحاجة من الناس ، فينمون عندهم روح الاستصغار والتبعية .

خ‌- قوائم انتخابية قوامها المال ليسدون من خلالها طريق الاختيار السليم ويشوهون بها الديمقراطية واستقلالية القرار الشعبي .

د‌-    أحزاب بمسميات وطنية ودينية وشعارات مطنبة بالإغراءات الفارغة من الحقيقة ، وتجميع لإفراد يهمهم رغيف الخبز بأي ثمن دون ان يسألوا عن مصدره ، على طريقة الأنعام السائمة وراء علفها .

هذه هي أهم وسائل التلوث السياسي في فضاء الوطن الأرضي ” كوكب الأرض ” والتي تشترك فيها اليوم أجندات مختلفة تبدو متباينة متصارعة ولكنها في الحقيقة يجمعها خلاصة أعمالها وحقيقة توجهاتها ، فهي بالنتيجة كلها تؤدي الى فساد المناخ السياسي الأرض :” ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ” وفسادها ينعكس على منظومة البيئة والمناخ مثل :-

1-  تلوث المياه .

2-  جفاف التربة .

3-  التصحر .

4-  الاحتباس الحراري .

5-  استمطار السحب والتلاعب بالجينات  ” هندسة المناخ “.

وفسادها ينعكس على الاجتماع مثل :-

1-  تدمير منظومة القيم كما فعل النظام السابق في العراق .

2-  تدمير الأخلاق لأضعاف روح الشعائر .

3-  تفكيك روابط الأسرة والمجتمع .

4-  إضعاف الحواضن الأساسية : الوطن ، الأسرة ، المدرسة ، المجتمع ، الدين .

5-  إضعاف القوانين وتسويفها والتمرد عليها .

6-  إشاعة وترويج التزوير كرافع للعجز وطارد للكفاءة .

وفي العراق يتعرض الوطن والمواطن الى تلوث سياسي في المفهوم ، وفي العلاقات ، فالأحزاب متقاطعة ، ورؤساء الكتل والقوائم مختلفون في الثوابت ولا توجد قواسم مشتركة حقيقية تجمعهم ، والمعاني الحقيقية مثل الدين ، والوطن تتعرض الى تشويه متعمد ، والمعاني السياسية للديمقراطية والفدرالية والمركزية وإلا مركزية تتعرض الى سوء تطبيق متعمد ، والمثقف مغيب ، والجاهل والمحدود يجد فرصة كاذبة للظهور المؤدي الى الضياع .  

التعليقات معطلة