على ضوء مستجدات الساحة العراقية ومنها الأزمة الأخيرة التي عصفت بمواقف الكتل والقوائم، وما نجم عن سجالات وحوارات تعاملت معها بعض الفضائيات بروح وطنية مهنية، وتعاملت معها فضائيات اخرى بروح الانتهازية لتصعيد المواقف وإثارة الفتن التي اتخمت فيها الساحة العراقية في السنوات الماضية من الاحتلال وما قبلها.

فالقرارات القضائية يجتزأ إعلانها، والقرارات التنفيذية يساء فهمها، والمواقف التشريعية حشرت في مناخ لم يكن لصالحها.

ومن هنا لابد من الإشارة الى جملة من الالتباسات التي تجعل حديث الشارع مفرطا في الضياع وحديث القوائم والكتل ملتبسا مما يجعلنا نتذكر قول الشاعر:- 

بليت بأعور فازداد همي

               فكيف إذا بليت بأعورين

فالرؤية الناقصة يتحقق فيها شيء من العمى، وان لم يكن صاحبها أعمى.

وخداع البصر حقيقة فيزيائية تتغلب على الحالة الفسيولوجية نتيجة سوء الاستخدام أو الاستعجال المفرط “لا تحرك به لسانك لتعجل به…”.

ان الله تبارك وتعالى طلب من نبيه وهو نبي الرحمة المعروف بالحكمة وعظيم الخلق ان يتريث في مواطن ومواقع يستحق الحكم فيها التريث وانتظار أمر السماء.

وفي ذلك عبرة لنا في ان يكون التريث منهجا عقلانيا يمنحنا مزيدا من الوقت للتأمل والمراجعة قبل إصدار: “الأوامر والأحكام” التي ان خرجت للشارع لا ندري ماذا ستكون الانعكاسات وردود الأفعال لاسيما في أجواء غير مسيطر عليها إعلاميا، وفي مناخات حزبية لا تمتلك الحد الأدنى من التقارب والتفاهم، وفي جلسات برلمانية متخمة بالتشرذم، وتقابلها خانات وزارية ومجلسها الوزاري تجتمع فيه الأبدان وتختلف فيه القلوب.

ومشهد من هذا النوع لا يمنح البلد رؤية للمستقبل، ولا يؤهله لان يكون له دور يسجل في حساب الأدوار الدولية التي تمتلك رصيدا حقيقيا او افتراضيا في حركة الأحداث المتسارعة التي امتلكت جولات دبلوماسية مؤثرة مثلما امتلكت حركة البوارج والغواصات وحاملات السفن التي تكون مؤشرا ضاغطا يمتلكه من يحاور من موقع القوة على الأرض.

وبصيص الضوء الذي حمل ولادة مشروع عراقي في المصالحة السورية وهي الساحة المفترض ان يلعب ورقتها العراق لاعتبارات موضوعية هو أحق بها من غيره، والتي من خلالها يمكن ان يعود العراق لاعبا بحجمه التاريخي والسياسي والاقتصادي والجغرافي الذي لا يكون الخليج مغيبا عنه وهو البوابة الشمالية لصناعة الخليج الذي كان يوما يسمى ببحر العراق المتصل بالخضرة التي كانت تسمى بخضرة الآفاق، والتسمية لقائد تؤخذ عنه المصطلحات وتتفرع عنه المفردات اللغوية وتحتشد لديه خزائن القضاء والحكمة في السياسة والاجتماع ذلك هو علي بن أبي طالب عليه السلام.

هذا المشروع الوليد يخشى عليه اليوم من عدم إتمام الرضاعة مثلما يخشى على بقية المشاريع الواعدة بإخراج العراق من ظلامية الفصل السابع وكهوفه التي أصبحت مأوى السحرة والمشعوذين وكل المعطلين لفجر العراق المتوضئ لصلاة الحرية والعدالة والرخاء الذي طال انتظاره.

وعلى ضوء الاشتباكات الكلامية، والتصريحات المفرطة في المواقف غير المسؤولة، تظهر لنا حقيقة مفادها: عدم المعرفة بما يلي: 

1-  بالثقافة التنفيذية وهي مسؤولية الحكومة.

2-  وبالثقافة التشريعية وهي مسؤولية البرلمان.

فالثقافة التنفيذية: يعني ان للحكومة ضرورات تقدر بقدرها.

والثقافة التشريعية: يعني مسؤولية مجلس النواب الذي يمتلك الخيارات.

وثقافة الضرورات مفهوم ينحصر بالآتي:-

1-  الحالات الأمنية.

2-  حالات الطوارئ وهي كثيرة منها:

أ‌- الحروب

ب‌- الفيضانات

ت‌- الحرائق العامة التي تشكل خطرا كبيرا على الاقتصاد.

ث‌- انتشار الأوبئة المرضية.

ج‌- الجفاف المفاجئ

ح‌- الزلازل والبراكين وآثارهما المدمرة

وللحكومة ورئيسها حق اتخاذ التدابير الاحتياطية الواجبة بما منحه الدستور من صلاحيات، فالضرورة تقدر بقدرها هي مهمة العقول الراجحة ومن هنا تأتي الحاجة لبلورة أهمية البحث عن الكفاءة والخبرة وجعل انتخاباتنا هي المحطة التي نعتمدها في استحصال الجودة الانتخابية من خلال ثقافة الناخب والية الانتخاب التي لابد لها من مغادرة سلة القائمة التي أصبحت مصدرا لتجمعات حزبية معطلة للحياة السياسية لعدم كفاءتها.

وللبرلمان خياراته في التشريع والمراقبة، والخيار يحتاج الوقت مثلما يحتاج العقل والحكمة، وبنفس المفهوم نجد أنفسنا بحاجة الى مراجعة وطنية شاملة للحاضنة البرلمانية التي لها حق الخيار هل هي بالمستوى المطلوب لتحقيق مفهوم العمل بالخيار الوطني الذي يمنح المشرع خصوصية الخصوبة المعرفية التي تضع الأمور في سياق نصابها الوجودي حتى لا تختلط لديها نزعات الطائفية والعنصرية والحزبية والعشائرية وهي تتناول ملفات المؤسسات الحكومية او تواجه الأحداث التي يتعرض لها العراق، فتعطي للضرورة مفهومها وحقها مثلما تعطي للخيار مزيدا من الوقت والجهد العقلي حتى لا تتزاحم الضرورات مع الخيارات فتضيع بوصلة التنظيم وتحدث النزاعات التي هي مجلبة لكل شر ومحطة لكل احتراب.

ان مهمة النخب الثقافية ان تركز على إشاعة مفهوم ثقافة الضرورة التنفيذية ولمن هي، ومفهوم ثقافة الخيار التشريعي ولمن هو، وهذه المهمة المعرفية التي نجحت كثير من الدول على تجسيدها وتبنيها ولكنها ما زالت عندنا مغيبة لان إعلامنا ومؤسساتنا الثقافية مازالت مختطفة بالمحاصصة تارة، وبالمال المتوحش والذي لا تعرف هويته تارة أخرى.

التعليقات معطلة