الخطاب السياسي يحتاج إلى دراية وإلمام بمفردات اللغة ومدلولاتها مثلما يحتاج إلى معرفة المناخ السياحي للبلد، والمناخ الاجتماعي للمواطنين.
أما مدلولات اللغة فنترك الحديث عنها لطبيعتها الاختصاصية العميقة، ولكن يكفي ان نشير إلى ان الألفاظ المستعملة في اي حديث او خطاب تترجم لدى السامع والمتلقي بمعان قد لا يقصدها المتحدث، وعندما لا يلتفت المتحدث إلى هذه الظاهرة يجلب لنفسه ولمن يقف معه من أسرة واصدقاء وحزب وعشيرة إحراجا من خلال إفرازات ما يلي:
1- عتاب
2- لوم
3- سوء الظن
4- خصومة
وتتجمع هذه الإفرازات وتتراكم لتصنع مواقف يصعب التعامل معها او السيطرة عليها.
وصعود وهبوط الأفراد على المستويات الاجتماعية والسياسية منوط بقدرة الأفراد على التحكم بالألفاظ ومفردات اللغة المستعملة ومن هنا جاءت الحكمة: “تكلموا تعرفوا والمرء مخبوء تحت لسانه”، ومن هنا يوظف قول لقمان الحكيم: “الصمت حكمة وقليل فاعلها”، والى هذا المعنى أشارت الآية القرآنية: “كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون”، البقرة – 151-.
وأما معرفة المناخ السياسي للبلد والذي ينطوي على المظاهر التالية:
1- المستوى الناضج المتطور.
2- المستوى غير الناضج ولكنه منفتح على التطور.
3- المستوى غير الناضج وغير المنفتح على التطور.
ويعرف نضج المناخ السياسي من خلال:
1- نضج القاعدة الشعبية.
2- نضج مؤسسات الدولة وهي:
أ- برلمان فيه المعارضة والموالاة تعمل من خلال خطة للتشريع والمراقبة، وتجتهد في الرأي من خلال حاجة الوطن والمواطن لا من خلال املاءات الحزب الذي ينتمون اليه او ربما التأثر باملاءات خارجية كما يحدث عندنا.
ب- حكومة يجمعها مجلس وزراء متكافئ الحضور يعمل من اجل خدمة المواطن في قضايا: التعليم والصحة والخدمات والأمن، والاقتصاد والسياحة وتعزيز دور المواطن من خلال تقديم الاحتياجات واحترام رأيه.
ت- قضاء عادل وحازم لا يتأثر بالسلطات التنفيذية او التشريعية.
ث- هيئات ومؤسسات تعمل بروح الفريق الواحد وبهوية الوطن للجميع وتجسد تلك المصداقية بعملها الميداني اليومي.
وهناك مظاهر اخرى للمناخ السياسي قد تكون على النحو الآتي:
1- مناخ سياسي معتدل ومتوازن.
2- مناخ سياسي متطرف وغير متوازن.
ومن يعمل في الميدان السياسي عليه ان يكون قادرا على تشخيص مستويات ومظاهر المناخ السياسي وبدون هذا التشخيص لا يتسنى له مواكبة الحركة السياسية في الداخل ولا في الخارج، ومن هنا تبدأ صناعة الالغام في الخطاب السياسي والتي تحدث تفجيرات مفاجئة تؤدي الى تشظي المواقف التي بدورها تصنع الانقسامات المصحوبة بغيوم الفتنة وزلازلها المرعبة.
ولا نريد ان نفاجئ جمهور القاعدة الشعبية صاحب المصلحة الاولى في معرفة إبحار سفن المشاريع السياسية التي كثرت مناوراتها وقلت فوائدها عندما نقول ان المستوى السياسي العراقي اليوم يتصف بما يلي:
1- مناخ سياسي غير ناضج ولكنه منفتح على التطور، اما لماذا عدم نضجه فأسبابه كثيرة منها:
أ- كثرة المواقف الملتبسة.
ب- كثرة التصريحات المتناقضة.
ت- كثرة الشعارات وغياب التطبيقات.
ث- كثرة المتحدثين وغياب المنظرين والمخططين.
ج- كثرة الادعاءات تكشف فراغ المحتوى والمضمون.
أما الانفتاح على التطور فهي نقطة الضوء التي تبشر بالأمل بالمستقبل وأسبابها:
1- وجود الدستور رغم ثغراته التي يمكن معالجتها.
2- تأسيس ظاهرة الانتخابات في الحياة السياسية العراقية رغم شوائبها التي يمكن تجاوزها بتحسين الأداء وتطوير التجربة.
والمظهر الآخر للمناخ السياسي العراقي فهو:
“مناخ سياسي متطرف وغير متوازن”.
وأسباب التطرف في المناخ السياسي العراقي مايلي :-
1- كثرة وجود المليشيات.
2- وجود احزاب لم تتخلص بعد من ثقافة التطرف وهي:
أ- تقديس الأفراد.
ب- تمجيد الحالة الحزبية على علاتها وشوائبها.
ت- النظر للأمور من خلال المصلحة الفئوية.
ث- التعامل مع الدولة على أنها مغنم.
وأسباب عدم التوازن هي:
1- عدم وجود ثقافة حكم مدني منفتح على الآخر.
2- عدم وجود ثقافة عمل سياسي واجتماعي يؤسس لفكرة المواطن الانسان الذي يشكل مشروع عالمية الاجتماع الإنساني وليس فئوية الانتماء.
فالتوازن يأتي في الجسم البشري من الرأس، كذلك يأتي توازن المناخ السياسي من الفكر، فعندما لا يكون الفكر متوازنا لا يكون المناخ السياسي متوازنا.
وعندما لا يكون الفكر المستعمل في الخطاب السياسي متوازنا تكون الألغام هي النتيجة المتوقعة للتفجير والاهتزاز.
والمتتبع لمفردات الخطاب السياسي لعدد غير قليل من الذين انتسبوا لحاضنات سياسية ولم يكونوا سياسيين بالمعنى الاصطلاحي للكلمة هم السبب الرئيس في هذا التطرف وهم السبب الرئيس في فقدان التوازن الذي تتعرض له العملية السياسية والتي نشهد تفتت وتشظي بعض أطرافها وهذه الظاهرة تنتظر أطرافا أخرى.
Alitamimi5@yahoo.com