عندما أفضت الخلافة إلى (عمر بن عبدالعزيز) وجاءته الوفود لتبايعه، كان من بين تلك الوفود صبياً أراد أن يتكلم، فقال له الخليفة: (ليتكلم من هو أسن منك)، أي أكبر منك عمرا، فرد عليه الصبي قائلا: (والله يا أمير المؤمنين لو كنت كما تقول، لكان في مجلسنا من هو أحق منك بالخلافة) صمت (عمر)  قليلاً وقال مخاطبا إياه: (كم لك من العمر يا غلام؟) قال: (أثنى عشر عاما) فقال له الخليفة: عضني (أي انصحني)، قال الغلام بما معناه: نحن آمنّا بك في بيوتنا، لا خوفا ورهبة منك، فكثير من الناس من يغرهم الثناء، فلا تكن ممّن يغرهم الثناء فتزل قدمك.!

  مفتتح هذه الحكاية-الدرس التأريخي البليغ في مقدار الثقة والسماع الى النصح، بما لا يقلل من شأن ومهابة المنصوح، يفضي الى طريق الفهم والتحاور والاستناد إلى ظهر الحكمة، كمسعى وتعزيز لقيمة الإنسان أي كان وزنه وثقله، فالإطراء والمديح طريقة سالكة ومعبدة لإفساد المواهب وخلق الوهم ونزعات التكبر والعجرفة، كما أن الذم أو عدم التشجيع و الإثابة المعنوية يضر -كثيرا- بها، فالإشادة والاهتمام وقدرة التأشير الصحيح بعيدا عن نوازع الباطنية والأنانية في توجيه النقد وتشخيص الهنات والأخطاء أن تتطلب ذلك يعزز  طبيعة العلاقة بين الأطراف.

ومن أبرز مقومات ما تعلمنا من دورة أقامتها (منظمة اليونيسيف في بغداد) لعدد من الكتاب والصحفيين والمخرجين منتصف تسعينات القرن الماضي في مجال كتابة (السيناريو) حكمة ذهبية ترى بعد مشاهدة أي عمل درامي أو رسالة تلفزيونية أو أي انجاز فني، أن تبدأ من نقطة ايجابية حتى ولو كانت شكلية تمدح أو تقيم فيها جانبا من ذلك المنجز، كأن تشيد بفستان الممثلة أو سيارة الممثل أو أن تعجب بلوحة معلقة على جدار في ذلك المشهد مثلا، ومن ثم تقوم بنقد العمل والخوض في تفاصيل ما تريد الوصول اليها، شريطة تناوله بلغة علمية تحترم سياقات العمل ومرامي التقويم، ففي ذلك احتكام وتقدير جهد فريق كامل من العاملين والفنيين، لا يمكن ان يخطئوا كلهم في مسك خيوط  ذلك الجهد الإنساني عبر ما يوصل نتائج المدح وتدعيم التشجيع امام ايضاح نقاط الضعف والخلل بغية تجاوز مستقلا. 

   أقول الآن -وبعد مضي كل هذه السنوات المريرة بصدق وثبات أهمية ذلك الدرس وتلك الحكمة الذهبية الراسخة في قيعان دماغي المتواضع، أني أطلعت على دراسة علمية تفيد بوجود (180) مركزا في دماغ الإنسان يستقبل المدح مقابل(4) مراكز – فقط- تستقبل الذم أو النقد، وبما أعاد الى ذهني حقيقة الاعتراف – مجدد- بصدق ونبوءة حكمة عربية تصر وتعلن جهارا -وبالقلم العريض- بأن: (امدح علنا … وذم سرا) .  

التعليقات معطلة