في العراق اليوم تظاهرات للمشاغبة, والتظاهرة عمل سياسي مطلبي, والمطالب السياسية تقوم على رؤية معرفية, وللمعرفة منهج في الوصول للحق, والمطالبة بالحقوق لا تمتلك الحضور المعرفي ما لم تكن منطلقة من اليقين بتلك الحقوق, واليقين اصطلاح معرفي يقوم على تحقق البرهان, والبرهان يقوم على الاسس التالية :-

1- الأوليات

2- التجريبيات

3- المحسوسات

4- الحدسيات

5- المتواترات

6- الفطريات

وهناك مبادئ استدلال أخرى للتصديق بأي قضية مطروحة للبحث مثل قضية التظاهرات الاحتجاجية في المنطقة الغربية من العراق, والتي اتخذت لنفسها إصرارا على موقف لا تشاركها فيها بقية محافظات العراق ولاسيما محافظات الوسط والجنوب التي عرفت بتضحياتها ضد التهميش والظلم والجبروت وعضت على جراحها بعد 2003 ولم تطالب بالثار ممن كانوا سببا في محنتها , وقد اعترف بذلك الشيخ الدكتور احمد الكبيسي من على منبر مسجد الإمام أبي حنيفة النعمان “رض ” بعد سقوط نظام صدام حسين, واليوم يحلو للبعض تناسي الواقع الموضوعي, وقلب الحقائق والإكثار من التشهير والتزوير والكذب حتى أصبحت تظاهرات الانبار وصلاح الدين لاسيما ما يجري في سامراء, وتظاهرات الموصل وبعض مناطق ديالى والتي يسلط عليها الأضواء من قبل فضائيات عرفت بالتحريض والفتنة, وبعد ان دخلت هذه التظاهرات شهرها الرابع وهي في حالة من التلاعب في الخطاب مما يجعل المراقب برؤية معرفية لما يجري ويقال في هذه التظاهرات من حماسة مفتعلة, ومطالب فيها من التدليس الشيء الكثير, اذ كيف يعقل ان يبادر البعض للاعتراض على عقوبة القصاص من القتلة الإرهابيين الوهابيين الذين لا يحتاجون الى البحث عن أدلة تدينهم وقد اعترفت القاعدة باسم جناحها ” وهو ما يسمى بدولة العراق الإسلامية ” اعترفت بتنفيذ جرائم التفجيرات والمفخخات والعبوات التي راح ضحيتها عشرات بل مئات وألوف العراقيين الأبرياء, والاعتراف سيد الأدلة كما يقال في القانون الوضعي, والشرعي “بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ” .

وهناك أدلة أخرى غير أدلة البرهان “اليقين ” يذكرها مؤسس حزب الدعوة الإسلامية ,فيلسوف القرن العشرين, مكتشف نظرية التوالد الذاتي لتفسير المعرفة البشرية السيد الشهيد محمد باقر الصدر في كتابه “الأسس المنطقية للاستقراء – ص 378 – ” ومن تلك الأسس هي :-

1- اليقينات الستة التي ذكرناها أعلاه .

2- المظنونات

3- المشهورات

4- المسلمات

5- المقبولات

6- الوهميات

7- المشبهات

ويقول الشهيد الفيلسوف الصدر: كل استدلال يعتمد فقط على “اليقينيات ” يسمى برهانا .

وكل استدلال يستخدم المشهورات والمسلمات يسمى “الجدل ” والقرآن الكريم يقول “ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ” فالجدل العقيم الذي يبتعد عن البرهان ويقينياته مرفوض وهذا ما يجري في تظاهرات الغربية وما يتعلق ويثار حولها من نقاش وسجال عقيم .

وكل استدلال يستخدم المظنونات والمقبولات فهو “خطابة ” والذين يتحدثون في تظاهرات الغربية لاسيما المعممون يمارسون منهج الخاطبة الخالي من منهج ” البرهان ” المنتج لليقين معرفيا .وكل استدلال يستخدم قضايا كاذبة يزورها ويقدمها بوصفها قضايا يقينية كما يفعل بعض المعممين لاسيما الذي يدعون صفة “الإفتاء ” ولا يبدو عليهم وعلى أحاديثهم صلة بمنهج وهوية “الإفتاء ” لان الإفتاء يكشف ولا يحرف, ويعظ ولا يحرض, ونتيجة تكاثر هذا المعنى وغلبة تلك الصفة على المتحدثين سواء في التظاهرات او في الفضائيات , لذلك أصبحت تلك التظاهرات تتصف “بالمشاغبة” والمشاغبة قال عنها أمام المتقيين ووصي رسول الله “ص” ” ويتلوه شاهد من نفسه ” الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الذي قال : ” إذا شغب شاغب عوتب, فان أبى قوتل ” وهذا النص لا اعتقد ان الشيخ رافع الرافعي ولو اجتمع معه كل من يحمل اسم الإفتاء ان يجدوا لهم مخرجا منه لا في الدنيا لوضوح بعدهم عن المنهج المعرفي وقوانينه العقلية, ولا في اليوم الآخر لثبوت الحجة ” دم المسلم وماله وعرضه حرام على أخيه المسلم الى يوم القيامة “, بالإضافة الى كثرة النصوص القرآنية التي تحرم الفرقة والاختلاف ” ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ” -105- آل عمران – “فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا “- 59- النساء – فهل رجع من يحرض المتظاهرين الى كتاب الله تعالى او راجع سنة رسول الله “ص” وكيف يتغاضى بعضهم عن وجود راية الإرهابيين الوهابيين في صفوف التظاهرات ويسكت عن ذلك, وهل وجود مثل هؤلاء وغيرهم من الذين لم يعرف منهجهم ” والورع هو الوقوف عند الشبهات ” الم تكن راية القاعدة وراية ما يسمى بالجيش الحر وهتافات بعض التظاهرات بإثارة النعرات الطائفية هي شبهة كبيرة تجعل كل من يشتغل بالفقه والفتوى يراجع نفسه كثيرا قبل ان يزج نفسه في المشاغبة وقد ظهر كشفها معرفيا, او يزج نفسه في الفتنة, وقد حرمت قرآنيا, او يتحيز لطرف دون طرف, والحكومة في العراق التي قد نختلف معها ولكن لا نسمح لأنفسنا ومن معنا من ان يعاديها وهي فاتحة بابها للحوار, ومعترفة بوجود الأخطاء, وتنتظر التعاون على تجاوزها من خلال الوقوف بوجه الإرهاب المدعوم من الخارج بأدوات من الداخل.

اذن قد تبين لنا معرفيا وحسب منهج البرهان ويقينيات المعرفة المستندة الى مفهوم ” قصد الحكمة” والاستدلال القرآني مع الأخذ بنظر الاعتبار للتجربة والملاحظة التي تقول ان احتجاجات المنطقة الغربية فقدت بوصلة المنهج المعرفي وراحت في متاهات المشاغبة والتحريض الذي لا يستند الى دليل عقلي ولا الى وسيلة من وسائل الاستدلال التي يعرفها البشر ويصدق بها أصحاب العقول والنفوس السوية.

لذلك أحببنا تسجيل رأينا وبيان موقفنا وموقف من معنا وهم الغالبية والحمد لله من أبناء العراق الشرفاء المخلصين لوطنهم ووحدة شعبهم, ونقول لإخواننا الذين تمادوا كثيرا وغرهم بالله الغرور, ارجعوا الى رشدكم ففي عرقنا من الخيرات ما يكفي الجميع لو وزعت بعدالة, والعدالة تحتاج الدولة الراعية للجميع, والجميع مطالبون بحسن الظن والصبر على المكاره, وإفساح المجال للدولة ان تعمل بأجواء هادئة مع الاستمرار بالمطالبة بتغيير الفاسدين وغير المؤهلين .

التعليقات معطلة