أول ما ظهرت حرب الاحزاب في المدينة المنورة والتي عرفت بحرب الخندق, كان المخططون لها هم اليهود, والمنفذون لها هم الملأ من قريش.

واليوم عندما يحتدم الصراع في منطقتنا ومنها العراق وهو قطبها, تستعاد اللعبة الخيبرية اليثربية التي كان أبطالها اليهود الوافدون الى يثرب بحثا عن العنوان الذي يجعلهم في مقدمة الذين يصنعون للعالم مجدا ولكن على طريقتهم التي طغى عليها الاستئثار بأبعاده الأنانية, والاستثمار بجوهره الذي يحمل للغير العبودية.

مظاهر الاستئثار بأنانيته, والاستثمار بعبوديته يعاد انتاجه اليوم في منطقتنا والعراق, ويراد تعميمه في ربوع العالم, يقف وراء التخطيط يهود منتشرون في دول صناعة القرار, والتي أصبحت تعرف بدول المحور التوراتي وهذا الاصطلاح يعرفه الذين يعرفون فلسفة العقائد وطرق ظهورها, وهي معرفة يختص بها المفكرون الذين يعملون على تفسيرها حتى تصبح في متناول المتعلمين والمثقفين ومن يشتغل بالسياسة.

والمنفذون لمظاهر الاستئثار بأنانيته , والاستثمار بعبوديته هم من العرب في منطقتنا التي أصبحت محور استقطاب لمختلف شعوب العالم بنوعيها الباحث عن فرص العمل ولقمة العيش وهم من فقراء الشعوب , والباحث عن اللهو والبطر بوسائل تلاعبت بالمصطلحات فسمت ماليس بفن فنا حتى يصار الى استجلاب أكبر عدد من الناس من الذين وقعوا تحت تخدير ثقافي مضلل, يعطي للمومس جوازا للمرور بأسم الفن, مثلما يعطي للمترنحين على أرصفة الاشتغال بوسائل استحدثت بفعل مكر وخطط المستأثرين المتخمين بالانانية , والمستثمرين الذين يختزنون للناس مفهوم العبودية بأسم العمل الذي تعددت أنواعه وتكاثرت مسمياته, حتى أصبحت الدعارة عملا, والمثلية حقا, والتعري مودة, وما بينهما كانت حفلات المجون, ومهرجانات الميوعة والتدليك العاطفي عبر ما يسحر العيون التي تعلقت بمفاتن الصورة, ونسيت ترابط المشهد, وصياغة المعنى والمفهوم وهي وظيفة عقلية غيبت عمدا وسرا عن قطاع واسع من الناس, حتى أصبح الجمال أحادي المعنى, وأصبح الفن مختطفا في دهاليز الدعارة, والخلاعة, والميوعة , والانحلال الاخلاقي الذي دمر القيم وكفر بالنعم, ونسي غضب الرب الذي يمهل ولا يهمل.

حرب الارهاب اليوم يخطط لها اليهود , ليس كل اليهود , بل الصهاينة منهم الذين قالوا: لا يحق لأحد أن يحاكم الشعب اليهودي, ولا دولة أسرائيل, وفرضوامصطلحالشعب اليهودي فرضا مستعينين بخصوصيتهم في الاستئثار, وتعلقهم بالاستثمار الذي يحضر العبودية للناس في مخطط يستغفل من هم ليسوا على قدر من الوعي والاستيعاب كما في منطقتنا, أو الذين يعانون من فقر وتخلف كما في أثيوبيا وجوارها الأفريقي المهيأ للاحتراب.

فسيناريو الإرهاب تم الإعداد والتخطيط له منذ أمد بعيد يمتد إلى مشهد البدايات الأولى لظهور الإسلام الذي فوت على يهود يثرب فرصتهم ومزاعمهم وأحلامهم في السيطرة على رسالة خاتم الانبياء والمرسلين والسعي لتحريفها والاستئثار بموقعها كما فعلوا في التوراة, وكما ناصبوا المسيح عداوة بلا هوادة, وفرقوا مناصريه, وجعلوا من الانجيل أناجيل مختلفة بأسماء متباينة بعد أفراغها من محتواها.

وعندما فشل يهود خيبر ويثرب من احتواء رسالة الإسلام, راحوا يتفننون في طرق ملتوية لتشويه بعض المعاني والتأويلات من خلال أدعاء بعضهم إسلاما ظاهريا يخفون من ورائه خدعة بعض المسلمين لتمرير ما يريدونه حتى عرفت بالإسرائيليات, حتى كان أبي بن كعب من الأسماء التي يشار لها في العقود التي تلت انتقال الرسول الأعظم محمد بن عبد الله “ص” الى الرفيق الأعلى وأمتد هذا التشويش المحدود الى عصر بن ميمون الذي أعتبره البعض فيلسوفا مسلما وهو ليس كذلك, والذي استفاد من مهنة الطب ليكون طبيبا لصلاح الدين الأيوبي, ومن موقعه هذا بث أفكاره الفلسفية عبر صياغات تحتمل معاني كثيرة في الفلسفة, كالوحدة, والكثرة, والحال, والاستقبال, والوجود وواجب الوجود, والرؤية والتجسيد والتشبيه, ومن خلال ذلك الجو والمناخ الذي منحه فرصة الكلام الفلسفي والتنظير الذي يستبطن المعنى التوراتي, أكد بن ميمون على ضرورة التزام اليهود بعهد التوراة وحرم عليه غيره, مؤكدا على عهد النبي ابراهيم باعتباره عهدا مؤسسا للتوراة وهو ما يتناقض مع ما طرحه القرآن الكريم عن حنفية ابراهيم وأسبقيته في الدعوة للدين الذي يكرس مفهوم الإسلام, قال تعالى “وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس”.

والإسرائيليات شكلت عضدا للرواية الأموية التي شكلت ثقافة كثير من المسلمين ومن هنا كان أبن تيمية أنموذجا لمن عمل بالرواية الأموية ونظر لها عبر كتابه “منهاج السنة النبوية” وكتابه “درء تعارض العقل والنقل”.

وثقافة الرواية الأموية هي التي أصبحت مشروعا للوهابية في عهد محمد بن عبد الوهاب الذي أظهر التكفير للآخرين وأباح القتل الذي يعتبر مؤسسه الحقيقي أبن تيمية في مقولته المعروفة “عليهم السيف المسلول إلى يوم القيامة” وهي الترجمة العملية التي يمارسها الانتحاريون التكفيريون الوهابيون الإرهابيون.

واليهود المعاصرون وجدوا في هذه الثقافة ضالتهم فخططوا لإظهارها وانتشارها ووجود الجاسوس البريطاني “همفري” في حياة محمد بن عبد الوهاب عندما كان طالبا في البصرة, هو التفسير الموضوعي لظاهرة التخطيط اليهودي لصناعة الإرهاب الذي كان على عهد ما يسمى بالاخوان في القرن التاسع عشر يهاجم المراقد المقدسة في كربلاء والنجف, واليوم في عهد ما يسمى بالقاعدة تم الهجوم على ضريح الأمامين العسكريين في سامراء, مثلما تتم محاولات الإغارة على مقام السيدة زينب في الشام, ونبش قبر الصحابي حجر بن عدي, وهدم مقام النبي ابراهيم كذلك في الشام هي ترجمة لثقافة التكفير الوهابي الإرهابي بأيادي عربية ومسلمة وبتخطيط يهودي جعل المحور التوراتي يتبنى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين والشام لتفتيت دولها وتمزيق وحدة مجتمعاتها حتى تنشغل بأمورها الداخلية ويخلو لدولة اسرائيل ممارسة نشاطها في الهيمنة على المنطقة وتسخير الآخرين أدوات لها كما فعلت في تدجين بعض المنظمات الفلسطينية, وإخراج البعض الاخر من محور المقاومة والممانعة كما فعلت مع حماس.

ولم يكتف اليهود بذلك, وإنما كانت لهم اليد الطولى في التخطيط السري لإنشاء أحزاب كان لها تأثير في تخريب عقيدة وثقافة بعض الناس, ومن خلال هذه الاحزاب التي صوروا لها العلمانية ملاذا وحاضنة في خدعة جديدة, حتى ظهر الانحلال السلوكي ممثلا في بعض من دخلوا المسرح والتمثيل والغناء, حتى أصبح المشهد الذي يضم هؤلاء وكأنه مخصص للتمرد ورفض الهوية الوطنية ومن هنا نمت أحزاب هذا النوع من الانتماء بسرعة, ثم تهاوت واختفت بسرعة وما تبقى منها يلفظ أنفاسه الأخيرة, كل ذلك بسبب وجود التخطيط اليهودي المتغلغل في ثنايا الثقافة العلمانية ومحورها التوراتي الذي مازال يمارس دور القيادة نتيجة عوامل كثيرة من أهمها امتلاكه للتقنية وصنعتها التي أصبحت تحتاجها الشعوب لاسيما تلك التي لم تختط لنفسها هوية سيادية.

فالأحزاب في منطقتنا تعيش فيما بينها حربا بلا هوادة يتضح مخططها اليهودي عندما نعرف علاقة بعض الاحزاب العربية بالمحور التوراتي واللوبي الصهيوني ومن أوضح الأمثلة في ذلك تيار المستقبل وجماعة 14 أذار ومنهم حزب القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع المعروف بارتباطه التاريخي بالموساد الاسرائيلي ثم أضيفت لهم بعض الجماعات الاسلامية التي لم تمنعها عناوينها الاسلامية من الوقوف ضد حزب الله المقاوم لإسرائيل وصانع الهزيمة لجيشها الذي لايقهر, واكتملت الصورة بظهور ما يسمى جبهة النصرة المتفرعة عن ما يسمى بدولة العراق الاسلامية والتي ظهرت تهلل لضرب الصواريخ الاسرائيلية لدمشق ثم انكشاف وجود الاسلحة الاسرائيلية مع مخلفات العصابات الهاربة من القصير وهي من لواء أحرار الشام وكتيبة الفاروق, وجبهة النصرة, وفي العراق هناك بعض الاحزاب العلمانية من زار بعض كوادرها أسرائيل, ومن لا يزال على علاقة ملتبسة بعناوين تجارية تارة, وثقافية تارة أخرى.

وهكذا رأينا كيف يخطط للإرهاب, ويخطط للأحزاب بأيادٍ يهودية, وينفذ بأيادٍ عربية كما جرى في معركة الاحزاب أيام رسول الله “ص”.

التعليقات معطلة