” انتشر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس”

– قرآن كريم –

تفشى الارهاب في الايام الاخيرة بشكل ملفت ,ولذلك اسباب وعوامل تكمن في طبيعة المجتمع الذي يشكل بعضه حاضنة لما يجري من مفخخات واحزمة ناسفة .

مثلما تفشى الفساد بكل انواعه : المالية , الادارية , الاخلاقية , وهذا

النوع من الفساد يشترك فيه : المسؤول صغيرا كان او كبيرا , مثلما يشترك فيه الموظف , والعامل , والتاجر , والبائع , والسائق , والممرض , والطبيب , والمهندس ,والمحامي , والقاضي , والمعلم , والاعلامي , والممثل , والشاعر , والتشكيلي ,والكاتب , وكل من يشترك في خريطة الاجتماع العراقي , فالتهمة عامة , والاستثناء قليل ونادر .

نحن شعب متهم , ليس لاننا كنا تحت الفصل السابع , ولا لأننا نملك سبع صنائع والبخت ضائع كما يقول المثل العراقي الذي لم ياخذ بوصية بليغ الفصاحة وصاحب الحكمة الامام علي بن ابي طالب عندما قال :” لاتعتمدوا على الحظ فربما كان وزال وربما لم يكن ” .

نحن شعب تضيع كفاءاتنا في مهب الارهاب والفساد , والارهاب زائل حتما , لانه لايملك القدرة على الديمومة نتيجة طبيعة اسبابه الداخلية والخارجية , ولان الاسباب الخارجية هي الاقوى وهي المحركة , وهذه الاسباب متغيرة المواقف شرهة المصالح ,ومصالحها فوق مبادئها فهي تغدر وتمكر , ولذلك صاحبها مخذول ومرذول , وسيجد نفسه يوما معزولا لا يلوي على شيئ , فيخمد وينطفئ وينتهي , وهذه سنة الحياة ” كل من عليها فان ” .اما الفساد , فأمره يختلف عن الارهاب , فهو متعلق بالنفوس , والنفوس شرها شر الوسواس الخناس الذي يجد مكمنا في صدور الناس , فيغير المقياس , ويتلاعب بالعقول والانفاس , ويدمر الاحساس , فتكثر الاوباش والانجاس , ويستولي على الرعاع من الناس

, ويغير المتراس , ويجعل الحكم والحكام بلا اساس , كما فعل بشاهنشاه ايران ,وهيلاسي لاسي , وصدام صنيعة الارجاس , ثم حمد القطري فاقد الاحساس , واوردغان الحالم بالسلطنة ذات الابهة والاجراس التي ماعرفت كيف تحافظ على الاساس , فغارت عليها جيوش الاحلاف من الفرنجة الخارجين من الالب الى اوراس , فوجدوا قوما يحلفون كذبا بالقرآن وقد افرغوا من كل باس , فعرفوا صيدهم وسارعوا بالافتراس

نحن شعب تخلينا عن قيمنا التي هي صناعة السماء , وعنوان الوفاء , ومعدن الأخلاق , وقرة عين الرجاء , ومن يتخلى عن قيم السماء , يتصاغر ويتهافت حتى لم يعد يعرف معنى الحياء، ومن لايعرف معنى الحياء يفقد الشيم , وتعافه الهمم , فلا يحصد الا الندم فمثله كمثل الراعي صاحب الجرة الذي راح يحلم ويسرح في الخيال حتى كسر الجرة على راسه ,فلم يحصل الا على الخيبة وسوء الحال .

قيمنا كانت عن قريب مضرب الامثال , وشيمنا كانت تعلو الجبال , تصنعها مفاخر الرجال , وتجسدها حقيقة الافعال , والصالح من الاعمال التي قال عنها الخالق المتعال ” اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ” والتي عبر عنها الإمام علي عليه السلام عندما سئل عن المسافة بين السماء والأرض ؟ … فقال : ” دعوة مستجابة ” ، والدعوة لا تكون مستجابة الا ان تكون صادرة عن نفوس مشبعة بالقيم , وعن ارادات تتصف بالعزم , وعقول تستحضر العلم والفهم والحلم وتلك الارادات والعقول هي التي تتعهد قيام الدولة , فلا دولة بدون عقول ,ولا جنة بدون عمل مقبول.

ومن امثلة القيم والشيم في عراقنا , يبرز لنا مثالان : احدهما من الرمادي عاصمة الانبار , وملتقى العشائر العربية التي رفضت رايات الفتنة والارهاب , ودعوات الغدر التي تستعين بالباطل من الشعار الذي رفضه اهل الانبار يوم كان الزرقاوي يفضل اليهود على اتباع حيدر الكرار .

ففي الرمادي وجد سائق لشاحنة على الطريق الدولي عندما اراد ان يصلي بجانب الطريق الدولي شيئا يلمع على ضوء الشمس فاقترب منه , فوجد سوارين من الذهب ومعهما رسالة عليها عنوان يعود لمدينة من الفرات الاوسط مكتوب عليها رقم الهاتف , فقرا الرسالة , فعرف انها لرجل يؤمن ببوصلة السماء , فقرر ان يوصلها الى اهلها , فاتصل على الهاتف المذكور وتكلم من رد عليه , واخبره بما عثر عليه , وذكر لهم عنوانه ,فشكروه وقدموا الى مدينة الرمادي وسلمهم الامانة .

تلك واحدة من قيم الشعب العراقي التي اراد الفساد والارهاب تغيبها .

اما المثال الثاني : فهو من جنوب العراق , حيث السهول والسهوب التي امتدت اليها القبائل العربية من نجد والحيرة التي قال عنها المتنبي :-

ولقد سألنا ونحن أدرى بنجد …. أطويل طريقنا ام يطول

وكثير من السؤال اشتياق …. وكثير من رده تقليل

ففي الطريق الدولي ما بين الناصرية والسماوة قبل ان يسمى كل منهما بذي قار والمثنى , حدث لمواطن كان يسوق سيارته على ذلك الطريق الصحراوي فوجد بدوا يسوقون اغنامهم عبر الطريق , فخفف من سرعته ولما اقترب منهم كانوا قد عبروا كل الغنم ولم يبق سوى الخراف الصغيرة , حيث كانت مجموعة من النساء البدويات يذودن بعباءاتهن ليمنعن البهائم الصغيرة من عبور الطريق , فظن سائق السيارة انهن لا يردن عبور البهائم الصغيرة فاستمر يسوق سيارته على مهل حتى اذا صار بجانب البهائم رفعت النسوة عباءاتهن فما كان من البهائم وعددها بالمئات الا ان قفزن قفزة واحدة يردن اللحاق بامهاتهن فوقعن تحت عجلات السيارة , فوقع منهن عشر بهائم اصبن بكسور , فوقف صاحب السيارة واخرج من حقيبته مبلغا قدره خمسمائة دينار عراقي وهو مبلغ كبير في تلك الايام , حيث كان الدينار يساوي اربعة دولارات امريكية وقال الرجل صاحب السيارة للبدوي صاحب الغنم : يا اخي خذ حق البهائم المتضررة , فنظر اليه البدوي بعزة واحترام , وقال له : يا اخي انت ضيفي وانا ذبحت هذه البهائم لك ، فاصر صاحب السيارة ان ياخذ البدوي شيئا من المال , فقال البدوي بالطلاق لا اخذ شيئا وركض وراء اغنامه .

هذا المثال الثاني يرسم لنا صورة زاهية ناصعة عن القيم التي كانت سائدة بين العراقيين , فاين نحن من تلك القيم اليوم , اليوم نسمع عن حادثة قتل كلب دون عمد ,فيقوم اصحاب الكلب بالاغارة على عائلة من قتل كلبهم ويطالبون بالتعويض المالي الذي لايقل عن دية الآدمي.

اليوم نسمع عن تحايل بعض الاطباء على المرضى بالاجور وبالفحوصات المخبرية والاشعة , وبالعمليات الجراحية التي لا مبرر لها سوى جلب المال , كالشاب الذي يعاني من زيادة في الوزن فاستشار طبيبا فأشار عليه بإجراء عملية تصغير المعدة , ولما اجريت العملية , فارق الحياة بسببها ذلك الشاب وهو ابن ” 27″ سنة من العمر.

وما يقال عن المهندسين , والمحامين , وبعض القضاة , وبعض التجار وبعض المقاولين , وبعض الاساتذة الجامعيين , ومدرسي التدريس الخصوصي , وأرباب العمل في بناء البيوت , وموظفي العقار , وموظفي الدوائر ذات المصالح مع المواطنين , نجد اشياء تدمي القلب , تكشف مقدار اهتزاز القيم , وانعدام الشيم , لهذا كله , فالعراق من اجل ذلك فهو في ازمة حقيقية لا تنجح فيها انتخابات , ولا تسلم فيه حياة سياسية ,ولا تستقيم فيه حياة اجتماعية واقتصادية , ما لم يصار الى اعادة مشروع القيم وتلك العودة لا تكون بالتمني وانما بالعمل الجاد , والمكاشفة الحقيقية بين الجميع ومع الجميع , عشائر , واحزاب , وحاضنات دينية , برلمان , واعضاء مجالس محافظات , حكومة ,واعلام , كتاب ومثقفين وسياسيين , ومؤسسات , وهيئات مدنية وعسكرية , كلها تحتاج الى المصارحة والمكاشفة , والاعتراف بالحقيقة

المرة : ” كلنا مسؤولون عن تدهور القيم واختفاء الشيم ” ومن قاعدة ذلك

الاعتراف الذي سيتهرب منه البعض , نرسم خريطة الطريق , فهل نحن فاعلون ؟

التعليقات معطلة