وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا “
– 17- الاسراء –
اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله – حديث شريف – ويخبرني عن غائب المرء هديه كفى الهدي عما غيب المرء مخبرا – زيادة العدوي – والهدي في قول الشاعر هو : الطريق والمسلك الذي يسلكه , والمزاج السياسي العراقي يمكن قراءته واستخلاص شواهده من المواقف والتصريحات التي تطفح في المشهد السياسي والتي يغيب فيها المعنى السياسي وأخلاقياته, ويطفو فيها الزبد الذي يذهب جفاء بين تدافع الريح ولهب اشعة الشمس الذي صنع مفهوم الاستحالة في الفقه الاسلامي ليكون تطهيرا للأشياء في بعض الحالات.
وفراسة المؤمن خزين لعلم السياسة في الإسلام , فهي تقوم على معرفة القواعد والحيثيات التي تتصل بالحدث وفاعله من الناس مع الاحاطة بما للفاعل من توجهات, وما للحدث من تاثير ونتائج , بحيث تاتي نتائج التقييم بعيدة عن المصادرة والاسقاط الذي اصبح سمة عامة لاحاديث الناس في السياسة والاجتماع.
والمزاج : حالة نفسية, بينما العلم : حالة عقلية تنتقل من المجهول الى المعلوم مع نقش صورة الشيء في الذهن , ولذلك قرنت المزاج بسياسة من يعملون بالسياسة في المشهد العراقي , ولم اقرنها بالعلم لانها لم تبلغ ذلك المبلغ , ولهذا نشهد التراجع والتقهقر في العمل السياسي في العراق اليوم , فهناك ضجيج وعجيج , وليس هناك من حجيج .
وبسبب ذلك لم تنتقل السيادة الى العراق كما اعلن في 30| 6| 2004 مما جعلني ارفض الدعوة لمؤتمر دعت اليه منظمة ” RTI ” في ايلول من عام 2004 وكان بعنوان ” دور الاحزاب في العراق الجديد ” وقلت للذين قدموا لي بطاقة الدعوة: ان السيادة نقلت للدولة العراقية من تاريخ 30|6|2004 فلا يجوز لمنظمة “RTI” التدخل في الشأن العراقي بعد ذلك التاريخ , ويتذكر الذين حظروا المؤتمر من شخصيات وأحزاب عراقية كيف انهيت اعمال اللجنة المشرفة على ذلك المؤتمر وطلبت منهم مغادرة المكان واغلقنا ابواب القاعة بعد ان استدرجت الحاضرين للتصويت على انهاء المؤتمر بطريقة ديمقراطية, حيث خاطبت تلك المنظمة الامريكية قائلا لهم ان نظامكم الداخلي يقول: انتم منظمة غير سياسية تهتم بشؤون الديمقراطية , فاذا كنتم منظمة غير سياسية كيف يجوز لكم التدخل في الديمقراطية وهي عمل سياسي؟ ثم ان بلادكم تعترف ان السيادة انتقلت للدولة العراقية في 30|6|2004 فما هي مبررات تدخلكم بالعمل السياسي وهذا المؤتمر هو من اعمال السياسة التي يجب ن يديرها العراقيون وانتم منظمة اجنبية غير عراقية لا يجوز لكم التدخل في الشان الداخلي العراقي.
ولكن منظمة “RTI” ظلت تسرح وتمرح في الشان الداخلي العراقي ومكاتبها في المحافظات ظلت تتحكم بمجالس المحافظات ودواوين المحافظات حتى رحيل قوات الاحتلال في 31|12|2011 ولست متاكدا من رحيلها التام مع
بقاء منظمة التنمية الامريكية تتحكم بما يسمى بمنظمات المجتمع المدني , الرقم والشاهد على ضعف العمل السياسي في العراق الذي حوله الى مزاج يتقاسمه الحزبي المتخلف والسياسي الطارئ, مما الغى عنه صفة العلم والعلمية.
وتاريخ 30|6|2004 الى اليوم تتحمل احزاب السلطة ومن عمل معها وسكت على اخفاقاتها من منظمات مهنية ونقابية , وعشائر اسناد ومصالحة غير حقيقية , ومرجعيات وحواضن دينية وثقافية واعلامية , وافرازات تكاثر لعناوين وهمية مثل ” محلل سياسي , وباحث استراتيجي , وخبير امني , وباحث موسوعي ” وفضائيات احتكرت الصورة والعرض وشوهت الحوار تحريضا واستحضارا للفتنة والضياع , وهيئات استثمار نفعية طفيلية , وشركات مقاولة مدلسة محتالة , وشركات صيرفة ربوية نهمة فاسدة, كل هذه العناوين ومعها مجالس محافظات لا تعرف الصلاحيات , ومجلس نواب ضيع وظيفة التشريع والرقابة ليتحول الى طيش المناكفات باسم السياسة , فضيع التشريع والسياسة وراح يمشي مشية العرنجل لا يفرق بين اصوات البلابل ونعيق الغربان . مما جعلوا العراق مضربا للتخلف وفقدان اللياقة السياسية والدبلوماسية والعلمية, ولذلك بقي العراق تحت الفصل السابع حتى 27|6|2013, وبقيت حدوده بعضها غير مرسم, وبقيت بعض اباره النفطية تعاني من مفهوم المشتركات وهو مفهوم لا وجود له في القانون الدولي الا عندما توجد دولة قوية ودولة ضعيفة , وبهذا المعنى يغير الطيران الحربي التركي داخل الحدود الشمالية العراقية وتقصف المدفعية الايرانية بعض القرى العراقية في الشمال , والعراق عين بصيرة ويد قصيرة بسبب عدم تطبيق وطني لمواد الدستور العراقي بين اقليم كردستان العراق الذي يتعامل بالندية مع حكومة المركز , ولا يتذكر الفدرالية والمركزية الا عندما تخترق حدود العراق الشمالية لاسيما في مناطق جبل قنديل مما يجعله مصداقا لقول الشاعر :-
اسد علي وفي الحروب نعامة ”
او كما قال الآخر :-
ذم المنازل بعد منزلة اللوى … والعيش بعد اولئك الايام
ان ملفات الفساد التي اصبحت بضاعة مزجاة لفضائيات صناعة الفتنة ونشر الغسيل ناسية مفهوم :” عظموا انفسكم بالتغاضي ” ومفهوم ” لاتقل كل ما تعلم ” لانها لا تنتمي لثقافة تلك المفاهيم , ولان حالها كحال من يشتغل بالسياسة مزاجيا وليس علميا , فالندوات الفضائية خلاصة مزاج غير مدرب وغير كفوء , وندوات المكاتب السياسية والحكومية ,
واحتفاليات الحواضن ومناسباتها هي الاخرى تتم بانفعال مزاجي لا يعرف تبعات الحدث كما جرى لاحتفالية بغداد عاصمة الثقافة العربية الذي عقد في يوم مناسبة وفاة فاطمة الزهراء , فجاء الاعتذار المتأخر شهادة على مزاج غير علمي وغير مخطط .
ان أستوديو الفضائية اصبح دكتاتورا يتحكم برقاب الشباب واحلامهم مثلما يتحكم برقاب المسؤولين الذين دخلوا الى سرادقات الحكم بفعل المحاصصة التي لم تؤهلهم كما يجب , ولم تحرص عليهم كما يجب وتركتهم كما قال الشاعر :-
القاه في اليم مكتوفا وقال له … اياك اياك ان تبتل بالماء
وان دوائر الدولة اصبحت تغص بتخمة الموظفين ” 4″مليون موظف , بينما في بريطانيا التي يزيد عدد سكانها على ” 60 “مليون يوجد لديها ” نصف مليون موظف ” , في دوائر الدولة العراقية يتجلى مزاج الموظفين مع المواطنين , فبمزاج موظف يحرم المواطن من حقه , وبمزاج موظف اخر يعاقب موظف بريء وبمزاج سياسي يحدث الانشقاق في الحزب , وبمزاج سياسي اخر تنقطع علاقات العراق بدولة او بعض الدول , وبمزاج وخفة سياسي تضيع حقوق العراق النفطية او المالية او المائية , وبمزاج سياسي تشتعل فتنة , وبخفة واهواء رئيس عشيرة تتقاتل بعض العشائر , وبفتوى مزاجية يظهر قرن الفتنة وتنتهك الاعراض وتسيل الدماء وتخرب الاوطان , وكل هذه الامزجة متوفرة ومحتشدة في المشهد العراقي , لاننا غادرنا العلم في السياسية الى مزاج غير مؤتمن يبيع نفوس الناس بلا ثمن.

التعليقات معطلة