قاسم محمد مجيد
ليس رغبة في الكتابة عن موروث خاص لكن استحضار ألاف الصور التي تهبط مثل الثلج بخمول عن جداريه بدت ألان أكثر حزنا وأكثر شيخوخة !!
ولان التاريخ يختزن كل شيء بلا تمييز يظل الحديث عن جداريه فائق حسن (حمامة السلام ) مدعاة لكثير من الأسئلة التي ظلت بلا جواب حاملة بين طياتها شناعة عصر ظل مزمنا بأمراضه وعلله فائق حسن الفنان العراقي بامتياز والمولود في ألسنة التي بدأت بها الحرب وسميت بالعالمية الأولى تأثر كثيرا بالاتجاهات الأوربية في فن الرسم والنحت ونقل هذا التأثير على تلامذته وجيل من الفنانين بعدهم .وضع في جداريته ألاف من قطع الموزائيك محتفيا بطريقة الفنان الواعي المدرك طبيعة التحول السياسي مترجما رؤياه لعالم أمن ويسوده السلام والحرية والأمل والتلاحم بين قوى الشعب كما تقول أدبيات الأحزاب اليسارية .
لكن الصور التي بدت مهمة وطافت إمامي باهته تظهر بجلاء حاد ان لا واقع بدون تفسير ومن خلاله يظهر كم كانت كبير هذه الفجوة بين عالم فائق حسن وعالم الواقع المتشابك الذي تحكمه قواعد بعيدة عن منطق العقل والحكمة.فقد حمل التاريخ السياسي الحديث طوفان المسيرات الصاخبة التي ترفع علم الجمهورية العراقية وصور الزعيم قاسم وتهتف بقوة للسلام وللعهد الجديد ومن جموع النشطاء السياسيين وهم يلوحون باعتزاز للنصب و للحمامات البيض وللشعب بعماله ونسائه وفلاحيه ومن مسيرات المقاومة الشعبية التي دأب الشيوعيون على تسيرها وتحتشد بمئات النساء الجميلات وهن يحملن بنادق الكلاشنكوف مارات إمام هذه الجدارية باتجاه نصب الحرية لجواد سليم .لكن التغيرات السياسية الجديدة بعد اغتيال الزعيم قاسم تعرض مشهدا مأساويا
يقول عنه الكاتب محمد الجزائري (بعد خمس سنوات لا أكثر من ذلك التأريخ صعد بضعة (مسلحين) برشاشات بورسعيد علي سلالم من خشب ليمسحوا حمامات السلام من جدارية فائق حسن .. فلم تمسح! فجاءوا بعلب البويه وبفرشاة عريضة وراحوا يصبغون الحمامات بالأسود ). وحينها لم تعد الجدارية مكانا أمنا للعشاق والحالمون والشعراء للجلوس تحتها وزحفت عربات الباعة لتقيم جدارا بينها وبين رؤية النصب او حتى التفرج عن قرب لمشاهدته .و حين بدا مسار عهد جديد في نهاية عقد الستينات ورغم غلبة الصوت الواحد فيه كان الاهتمام واضحا بالثقافة والفنون لكن ظروف ومتطلبات الحرب في الثمانيات بدت الجدارية وباقي الفنون أمرا ليس شاغلا للاهتمام خصوصا حين اعقبه الحصار الظالم لتغرق الحياة بظلمة كبيرة أخرى.وجاء الاحتلال الأمريكي ليشيع خرابا شاملا” في الحياة وبدت ساحة الطيران التي يقع فيها النصب أكثر فوضى ومكانا للموت العبثي وصارت تجمعات عمال البناء من البسطاء المعدمين هدفا سهلا يتفنن فيه الارهابين في إيقاع الموت والأذى فيهم.جدارية فائق حسن لا تشكو الإهمال بل أيضا التصدع والتشقق للأسف !
ويبدو السؤال أكثر واقعية الآن من يعيد لفائق حسن حلمه ويطلق حمامات السلام.