صالح جبار خلفاوي
حينما عبرنا جبل سنام باتجاه الكويت واجهنا مرتفع المطلاع بعدها انخفض الطريق بسلاسة نحو الارض المنبسطة .. على اليسار من الشارع يقع معسكر المغاوير في حين يمتد الشارع الذاهب باتجاه اليمين الى ميناء الاحمدي .. حيث معرض البابطين للسيارات والذي استخدم الجنود سياراتهم ورموها بعد نفاذ البنزين كما ترمى الاحذية المستهلكة .. كنت اعمل جنديا في الفوج الاول اللواء الرابع ومقرنا كان معسكر المغاوير الذي يطل على مدينة الكويت التي بدأ أهلها بهجرها لتبدو مدينة أشباح ألا من سكان حي السالمية القريب منا .. أتبضع منهم خبز العيش الفلسطيني .. كان يهتفون كلما رأوا عسكرياً بحياة ( أبو عدي )
السيارات الكبيرة والصغيرة والشاحنات المحملة بالبضائع تمضي نحو الشمال باتجاه البصرة لتبدو هذه الامارة الصغيرة كمخزن منهوب .. حاولت أن التقي بأي من الكويتيين لارى ردة فعله ..
لم يصادفنِِ سوى شيخ كبير في السن يقود سيارة شوفرليه .. أشرت له لم يتوقف .. كان ذلك حين طلب مني امر الفوج الذهاب الى الاحمدي وبعدها الى الوفرة لجلب البريد .. اتذكر هناك الى جوار وزارة الداخلية مسجد صغير .. الوقت مساءً الشجرة المنتصبة امام الباب المفتوح تتحرك اوراقها ببطىء والانارة الخافتة جعلت الهاجس التعبدي داخلي طافحاً .. هممت بالدخول لكن سرعة حضور الرائد الذي جئت معه منعني من دخول المسجد قائلا : أنها ارض مغصوبة ولاتجوز الصلاة فيها … هذا الرائد جودت من اهالي قضاء الرفاعي هو من وقع لي نموذج الاجازة لاهرب قبل اندلاع المواجهات في عاصفة الصحراء ..تمنيت لو عدنا ثانية الى العمارة .. بعيداً عن هذه الارض القاحلة والمحزنة .. في المعسكر عثرت على كتاب لعلم النفس ورحت اقرأ به طوال الوقت فيما عكف البقية ما بين البحث عن كسرة خبز أو التفتيش في الشقق والمنازل المتروكة عن مكيفات الهواء والمواد الاحتياطية للسيارات وغيرها من الحاجات التي تركها أهلها ومضوا نحو صحراء الوفرة باتجاه السعودية حيث اللافتات المنتشرة ( كلنا للكويت والكويت لنا ) كنت أستحم في الحمامات المبنية وسط هذه الفيافي .. أستمع الى صوت المذياع الذي ما انفك يذيع أغنية ( تعب حتى الحديد وما تعبتوا ) بدت الكويت كشمعة تذوي وليست لأحد ..