محمد الكاظم
سكان الشرق الاوسط من اكثر الناس الذين يشتمون أميركا، وهناك تراث طويل من الشتيمة والشعور بالتآمر الاميركي ضد قضاياهم، لكن رغم ذلك فان سكان هذا الشرق الاوسط ومنهم العراقيون منبهرون بأميركا ومعجبون بها ضمنيا. لذلك لا يستطيعون ان يهضموا فكرة ان الولايات المتحدة مع تحالف يضم اكثر من خمسين بلدا تعجز عن قهر “داعش” بينما مدينة “حديثة” المنعزلة في صحراء الانبار تمكنت من مقاومة عناصر “داعش” منذ اشهر، و”آمرلي” الصغيرة تمكنت من هزيمتهم وطردهم شر طرده. ومن غير المفهوم لهم كيف تمكن مقاتلون كهول وشباب صغار متطوعون بعضهم غير مدرب جاؤوا من وراء بسطيات بيع الخضار وعربات “الستوتة” ومساطر العمال ان يوقفوا زحف “داعش” وان ينتصروا عليه في مواقع كثيرة، محققين ماعجزت عنه خبرة اميركا وتجهيزاتها واسلحتها وجنرالاتها وإعلامها وطائراتها واقمارها الصناعية وصواريخها الذكيـة.
بل لم يفهموا كيف تمكن صبيان “داعش” انفسهم من خداع اميركا وحلفائها الاوروبيين والتواصل ثم التجمع من شتى بلدان العالم، في الوقت الذي ترتاب فيه اميركا حتى بالأحذية والأحزمة فاخترعت آلية خلعها في المطار لتصبح تقليدا متبعا في كل مطارات العالم.
هناك اليوم الكثير من الاسئلة التي تربك العراقيين وتجعلهم يفكرون في جدوى التحالف مع الولايات المتحدة، فمنذ اشهر والولايات المتحدة تتعامل مع ثلاثة “عراقات” لا مع عراق واحد، رغم وجود حكومة واحدة وبرلمان واحد وشعب يصر على ان يبقى واحدا. وهناك تمنع ومماطلة في تسليم العراق اسلحة اميركية دفع العراقيون ثمنها كاملا، ومنذ اشهر والطيارون الاميركيون يبدون مثل الصبيان امام تنظيم “داعش”، اذ يعود معظم الطيارين دون ان يقصفوا اهدافهم، وإن قصفوها تأتي صواريخهم بالخطأ.
بينما اجيال من العراقيين لا زالت تتذكر ما كانت تفعله الصواريخ الاميركية اثناء معارك عاصفة الصحراء وثعلب الصحراء وغيرها.
عراقيو اليوم لا يستطيعون ان يفهموا كيف تعرف قذيفة التوماهوك المنطلقة من بارجة في الخليج العربي طريقها الى غرفة نوم رسامة رسمت صورة بوش الاب في باب فندق الرشيد لتصبح ممسحة اقدام، ولا تعرف طريقها الى قادة “داعش” ومن يمولهم. ويحتار العراقيون في كيفية تمكن اميركا من ان ترصد عبر اقمارها الصناعية احد عناصر “داعش” وهو ينكح حمارا في الجبال وتتفاخر بنشر صوره على الانترنت، بينما تعجز على رصد ارتال الآليات المحملة بالارهابيين وهي تتحرك في الصحراء.
كيف تمكنت الاستخبارات الاميركية من اصطياد بن لادن في باكستان، وفي الوقت نفسه لا يزال “ابو بكر البغدادي” وتلاميذه يستعصون عليها؟،
وكيف التقط الاميركيون صدام وغالبية قائمة معاونيه الـ55، ولم يتمكنوا من التقـاط زعمـاء “داعش”؟.
وكيف استطاعت الولايات المتحدة الوصول الى الهواتف الارضية المراقبة لكبار جنرالات صدام لتجري معهم حوارات هاتفية وتنسق مع بعضهم وتمنعهم من المشاركة في قتال قوات التحالف قبل السقوط الدراماتيكي لصدام، ولا تستطيع اليوم الوصول الى شبكة اتصالات “داعش” وانصاره ومراكز تجنيده وطرق وصول المقاتلين الى العراق وسوريا؟.
العراق والعالم بحاجة حقيقية الى كسر شوكة “داعش” عسكريا على الارض وإلحاق الهزيمة به بيد العراقيين من اجل ان يفقد هذا التنظيم جاذبيته التي يغري بها صغار المقاتلين الذين يتسللون من دول اوروبا ليصلوا الى العراق وسوريا وقد يعودون بعدها معبأين بايديولوجيـا القـتل الى بلدانهـم.
هناك اليوم حاجة لتنسيق اكبر مع الحكومة العراقية، وإبداء المزيد من الجدية في محاربة هذا التنظيم فالدور الاميريكي لا يزال غير فاعل ولا يدفع المراقبين والمحللين للاعتقاد بأن تنظيم “داعش” يمكن القضاء عليه بالمدى المنظور نظرا لطبيعة ادارة التحالف الدولي الخجولة لهذه المعركة، فداعش ليس مجموعة صغيرة يمكن قهرها عبر الضربات الجوية المحدودة، وليس فريقا لكرة السلة يلعب فيه مدرسون كهول على حد تعبير الرئيس الاميركي، بل ظاهرة خطرة تجاوزت حدود التنظيم ويمكن ان تتناسل هذه الظاهرة لتهدد العالم بأجمعه وتتمدد في الجغرافيا وتسرق المستقبل، لذلك هناك حاجة ليشعر مقاتلو هذا التنظيم وداعموه بالهزيمة والانكسار واستحالة استمرارهم في خططهم وباستحالة نموهم وتمددهم وتوالدهم، وهذا لن يتحقق الا بإعادة النظر في ستراتيجية المعركة واللعب بالاوراق الرابحة ومنها القوات العراقية وبضمنها الحشد الشعبي.
اميركا مطالبة ايضا بأن تفهم التحول الكبير الذي طرأ في الشارع العراقي بعد سقوط الموصل وظهور الحشد الشعبي كقوة فاعلة على الارض، وعليها ان تجيد اختيار من تستمع له من الخبراء والناصحين والمستشارين، فبناء الولايات المتحدة سياستها على اساس فكرة مضللة يسوق لها سياسيون عراقيون وعرب لأسباب معروفة تقول ان “الحشد الشعبي يساوي داعش، وإن الحشد ايراني”، هو بناء خاطئ، وخطر محدق قد يدفع بالعراق والمنطقـة الى الهاويـة.
فهذه المقولة فيها الكثير من العبث، فهي اولا تترك شروخا عميقة في علاقة العراقيين ببعضهم، وتستبطن تأليبا مضادا وتتبرع بالمكون الشيعي بأكمله لإيران فيما تتبرع بالمكون السني بأكمله لـ”داعش”، ومعنى هذه المقولة ان الحشد الشعبي “الشيعي” يساوي داعش “السني”
وهذا خلاف الحقيقة فـ”داعش” لا يمثل سنة العراق، وسنة العراق يعرفون ذلك اكثر من غيرهم ، ثم ان مقاتلي الحشد لا يقاتلون السنة وانما يقاتلون الارهاب الذي يستهدف جميع الطوائف. وان ما يجري ليس حربا سنية – شيعية وانما حرب دولة تسعى للحاق بركب العالم ضد الارهاب والتطرف، اضافة الى ان الحشد الشعبي جاء نتيجة لسبب، والسبب هو احتلال “داعش” للمدن العراقية، وانتفاء السبب يعني بالضرورة انتفاء الحاجة الى ما افرزه من نتائج، فسيل الدماء المسفوحة ليس رخيصا خصوصا ان العراق يفقد العشرات من ابنائه يوميا، ولولا الشعور بالتهديد من احتمالات ضياع العراق لما تشكل الحشد الشعبي اصلا. وهذا ما يجب ان تفهمه اميركا وليس شيئا آخر.
ومن الواجب ان تفهم اميركا ان الحشد الشعبي هو القوة التي يمكنها ان تنقذ العراق وعليها ان تتعامل معه كحليف محتمل، لا كخصم يثير الريبــة. وعلى الاميركان الانفتاح على الحشد الشعبي وتفهم تركيبته وتفهم دوافعه، خصوصا ان قياداته ابدت الكثير من التأكيدات على ان افراده يقاتلون في اطار الدولة وتحت امرة القائد العام للقوات المسلحة.
وفي الوقت نفسه على واشنطن فهم المنطلقات التي تنطلق منها الشخصيات السياسية العراقية والعربية التي يقلقها الحشد الشعبي فتقوم بالترويج لفكرة تساوي الحشد الشعبي مع “داعش”. واذا كان هناك من السياسيين المحليين من يستثمر في الترويج لهذه الفكرة لدوافع تخصه مفهوما، فان تبني هذه الثنائية من قبل بعض النخب الغربية تؤشر لجهل ناجم عن وجود خلل في خطابنا الوطني، فهذه مساحة غامضة في عقل صانع القرار الغربي تمكنت اجندات اقليمية من النفاذ اليها.
وعلى النخب العراقية العمل على تفكيك هذه المعادلة وايضاحها وملء منطقة الجهل الغربي بأفكار طرية تكشف عن تحولات مرحلة ما بعد الموصل.
بعد هذه السنوات صار من الواضح ان العراقيين اصبحوا اقل ثقة بأميركا، نظرا لشعورهم بالإحباط من المواقف الاميركية فالعراقيون عولوا كثيرا على ما يمكن ان تقدمه الولايات المتحدة للعراق الخارج من اتون الحروب، على صعيد بناء الدولة وبناء قواتها الامنية وبناء اقتصادها وتطوير جامعاتها ومستشفياتها واسواقها، وكان هناك امل في ان يستفيد السياسيون العراقيون من تجربة الولايات المتحدة في ادارة بلد متعدد الاعراق والطوائف والقوميات. لكن خيبة أمل العراقيين بأميركا تزداد يوما بعد يوم، ما دفعهم للبحث في خيارات اخرى.
العراقيون من جانب مقتنعون بأن اميركا قادرة على صنع المعجزات، ومن جانب آخر يلاحظون ان اميركا لا تستطيع تحقيق نصر واضح على “داعش” وهي لا تمنح العراق الدعم والتسليح الذي يحتاجه لقهر هذا التنظيم. امام هذه المعادلة لا يجد العراقيون حلا سوى الاقتناع بفكرة ان اميركا تتآمر عليهم، وانها تتظاهر بمحاربة “داعش”، ويعتقدون ان ضرباتها الجوية تشبه طريقة الاب الذي يعاقب ابنه اذا ارتكب خطأ ما، فهو لا يتقصد ايذاءه بل مجرد تعنيفـه وزجـره.
على واشنطن اذا ارادت الاحتفاظ بالعراق كحليف ان تدرك ان عملية تأليب الاطراف العراقية على بعضها البعض تزيد من حدة التوتر وتصعب الحل، وعليها ان تشجع انسجام المكونات مع مشروع الدولة العراقية الموحدة وان لا تبتسم بوجه الدعوات الانفصالية التي يبديها بعض السياسيين وان تنفذ التزاماتها بدعم العراق وتسليحه والتعامل بجدية مع ملف تنظيم “داعش” الارهابي الذي يهدد العالم وليس العراق فحسب.

