مارد عبد الحسن الحسون
لا يستقيم الحديث عن المناسبة السنوية المتمثلة بثورة العشرين إلا اذا انطلق من اعتبارات الحاضر وما تمثل من امتداد لتلك الثورة المباركة عام 1920، وبهذه الاعتبارات نقول ان القيمة المبدئية والثقافية والتاريخية للحديث عن ثورة العشرين هذا العام انها ثورة جاءت بإرادة المرجعية الدينية حينما اعلنت الجهاد ضد الاحتلال البريطاني وضمن فتوى وضعت الدفاع عن الوطن فوق أية قيمة وطنية اخرى. ويكفي البلاد فخراً ضمن تلك المناسبة اننا نحتفل بثورة العشرين هذا العام في ظل فتوى الجهاد الكفائي التي صدرت عن المرجعية الدينية بعد اقل من مئة عام من فتوى الجهاد في ثورة العشرين، وهي فتوى أسست في حقيقة الأمر لثورة وطنية جديدة لمواجهة المجاميع الارهابية الداعشية التي ارادت وتريد الشر بالعراق والتي كشفت جرائهما بأنها تمثل اعلى درجات الانحطاط والخسة والتنكيل والوحشية المفرطة.
اننا حين نتحدث عن ثورة العشرين هذا العام فاننا نجد المزيد من الملامح في هذا الاستنفار الوطني الحالي الذي يمثله ابطال الحشد الشعبي وقواتنا المسلحة الباسلة وهم يخوضون معارك الشرف والبطولة من أجل تطهير الارض العراقية من رجس هؤلاء الارهابيين المتوحشين. ان الروح والاشراقات والمبادئ التي تميزت بها ثورة العشرين هي الآن تتجسد في اكثر من مشهد عراقي واضح المعالم ليس اقله هذا الاندفاع الرائع للآلاف من الشباب العراقيين في التطوع لمواجهة “داعش” وتقديم المزيد من نماذج الشجاعة والاقدام والتمرس القتالي، وهناك شواهد على ذلك من خلال تطهير محافظتي صلاح الدين وديالى وما يتحقق الآن من بطولات في مواجهة “داعش” في محافظة الانبار، وكذلك في مناطق عراقية أخرى.ان ما انجز في ثورة العشرين من صرح وطني واضح ادى في النهاية الى اجبار المحتلين الانكليز على الرحيل نجده اليوم بذات العناوين المشرفة يتحقق في ارض العراق وبذات الهمة، مع اضافة نوعية من الاصرار الوطني الواضح على حماية البلاد.
ان من الاهمية بمكان ان نشير الى ان ثورة العشرين كانت قد اتسمت بالمزيد من التخطيط والذكاء الميداني المستمد من روح النخوة والاباء والشهامة، ومن الامثلة على ذلك ما جرى في معركة العارضيات ومعارك اخرى لا تقل شأناً عن معركة العارضيات ومعركة القطار واقتحام اسوار سراي الحكومة وقتل حراسه من الانكليز والاجانب وكذلك في معركة السدير والراننجية وغيرها من المعارك الضارية في أماكن أخرى من البلاد، تلك المعارك التي تم خوضها بروح عالية من التضامن العشائري.
وقد افرزت ايضاً قادة محنكين من بين العشائر التي شاركت في تلك الثورة، وللحقيقة يمكن ان نجد ذلك بصورة واضحة المنهج في التوجهات التي اعتمدها ويعتمدها ابطال الحشد الشعبي وهم يخوضون معارك شرسة وفيها الكثير من المتغيرات والمفاجآت والدسائس والبيع والشراء السياسي والنزعات التأمرية الاقليمية والدولية، ورغم ذلك فان نتائج بطولاتهم صارت واضحة وتتمثل بتقهقر المجاميع الارهابية بعد ان حاولت الزعم ان قوتها لا يمكن ان تقهر، تماماً كما فعل الانكليز في بداية المواجهة بينهم وبين الثوار، لكنهم اضطروا في النهاية الى الاعتراف بفشلهم وخذلانهم، وهذا من الحتمي ان يتحقق مجدداً خلال عام 2015.
ان القراءة الميدانية الأمنية والسياسية تفيد بما لا يقبل الشك ان الاشهر المقبلة ستكون حاسمة بشكل واضح في دحر الارهاب واجتثاث جيوبه من الارض العراقية.
وفي إطار هذه المقارنة ايضاً واستحضاراً للتاريخ نقول ان ثورة العشرين عبرت عن وحدة المجتمع العراقي والحرص على مشاركة المرأة فيها وقد برزت شاعرات عراقيات سجلن معاني هذه الثورة بالمزيد من القصائد والهوسات وإرساء صروح البشارة الوطنية وهذا يتكرر الآن في استقبال العوائل والعشائر لشهداء الحشد الشعـبي وقــواتنا المسلحــة الباسلــة.
وختاماً نقول ان هذا النسيج الوطني الذي يمتد بين ثورة العشرين التي انطلقت بفتوى المرجعية وثورة الحشد الشعبي التي انطلقت هي الاخرى بفتوى المرجعية يؤكد مجدداً ان الروح العراقية الوطنية اصيلة كأصالة نخل العراق وهي تفيض بالكثير من قيم البطولة والشهامة، مثلما يجري نهرا دجلة والفرات.لقد انطلقت ثورة العشرين لتؤسس لتاريخ لا يمكن بأي حال من الأحوال ان يزول أو ان تضمر شعلته، وهناك الكثير من الشهادات البريطانية حصراً التي جاءت ضمن اعترافات واضحة بأن ثورة العشرين أعطت زخماً واسعاً للحفاظ على وحدة العراق وتعزيز قيم التواصل بين المكونات العراقية بعيداً عن التخندق الطائفي والعرقي.
وقد جمعت ثورة العشرين كل العراقيين في منهج وطني ثوري متجدد، وهذا ما كشفت عنه وثائق وزارة الخارجية البريطانية ضمن اعترافات أشارت بوضوح الى تلك الظاهرة الوطنية، ثم ان قيمة ثورة العشرين تكمن ايضاً في هذا الارث السياسي والعسكري والثقافي المعنوي الذي كان وما زال يتجدد، ولهذا فان ذكراها السنوية تتجدد هي الأخرى بالكثير من المعالم القائمة على النخوة والتضامن والوحدة، ولنا ان نضيف هنا ان الصفحات الخالدة لثورة العشرين بما تضمنت من مقومات لها دور واضح لمواجهة كل جرائم الإرهاب والإرهابيين، فضلاً عن انها معين لا ينضب من المآثر الوطنية التي أسهمت الى حد بعيد في الحفاظ على مكانة العراق اقليمياً ودولياً، وهذا سيتحقق حتماً في المواجهة الجديدة.

