Pdf copy 1

          هادي المياح
قدّم ملفا كاملا يحوي كل مستمسكاته الرسمية،الى الموظف المسؤول في الدائرة،،تصفحه على عجاله،ثم كتب عليه بخط واضح:
فقدان شهاده جنسية
البناية يعلوها غبار تشم فيه رائحة الملفات ،،وغضب المراجعين،،وأصوات أبواق السيارات في الشارع المحاذي،الشارع الذي تآكل نصفه بسبب الحواجز ،،حتى صار أشبه بزقاق يحتضر، لضيقه وكثرة المارة.
الموظفون تعلو وجوههم ابتسامة دائمية، تداعب محياهم،تدل على رضا وقناعة،قد تشبه قناعة بائع الجملة في اللحظة الزمنية التي تسبق إغلاق محلّه التجاري! 
رجع خطوتين قصيرتين الى الخلف فيما ظلت عيونه شاخصة على ملفه المركون على الطاولة، تحسبا من أن تتلقفه أيادي خفية وينتهي به الامر الى مصير غير معلوم!
لا وجود لصالة إنتظار للمراجعين، عدا هذه الباحة المكشوفة تحت جمرة الشمس،ولكثرة حركة المراجعين واحتكاكهم ،وحرارة الجو ، وروائح الاجساد المتزاحمة، إنتابه شعور بالغثيان والتعب..فاتكأ على الحاجز المرتفع خلفه،تتشضى نظراته على الوجوه المتناوبة من حوله،وكأنه يقرأ من خلالها تعثر الدائرة وسوء خدماتها.. 
 ( الدائرة لا تبدو عليها علامات الحياة)
همس بنبرة خفيةٍ، وهو يرى تعابير الحيرة والقلق وعلامات الامتعاض، واضحة على الوجوه..حيث لم يخرج احدا الا وهو ساخطاً متذمراً.. إن كان بسبب عدم اكتمال إلاجراءات او تأجيلها او ربما لفقدانها في ركن ما من هذه الفوضى..
أقبل اثنان من المراجعين نحوه وقبل ان يتخطياه سمعهما يهمسان مع بعض وهما يشيران اليه: 
-يبدو انه ينتظر معاملته؟ 
أردف الاخر ساخراً:
-ليأت بعد أسبوعين ويسأل عنها بائع الشاي! 
وابتعدا عنه ضاحكين.
طال انتظاره،،وهو لا يزال واقفاً في مكانهِ يراقب حركة الموظف المسؤول بأنفه الطويل وعينيه الصغيرتين المشوبتين بصفرة باهتة، يعلوهما جفنان يظهران بشكل متكرر حركات مفاجئة كلمزات لئيم .
تقدم اليه متردداً يسأل عن المعاملة ..
رد عليه بلؤم:
ملفك ناقص وكلّ مستمسكاتك مشكوك فيها!
وبشكل مفاجئ،وطريقة غير مألوفة، أخرج من جيبهِ علبةَ كبريتٍ
فارغة المحتوى ودعاه ليقترب منه اكثر،وهو يبتسم هامساً باذنه:
-لا يمكنك دخول الدائرة الا اذا ادخلت حصاناً في هذه العلبة،خذها وحاول، هل تستطيع؟
ذهلَ وأحاطه شعور بالحيرة..وتسائل مع نفسه:
ماذا يعني هذا الكلام ؟ إنني اكملت كل ما مطلوب في ملفي بما فيها (الرباعية المعروفة : رباعية ص )! ثم ما معنى ان ادخل حصاناً في علبة كبريت فارغة؟ يالك من لئيم هل تسخر مني؟ كاد الغضب أن يتمكن منه لكنه إستجمع كل قواه، حتى أحسّ بعينيه تنطان من محجريهما، أما الموظف فقد تراجع ببطء وهو خلف مكتبه تاركاً العلبة على حافة الطاولة القريبة منه، على أمل ان يأخذها صاحب الملف كما يفعلها مراراً مع الآخرين .
لم ينتظر طويلا،وراح يقلّب الفكرة يمنة ويسره، ويرمق الموظف بنظرات استفهام بين لحظة واُخرى، إلا انه رآه أكثر لؤماً من خلال هذه الاختلاجات الاضطرارية العابثة في وجهه وعينيه.
خطفَ علبة الكبريت الفارغة، وانطلق خارج الحواجز ترافقه كتلة من الهواء الحار.. توقف في ركن بعيد عن الماّرة،راح يتخيل الحصان الذي سوف يدخل علبة الكبريت..رأى أحدَ الماّرة في الزقاق الجانبي وهو يجر حصاناً أبيض جامحاً،  هبطت فوقه سحابة بيضاء اللون فأخفته، إخترقتْها خيوط رمادية من الدخان المتصاعد من محل الشواء على الرصيف المجاور.. قصمتْ الخيوط الرمادية ظهر الحصان من المنتصف تماماً..شعر بعدم القدرة على التركيز، وكأنه في حالة من الانتشاء، أو تحت التخدير..تحولتْ الأشياء أمامه الى صور وتراكيب اخرى مختلفة، وإتخذت الأمكنة والبنايات أشكالاً هلامية، تفككت عن بعضها البعض تاركة خلفها خيوطاً وأمشاجاً ذات هيئات مرنة..إتسعت الأزقة، وبدت الشوارع تضيق بالتدريج، ثم انحسرت الأزقة وعادت الشوارع تتسع من جديد..دوار وفقدان في التوازن وكأن شيئاً في مداركه آخذاً بالاتساع، توارى النصف الأمامي من الحصان الأبيض ثم تلاه النصف الاخر، أختفى بعد ذلك الزقاق كله، دس يده في جيبه الأيمن في محاولة لتحسّسّ ممتلكاته وما لديه من نقود، أغرته تجليات الحصان الجامح  وملمسه عن قرب، ثم ازداد عددالأحصنة، شعر كمن يتعرض لسرقه من لص او لئيم او ربما منه، فكّر ان هذا لم يعد مهماً بالنسبة له الان، اطرق نحو الارض قليلا وأحسّ بتوارد مفاجئ للدم في أطرافه وانتفاخ واضح في أوردة يديه، ثم تضخّم حجم علبة الكبريت في يده الاخرى وأدرك فجأة بان شيئاً ما يهرب من وجهه شيئاً له هيئة القناع، أراد ان يطمئن من وجود وجهه الحقيقي، يداه تتوهان مابين جيبه وعلبة الكبريت المتضخمة وعيناه تنتظران رؤية ما سيحدث، حدث سريع وخاطف يماثل بسرعته ابتلاع غيمة الضباب للحصان الأبيض،  تجلى له بومضة خاطفة ما حصل في الثواني الاخيرة، حيث كان الحصان قد أصبح داخل علبة الكبريت .
إتجه فوراً الى مدخل الدائرة، وكانت اساريره منبسطة جداً، وقف امام الموظف اللئيم، سلّمه علبة الكبريت بسرعة وقال:
– لقد وضعت بداخلها ما تريد! 
ثم إستلم ملفّه فوراً مع ابتسامة مشّيعة..واسرع يخطو خطواته الاولى على سلّم الدائرة، وقد اكتشف ان لهذا اللئيم صفه اخرى اضافة للأنف الطويل، هي صفة اليد الطولى ولكن ؛ في خراب الدائره.

التعليقات معطلة