حسن الكعبي
تتجه الكتابة عن شخصية عبد الكريم قاسم وتجربته في الحكم الى التعامل مع ظاهرة استثنائية وفريدة في التاريخ العراقي بل والعربي ايضا, ذلك ان شخصية الزعيم وطبيعة حكمة تنتمي الى الشخصيات الاسطورية والتاريخية التي كونت ظاهرتها وفرادتها في سياق تعاملها مع السلطة بوصفها وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية وانشاء دولة مثالية تعمل على تذويب التمايزات الطبقية وتوحيد مكوناتها الاجتماعية على وفق الانتماء الوطني المتجرد من الانحيازات العرقية والقومية والايديولوجية, وهذه التوجهات في مسيرة حياة الزعيم كانت اكثر السمات والخصائص التي عملت على اظهارها كتب التاريخ التي رصدت حياة الزعيم وتجربة حكمه الوطني في تاريخ العراق الحديث الذي دشنه الزعيم بقيام الجمهورية العراقية سنة 1958 وهي فترة خلاص الشعب العراقي من النظام الملكي التابع للاستعمار البريطاني والخلاص من هيمنة الاقطاع والاحتكارات البرجوازية للطبقات الفلاحية والعمالية التي كانت تشكل الشريحة الاغلب في المجتمع العراقي. إن زهد عبد الكريم المعروف للجميع وحياته البسيطة والعادية رغم وجوده على هرم السلطة تؤكد مسعاه في اتخاذ السلطة بوصفها وسيلة للاصلاح وتحقيق العدالة الاجتماعية ومبادئ الديمقراطية, فالسلطة التي لا تتخذ من اجل اغراض ومصالح شخصية وحيازة مادية لا بد ان يكون مسعى حكامها اصلاحيا خالصا ومبرأ عن اي حالة من حالات الانتفاع الشخصي وهو امر تؤكده التجارب التاريخية التي رصدت سير الشخصيات الزاهدة التي اتخذت من السلطة وسيلة للاصلاح واحلال انماط العدالة الاجتماعية وهي شخصيات نادرة في تجارب الحكم العربي ولم يطل بها الامر في تجربة الحكم فهي دائما عرضة لمؤامرة نهازي السلطة الذين يشكلون النقيض لزهاد السلطة, لكن وعلى ندرة هؤلاء الا انهم صنعوا ظواهرهم الاستثنائية وكونوا فرادتهم التي جعلت منهم املا تتطلع الشعوب العربية الى استعادته والى عودته بوصفه الخلاص من تجارب حكم الاستبداد العربي. تشكل ظاهرة الامل بمجيء نماذج مماثلة للشخصيات الاصلاحية في التاريخ العربي حلما ومطلبا ملحا من مطالب الشعوب العربية وهو الامر الذي يفسر حالة الثورات العربية ضد حكوماتها الاستبدادية التي شهدتها السنوات الاخيرة, لكن الترقب العراقي لنموذج عبد الكريم هو الاكثر الحاحا والاكثر وضوحا وهو مترسخ في وعي المجتمع منذ الانقلاب المشؤوم (انقلاب 8 شباط 1963) وما زال ماثلا, فشخصية الزعيم تمثل سردية الامل بالعدالة الذي يغذي المجتمع العراقي ويحركه باتجاه الثورة وهذا ما يفسر جملة الانقلابات التي حدثت في العراق ضد انظمة الاستبداد منذ انتقاضة 1991 التي استمرت جذوتها الى العام 2003 التي اطيح فيها بنظام الفاشست البعثي وهي الفترة التي شهد فيها المجتمع العراقي تجربته الديمقراطية وتمثيلاتها الانتخابية وهي تجربة لم يشهد المجتمع مثلها على مر تاريخه السياسي الحافل باشكال الحكم الاستبدادي, لكن وبالرغم من وجود هذه التجربة واهميتها إلا ان التطلع لمجيء شخصية تحمل سمات الزعيم قاسم يظل ماثلا في وجدان المجتمع العراقي لفرادة هذا النموذج في تاريخ الحكم فقد استطاع خلال فترة حكمه الوجيزة ان يحقق انجازات كبيرة ومشاريع سياسية مهمة هي بمثابة الاسس االكبرى لصناعة الديمقراطية وغرس بواكيرها في الواقع العراقي, ومن هذا المنطلق الذي تلمسه المجتمع في شخصية الزعيم فان التطلع لشخصية مماثلة لشخصيته تظل املا عند المجتمع العراقي الذي ادرك حجم خسارته بنهاية حكم الزعيم الوطني وقيام حكم البعث المشؤوم.