سميح صعب
قمتان عقدتا في روسيا خلال الايام الاخيرة، الاولى مجموعة دول “البريكس” التي تضم روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب افريقيا، والقمة الثانية كانت لمنظمة شنغهاي للتعاون وهي تجمع اقليمي آخر عماده روسيا والصين وانضمت اليه ايران بصفة مراقب. هاتان القمتان عقدتا في ظل تصاعد التوتر بين روسيا والغرب وعودة الحرب الباردة بسبب أزمتي اوكرانيا وسوريا وما تبع ذلك من فرض عقوبات غربية على موسكو لثنيها عن المضي في سياساتها التي تشكل تحديا للغرب ومشاريعه لفرض هيمنته على العلاقات الدولية. وتزامنت القمتان ايضا مع الجهود الحثيثة التي كانت تبذل في فيينا للتوصل الى اتفاق نووي بين ايران ومجموعة دول (5 + 1). الغرب اتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه يتخذ من قمة البريكس سبيلا لكسر عزلته الدولية نتيجة سياسته في اوكرانيا وسوريا. لكن ذلك لا يغير في حقيقة الامر شيئا، إذ ان بوتين طالما سعى الى كسر النظام الدولي الجديد الذي نشأ عقب انتهاء الحرب وتفكك الاتحاد السوفياتي. واذا كانت روسيا انخرطت في الاعوام الـ 25 الاخيرة في النظام العالمي الذي يميل لمصلحة الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا، فإن تطور الاحداث والقضايا الدولية في الاعوام الاخيرة جعلت بوتين يتخذ قرارا بالتمرد على هذا النظام لانه بدأ يلمس ان الغرب يستهدف روسيا بحيث لا يريد ان تكون لها كلمة مسموعة في القضايا على الساحة الدولية. وبرز ذلك بشكل واضح في التعاطي الاميركي مع احداث ما سمي بـ”الربيع العربي”، إذ استغلت واشنطن واوروبا عدم استخدام موسكو الفيتو في مجلس الامن ضد القرار 1973 كي يسقطوا نظام معمر القذافي في ليبيا وليس من اجل حماية المدنيين كما جاء في نص القرار الغامض. وحاول الغرب ان يكرر في سوريا ما فعله في ليبيا، لكن روسيا حالت دون توفير الغطاء الاممي الذي يبحث عنه الغرب من اجل التدخل عسكريا في سوريا لإسقاط نظام الرئيس بشار الاسد.
العناد الروسي في سوريا جعل الولايات المتحدة تلجأ الى كل انواع الضغوط على موسكو من اجل مراجعة موقفها، لكن من دون جدوى. وعند هذه المرحلة غير المسبوقة من التحدي الروسي للغرب، قررت اميركا فتح الجبهة الاوكرانية فكان الانقلاب على الرئيس فيكتور يانوكوفيتش على طريقة “الثورات الملونة”. وأتى الرد الروسي على العبث الغربي بالمسرح الاوكراني حاسما، من خلال ضم شبه جزيرة القرم التي كان الزعيم السوفياتي الراحل خروتشيف قد اهداها لأوكرانيا عام 1954 وهي التي تعتبر منفذ روسيا الى المياه الدافئة ولا يمكن للكرملين ان يتسامح في مثل هذا الموضوع الستراتيجي. وهنا عمدت اميركا والاتحاد الاوروبي الى فرض عقوبات على روسيا من المصارف الى قطاع الطاقة، وضغطت واشنطن على دول “اوبك” ولا سيما دول الخليج العربية من اجل خفض اسعار النفط، الامر الذي انعكس بوضوح في حرمان الاقتصاد الروسي من مصدر رئيسي للعملة الصعبة وتدنى الروبل الى مستويات مخيفة مقابل الدولار. وبدا ان الغرب يخوض معركة تتجاوز حدود اوكرانيا او جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق ليستهدف الاستقرار الاقتصادي والنظام السياسي في روسيا مباشرة. وقد عبر سكرتير مجلس الامن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف عن ذلك بقوله ان الغرب يريد تدمير روسيا من خلال الاصرار على تسليح اوكرانيا والاستمرار في تمدد حلف شمال الاطلسي نحو الشرق الى عمق الحدود الروسية بالاضافة الى نشر اسلحة ثقيلة من دبابات ومدفعية وصواريخ ومقاتلات واجراء مناورات بشكل دائم في بولونيا وجمهوريات البلطيق الاعضاء في حلف شمال الاطلسي.وكان من الطبيعي ان تدفع ازمة اوكرانيا بالعلاقات الروسية – الاميركية الى اسوأ مستوياتها منذ عام 1991 وان تعيد بعث شبح الحرب الباردة مع تنبه روسيا لمصالحها في اوروبا والعالم وعدم استعدادها للتفريط بما تعتبره حقا من حقوقها كدولة عظمى. وهذا التوجه الروسي يتنافى كليا مع طموحات اميركا للهيمنة على الساحة الدولية وفرض رؤيتها الاحادية للاحداث.ومن الطبيعي ايضا ان تبحث روسيا عن خيارات بديلة للخيار الغربي الذي سارت عليه اكثر من عشرين عاما ثم استفاقت لتجد حلف شمال الاطلسي وصواريخه موجهة الى موسكو وليس الى ما يفترض ان يشكل تحديا لكل دول العالم كي تتحد ضده ألا وهو الارهاب المتمثل في “داعش” و”جبهة النصرة” وسائر التنظيمات التكفيرية التي تخوض حربا معولمة ضد كل ما هو حضاري وانساني.وعندما يطرح بوتين فكرة قيام ائتلاف اقليمي يضم دمشق والرياض وانقرة ضد “داعش” ، يجيب الرئيس الاميركي باراك اوباما انه يوافق على توحد كل القوى ضد “داعش” باستثناء الاسد. هذا ما يعمق التعارض في مقاربة الامور بين روسيا واميركا ويؤسس لمزيد من التوتر العالمي. ولذلك يجد بوتين في دول البريكس فضاء جديدا لروسيا وكذلك هي الحال مع منظمة شنغهاي للتعاون او مع محاولات فتح آفاق اوسع للتعاون مع ايران وتركيا ومصر والسعودية. وعلى هذا الاساس لا تعود الاندفاعة الروسية نحو بناء علاقات بديلة من العلاقات مع الغرب، مثيرة للاستغراب. وكم كانت وزيرة سلاح الجو الاميركي ديبورا لي جيمس معبرة عن واقع لم يتغير في العلاقات الاميركية – الروسية عندما اعتبرت قبل ايام ان روسيا هي التهديد الاكبر على الامن القومي الاميركي. هذه حقيقة كان الاميركيون يعملون بها على الرغم من انتهاء الحرب الباردة والتطبيع الذي تلاها في العلاقات مع موسكو، بينما كانوا في الظاهر يدعون الشراكة معها.