حسين علي الحمداني
نحن جيل لم يعش فترة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم، لكنه تلمس إنجازات ذلك الرجل التي ملأت مدن العراق واستمعنا لحديث الناس عنه على الأقل مرتين كل عام، مرة في تموز وأخرى في شباط، رجل رفض التاريخ أن يغادره وظلت ملامح فترة حكمه القليلة هي الجواب على أسئلة كثيرة أبرزها: لماذا أحببتم عبد الكريم قاسم؟.الذين عاصروا الزعيم من حقهم أن يحبوه لأنهم وجدوا فيه ما كانوا يطمحون اليه، أما نحن ابناء الجيل فقد قدر لنا أن نحبه ونحلم أن يأتي لنا زعيم آخر يحمل مواصفات هذا الرجل الذي أحدث فعلا ثورة كبيرة في العراق فما حصل صبيحة الرابع عشر من تموز 1958، كان ثورة قادت لتغيير ليس في المسميات ما بين الملكية والجمهورية ولكن التغيير طال كل شيء في العراق، وهو تغيير شعر به الفلاح الذي تحول لمالك للأرض التي يزرعها، والعامل الذي بات شريكا بلا شعور منه في المعمل. لقد تغير كل شيء في العراق وبدأ الناس يترقبون كل يوم قانونا ينصفهم وإنجازا يخدمهم وصروحا شيدت من أجل الشعب.كما قلت نحن لم نولد بعد حين استشهد الزعيم، لكننا بمرور السنوات كنا نجلس في مدارس بنيت في عهده، ومستشفيات أنجزت في زمانه، فضلا عن معامل كثيرة وطرق مشيدة، وأدركنا بعد حين – ونحن نطالع تاريخ هذا الرجل سواء المكتوب منه أو ذكريات الناس البسطاء – أنه كان لا هم له سوى خدمة الشعب وتحقيق طفرة كبيرة للعراق والعراقيين وبالتالي أصبحنا من حيث لا نشعر ننتمي لجيل الزعيم بطريقة تجعلنا قد عشنا فترته بكل تفاصيلها ويومياتها.عبد الكريم قاسم نجح كزعيم وطني لأسباب عديدة، أولها أنه أدرك حاجات الشعب العراقي ووضعها كأولويات له وسار على تحقيقها بزمن قياسي بالمقارنة بتاريخ العراق الطويل، لا أحد يمكنه أن ينكر إنجازات الرجل وقد يقول البعض إن ثروات العراق كبيرة وهو استثمرها بالشكل السليم والصحيح، ولكن هؤلاء تناسوا أن هذه الثروات موجودة قبل حكمه وبقيت بعد حكمه بل تضاعفت عشرات المرات دون أن يلمس المواطن العراقي استثمارا لها بذات الدرجة التي كانت موجودة للفترة من 1958 حتى 1963.والسبب الثاني إنه تعامل مع الشعب العراقي كأمة متنوعة القوميات والأديان وبالتالي كسب ود الجميع خاصة وان دستور عام 1958 في المادة (3) منه ينص على ما يلي: يقوم الكيان العراقي على أساس من التعاون بين المواطنين كافة باحترام حقوقهم وصيانة حرياتهم ويعتبر العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن ويقر هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية. وهذا ما جعل العراق بلد الجميع دون استثناء مما أدى إلى استقرار العراق والشروع بالتنمية الشاملة التي كانت أحد أهداف ثورة 14 تموز، وهي تنمية لم تكن نظرية بل عملية تجسدت في آلاف المشاريع التي غطت مجمل الجغرافيا العراقية مع التركيز على جوانب التربية والصحة وطرق المواصلات.