علي حسن الفواز
بروز “داعش” بهذه الطريقة السريعة والمريبة يثير الكثير من التساؤلات، مثلما يحتمل الكثير من القراءات، ولعل شروع هذا التنظيم الأصولي بتفكيك الجغرافيا السياسية للعديد من الدول العربية القوية (العراق، سوريا، مصر) وتهديده لدول اخرى (اليمن، ليبيا، تونس، الجزائر، لبنان) يكشف عن مجموعة من المعطيات السياسية الدولية والإقليمية والداخلية، أولها المنظور السياسي للغرب وأميركا للأحداث وسَعيهِ لتغييب فكرة (القوة العربية) ولإعادة هيكلة الجغرافيا السياسية وبمواصفات فاقدة للتأثير، وثانيها إعادة توصيف الواقع الجيوسياسي في المنطقة على أساس بناء الخنادق الآمنة، وعلى أساس تسويق مغاير لمفهوم دول الشر ودول الخير، أو الدول الصديقة والدول العدوة، وثالثها هو الإعلان الكبير عن فشل انموذج الدولة القومية، وفكرة الهوية القومية، وإعادة إنتاجهما ضمن سياقات معينة وتحت مهيمنات تتشكل فيها الدول الصغيرة، أو التقسيمات الضعيفة والمتصارعة، والتي يمكن إخضاعها وتوجيهها.
هذه المعطيات ترتبط أيضا بخطورة التحديد الرمزي لهذا التنظيم الجماعاتي في مواجهة النظام السياسي والإجتماعي، وفي تحوّله الى ظاهرة ذات تمظهرات أمنية مسلحة يمكن توظيفها، ويمكن احتواؤها، وتهييجها في مواقع الصراعات والتنافس على المصالح وفي تهديد دول بعينها، ولعل ما أثير مؤخرا من حديث حول وجود بعض من جماعات “داعش” مع الجيش الأوكراني لهو دليل على فكرة سرية لمواجهة القوة الروسية، وإمكانية خطرها الوظائفي في سباق الحروب الدولية.
كما أن إحياء فكرة (الخلافة) كهاجس في منطقة تعاني من فشل سياسي ومن نوستاليجيات تاريخية، ومن غياب عميق للحقوق سيكون باعثا رومانسيا للحديث عن يوتوبيا الخلاص، إذ يرتبط إذكاء هذه النزعات بوجود جماعات دينية متطرفة تحاكي العقل الشعبوي النمطي في المنطقة، وتستثمر ضغط الاحتجاج على فشل الدولة العربية التقليدية، فضلا عن وظيفتها القصدية في تقليل الضغط على هوية العدو التاريخي للعرب والذي تمثله اسرائيل، واصطناع أعداء طائفيين ودينيين لهم أحكامهم الجائزة في فقه الجماعات المتطرفة.
العمل على صناعة الجغرافيا السياسية لداعش موضوع سياسي وليس أمنيا بالمعنى الدقيق، لأن هذه الصناعة تتجوهر حول العديد من المظاهر التوصيفية للظاهرة، وللعوامل التي تدخل في سياق تشكيل تهديد حقيقي للدول، وخلخلة موازينها التكوينية والصراعية أيضا، والتعبير عن إنهاء وجود التيارات القومية والليبرالية بعد أن تأكد عجزها وهشاشتها، فضلا عن تأثيرها الخطير في تحويل منطقة الشرق الأوسط الى منطقة جذب تسليحي للشركات الغربية، ومقايضة ذلك بالمزيد من أوهام الحماية والهيمنة على الثروات النفطية، وعلى الممرات الستراتيجية بحجة التهديد، وعلى إعادة هيكلة المنطقة على وفق اصطفافات جديدة لها علاقة بمفهوم الشرق الأوسط الجديد من جانب، والى قطع الطريق على نشوء ما يسمى بـ(المقاومات) الثورية، ودول الممانعة التقليدية من جانب آخر.
هذا الواقع الجديد يستدعي رؤية جديدة ومعالجات جديدة، لاسيما مع دخول الحرب الداعشية الى مصر، والتي تحمل معها رسالة سياسية إقليمية، لأنها تمس مصر بثقلها العسكري والجيوسياسي بوصفها الدولة القوية عربيا، إذ تصطنع سياقات أكثر تضخما للظاهرة الداعشية، ولخطورة تمددها في الجغرافيا القريبة من (إسرائيل) ومن (غزة) ومن الممرات المائية المهمة، ومن مناطق الاقتصاد السياحي المصري، لاسيما بعد الترويج الإعلاني لمبايعة جماعة بيت المقدس الإرهابية في شمال سيناء الى تنظيم (الدولة السلامية في العراق والشام/ داعش) وخطورة الهجمات التي تتعرض لها منطقة شمال سيناء، إذ بات الجيش المصري أمام وقائع جديدة وأمام حرب مفتوحة، وهو ما يعني توريط آخر الجيوش العربية القوية في حرب الاستنزاف التي تم توريط الجيش العراقي والجيش السوري فيها.
البعض يتحدث عن مرجعيات صراعية ساهمت في تشكيل تنظيم “داعش” بين التنظيمات الاصولية، وعن بروزه كـ(قوة) مضادة تتبنى مشروع (دولة) ذات توصيف ديني، وطائفي، وهو ما يعني عزل وجودها خارج تاريخ المواجهات التي تعالقت بالسياسة الأميركية في المنطقة، فالقاعدة وطالبان – وهما تنظيمان كبيران لما يسمى بفكرة الجهاد الأصولي- ارتبط وجودهما بالدعم الأميركي والباكستاني والسعودي، وأن تشظي هذه التنظيمات الى تنظيمات أخرى أكثر تطرفا، وأكثر تغلغلا في مناطق بعيدة عن الصراعات القديمة في أفغنستان، لا يعفي وجودها عن مراقبة الدور الأميركي، والسياسة الغامضة لاحتوائها، وفي توظيفها، وبالشكل الذي يضع تنظيم “داعش” في سياق سياسي وأمني مهدِد للعديد من الدول التي تتقاطع سياستها مع مصالح الولايات المتحدة. «داعش» والخليج غياب وجود “داعش” عن الجغرافيا السياسية والأمنية لمنطقة دول الخليج يضع أسئلة مضادة ومريبة، وحتى التفجيرات الأخيرة التي حدثت في السعودية والكويت لا يمكن وضعها في خانة التهديد المباشر كما هو الحال في سوريا والعراق وليبيا واليمن، بقدر ما تعني بعث رسائل طائفية الى هذه الأنظمة من جانب، ورسائل تتبنى لعبة خلط الأوراق من جانب آخر، إذ أسهمت هذه اللعبة في تشويه مفهوم الثورات العربية، وفي فتح الباب لتشكلات فقهوية أقصت وجود القوى الجديدة للتشكلات السياسية، بل أن بروزها جاء وكأنه تعبير عن القوة التطهيرية الأكثر حضورا وتأثيرا، وأن وجودها بهذه الطريقة الاستعراضية هو إعلان عن فشل كل القوى التاريخية التقليدية، بما فيها القوى اليسارية والقومية، لكن خطورة نشوء هذه الجماعات وتضخم ظاهراتها ينعكس على التعايش المجتمعي، وعلى تيسر إنبعاث الرسالة الايديولوجية والطائفية لداعش في تكفير الشيعة بشكل خاص داخل دول الخليج، ومحاولة إخراجهم من مجتمعاتهم بوصفهم الجماعات المؤسسِــة، وبشـكل خـاص مـن الخليج.
كما أن تعاطف وحماية بعض دول الخليج لبعض الاتجاهات السلفية يعكس أيضا تعاطفها مع ماتقوم به جماعات الإرهاب، والذي يستدعي توجهات تمويلية، وخطابا إعلاميا، ونزعات دينية تحمل معها أبعادا سياسية في المنطقة، والتماهي مع سياسة مخابراتية للولايات المتحدة والغرب في دعم هذه النزعات، وفي صناعة (أعداء جاهزين) يمكن المناورة بهم عند الضرورة في الصراع النووي الإيراني، وفي بروز قوى جديدة في الواقع العراقي، مثلما هو الحال في مواجهة تطلعات بعض الجماعات الفلسطينية للمطالبة بالدولة، وبالحصول على عضوية بعض المنظمات الدولية، وأحسب أن البيان الذي أعلن تنظيم “داعش” عنه قبل أيام باحتلال غزة وطرد حماس منها بحجة عدم قيامها بالواجبات الشرعية يؤكد علاقة ذلك بطبيعة الخطاب السياسي الإسرائيلي والأميركي في المنطقة. سقوط مدينة كبيرة مثل الموصل، أو مدينة مثل الرقة والأنبار وإدلب وبعض أجزاء من مدينة حلب وغيرها ليس أمرا يسيرا، لاسيما وأن الولايات المتحدة والعديد من دول الغرب تنتظم في حلف دولي لمواجهة “داعش”. هذا الأمر يثير في جوهره جملة من الأسئلة والمواقف والقراءات، والتي تتعالق مع طبيعة السياسات الغرب أميركية وطريقة تعاطيها مع تعقيدات المنطقة، إذ تفترض وجود زمن سياسي، وكارتلات، ومصالح لها التأثير الفاعل على إعادة ترسيم الحدود السياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط.

