Pdf copy 1

جمال جاسم أمين
تتنوع طرق إسقاط الآخر وتصفيته معنويا أو جسديا حتى تصل الى حد القتل! الامر الذي يحدث غالبا في فترات الصراع الدامي على المغانم والسلطة والجاه حيث يغيب العقل او يتراجع لصالح غرائزية عمياء لا تحسب حسابا لأية عاقبة ولا ترى من الزمن كله غير لحظة صراعها مع الآخر الذي تعتبره خصما ابديا ، هذا العماء هو المسؤول عن صناعة الكوارث الانسانية على مر 
الاجيال. الغريب في الامر ان المراجعات الفكرية لتلك الحقب الظلماء في حياة البشر وتاريخهم غير كافية لمنع تكرار تلك المشاهد بل نجد من يقدم التبريرات مجددا لايديولوجيا لا ينتج عنها غير ما نتج سلفا وافرز ما افرز، تتغير الحجج والبراهين بل والدعوى كلها ولكن الجوهر واحد، جوهر الاحادية وإسقاط الآخر بحجة فساد فكرته وعدم صلاحيتها 
بالمرة!. هذا النوع من الصراع يتجدد اليوم عبر تكفيرية جديدة ولعلنا نسمع ترادف هذه المفردة (تكفير) على السنة الاعلام مرة وفي خطب رجال الدين مرات عدة كما نسمع مفردة (التفكير) باعتبارها مضادا لقصور رؤية التكفير اذ يعمد بعض الكتاب والمؤلفين الى استثمار الجناس اللفظي بين المفردتين اولا وصولا للفارق الدلالي الذي استهلك تنظيرا ولكن دون جدوى، والسبب ان (التفكير) ليس بريئا كله ما لم يكن حرا بدرجة اكيدة بل ان بعضه لأجل التكفير!.
 في الادبيات التي تطلق على نفسها (عقيدة) يتم اختزال العقل في (عقدة)! لنقف امام ممارسة زائغة من نوع: عقل لإبادة العقل! تفكير لأجل التكفير!. يتم اختزال الزمن كله في لحظة والمعرفة في وجه واحد لا غير، وجه يراه صاحب الفكرة القامعة الى حد اللاشيء بعده!.
 هذا الابتسار هو الذي يقودنا مجددا الى تصحر التجربة وارتدادها من الرحابة الى العقم، من الزمن التاريخي المتحرك الى صورة من صور الابدية المفترضة!. ربما يفوت الكثيرين ان الانسان وحده هو الفكرة الاكيدة وانه صانع الافكار وملهمها بلا شك.
 لذلك لا ينبغي ان يكون ضحية لفكرة ما. هؤلاء يتخذون من المقدس مبررا لهدر الانسان عبر فورة تأويل ونوبة صراع تستهلك جيلا من البشر لتستقر اخيرا ذكرى باهتة في متحف الالم الذي طالما ضم صفحات موجعة لم يجن الناس منها شيئا ولعلنا نتذكر هنا الصراعات الكلامية التي سادت في تاريخنا وما نتج عنها كمسألة (خلق القرآن) التي انفجرت سؤالا ذات يوم ثم تلاشت دون أثر فعلي على الارض، ناهيك عن صراع العقل والنقل الذي قسم الناس الى اشاعرة ومعتزلة لينتهي ذلك كله بإبادة العقل واستهلاك السؤال ولكن دون جدوى.
 اذن كيف نضع معيارا للتفكير الذي لا يخلف تكفيرا! وللعقل الذي لا يبيد نفسه؟ لاجل هذا لا بد من تنبيهين اساسيين:
1- لا بد من الايمان بدءا بنسبية المعرفة خاصة على المستوى الانساني كي نتخلص من سطوة (الرائي) الذي يرى الحقيقة وحده! هذا الامر يحتاج الى اعادة توصيف الحقيقة ذاتها باعتبارها بحثا بشريا (دنيويا) وان الواقع هو المعيار، بهذه الطريقة يتخفف الكهنوت لصالح تجريبية لا تهدر الراهن الحي من اجل افتراضات ميتافيزيقية يصعب التدليل عليها، في (العقائد) يكثر مثل هذا الاحتكار المنتج للفرق الناجية كما يكثر التعصب ومن باب شرعي احيانا! باب الدفاع عن (العقيدة / العقدة)! 
2- لكي تصبح المعرفة معرفة حقا لا بد ان تتخلص من افتراض النتائج قبل المقدمات ولعل هذه النقطة بالذات هي الفارق الاكيد بين الفلسفة وعلم الكلام. وللعودة لاصل الموضوع نقول: على التفكير ان لا يكون مبطنا بنوايا مسبقة لإقرار نتائج معدة سلفا ، يقع  هذا النوع من التفكير في باب المخاتلة ولا يصلح مضادا للتكفير كما نزعم بل هو منتج له احيانا وداعم عبر اكثر من طريق فالمتطرفون هم ايضا لهم حجج نظرية يضعونها في خانة (الفكر) كما يزعمون، ولكن أي فكر؟ فكر لإبادة الفكر وقسره على افتراض يهدر الآخر ويلغيه او يختزله بذرائع شتى!.
ليس من السهل ان نضع خارطة طريق فكرية للتخلص من انتاج التطرف وورش التكفير المنتشرة عبر تنبيهات من هذا النوع فقط ذلك لأن المصالح المبتغاة هي الدافع والمحرك بمعنى ان الاصلاح الفكري ليس وحده المطلوب بل ان الاصلاح السياسي الذي يعيد توصيف السلطة وآلية الوصول اليها مطلوب بدرجة كبيرة ايضا، ما يعني ان مدلولات التكفير ليست دينية صرفة بل هي سياسية ايضا حتى وإن كان المصطلح متداولا ومشاعا دينيا.
التكفير هو النبذ والاقصاء ، الحرمان من حق المشاركة ، التفكير بالنيابة والاختزال ، التكفير احيانا سلوك اكثر منه فكرة. كل المستبدين تكفيريون ضمنا حتى وإنْ لم يصرحوا. علينا ان ننتبه الى الحدود المفتوحة لمثل هذا الاصطلاح وتمثيلاته على الارض كي لا نوفر غطاءً لتكفيرين خارج الدين! تكفيريي سياسة وتكفيريي اجتماع ، هناك من يمارس النبذ  الاجتماعي تجاه جماعة معينة بدرجة لا تقل ضررا عن النبذ الديني القائم على أسس التكفير، والحصيلة في كل الاحوال واحدة : الفرقة والتشتت، استئثار جهة دون اخرى، استبداد خفي او مقنع بتبريرات بائدة ، هذه الممارسات كلها صور للتكفير حتى وإنْ كان خارج مظلة التطرف الديني ذلك لأنه يستقي ويستفيد منه بطرق غامضة وخفية تتفق وتتضامن في المصدر ولكنها تختلف في الظاهر. بهذه الرؤية يمكن ان نحدد صورة التكفير الشاملة ، الظاهر منها والباطن لنقول: إن التفكير او إعمال الفكر دون ان يكون مشبعا بقيم الانسان وحقوقه المشروعة لا يعد ضديدا للتكفير بل قد يتضامن معه او يسنده من طرف خفي كأن يقدم له الحجج و البراهين الدامغة لحرية الانسان وقيمه وهذا ما يحصل غالبا في الدوائر الاصولية التي تريد ان تتمظهر بمظهر الفكر بينما هي صنمية في جوهرها، تمارس آليات فكرية لتصل من خلالها الى خلاصات استبدادية تكفيرية يصعب الخلاص منها.

التعليقات معطلة