Pdf copy 1

فاطمة ناعوت
في صدارة غرفة مكتبي، تقف بشموخ وعِزّة صخرتان صغيرتان بيضاوان فوق رفٍّ من رفوف مكتبة التذكارات في بيتي. هما من أثمن ما أقتني من نفائس وكنوز. عُمر الصخرتين أركيولوچيًّا، ربما يعود لملايين السنين، لكن عمرهما في حوزتي يعود إلى عام، إلا قليلا.الاثنين 11 أغسطس 2014.  زيارتي الأولى لمشروع القناة. أقف فوق أرض، لم تعد موجودة الآن. كتبتُ يومئذ في جريدة «الوطن»: “أقفُ الآن فوق رمال، لن تعود موجودة بعد شهور قليلة. تحت قدمي صفحةُ ماء تتكوّن في هذه اللحظة في رحم الأرض، لتولد من باطنها بعد شهور قليلة، فتغدو حُلمًا مصريًّا رسمته عقولٌ نابهة، وواقعًا جميلا صنعته سواعدُ عفيّة، ومستقبلا آمنًا لأجيال قادمة ستقفُ بفخر وتقول: هذا صنعه أجدادي المصريون العظماء. اتصل بي يومها صحفي من مجلة «الكواكب» يسألني: كيف سيتناول الشعراءُ والأدباء ذلك المشروع إبداعيًّا؟ فقلتُ له إن أية قصيدة، مهما بلغت من براعة صوغ، غيرُ قادرة على رسم الصورة أكثر من زيارة المشروع ورؤيته رأي العين. هنا قصيدة حية تحكي كيف يبدأ حلمٌ في التحقق فور الحلم به. كيف تبدأ السواعد المصرية في العمل والحفر والبناء، فور توقيع القرار بخاتم جمهورية مصر العربية، وتصديق الرئيس وصنّاع القرار. كيف تمرُّ الثواني والدقائق والساعات والأيام لترسم وجهًا آخر لخارطة مصر الجديدة. كيف تتولد قناة مائية باشّة مشرقة في صحراء جافة عبوس. كيف تتخلّق فوق الرمال الصفراء، صفحةُ من المياه الصافية المتلألئة ستحمل عما قريب سفنًا وحاويات عملاقة تجوب لتنقل خيرات العالم إلى العالم؛ فيشكرنا العالمُ الذي سيفيد من حلمنا وجهدنا الثري.  السبت 6 سبتمبر 2014. تاريخ زيارتي الثانية للمشروع. في أقل من شهر أوفى رجالُنا ما وعدوا، قبل الموعد الذي ضربوه لأنفسهم. حين سألتُ في المرة الأولى”: “متى نرى المياه؟» قال العميد العراقي: «بعد شهرين. تعالي يوم 11 أكتوبر وخذي حفنة ماء من القناة الجديدة.” لكن تباشير المياه ظهرت بعد شهر واحد، لأنه جيشنا العظيم. هم رجالٌ نزعوا من قاموسهم كلمات لا محلّ لها من دنيا الانضباط: “تأخير، فشل، نصف نصف….” رجالٌ لا يعرفون إلا مقولة: “Failure is NOT an Option”؛ «الإخفاق غير مطروح»، شعار رحلات الفضاء المكوكية.  أتأملُ الرمال الصفراء المشرقة مثل نُثار الذهب، وأفكر في أنها لن تكون موجودةً بعد برهة. لهذا جمعتُ بعضَها في قنينة صغيرة. ثم أختلستُ صخرتين صغيرتين من نتاج الحفر كأنما قطعٌ من خام الألماس. وعند عودتي لبيتي في المساء، أزحتُ صخرة صغيرة انتزعتُها من «سور برلين» كتذكار يشهد بوجوده قبل أن يسقط وتتوحّد الألمانيتان، ووضعت صخرتي بلادي في مكتبة «التذكارات» التي أحفظ فيها كنوزي وأسراري وتآريخَ العالم.  منذ كثير وكثير من السنوات، ظللتُ أحلُم بأن يتوحّد المصريون على حُلمٍ. مشروعٌ قومي نصطفُّ خلفه ويكون محورَ أحاديثنا ومادةَ ترقّبنا للغد. طالما حسدتُ الستينيين على اصطفافهم حول مشروع «قناة السويس» الذي لم أعشه. كان المصريون من شمال مصر إلى جنوبها يتحدثون عنه، لهذا كان ذاك الجيل مثقفًا وممتلئًا لأنه كان «مشغولا» بحلم مصري. جيلي لم يعش هذه اللحظات ولا الجيل اللاحق، لهذا تفشّت الأمراضُ المجتمعية كالطائفية والتحرش والفوضى والكسل والشكلانية، لأننا «فارغون من الحلم». الآن، أصبح لنا حلمُنا الخاص، وآن لنا أن «ننشغل» بصناعة الغد الذي أثق أنه سيكون نقيًّا من تلك الأدران التي أهلكتنا، وأهلكتْ مصر. 
يا جيشَ مصرَ العظيم، عِشْ أبدَ الدهر، احمِ ظهرَ مصرَ، وشيّدْ مستقبلَها، واصنعْ لنا الأمل.

التعليقات معطلة