نبيل جميل
الى / روح كارين ارشبير
في آخر كل شهر ، اعتادت المرأة العجوز ان تحمل ثقل جسمها المتهالك ، تسعى بخطوات مثقلة نحو مكان رقدته ، توقد شمعة وعود بخور ، تهيل قطرات من ماء الورد على شاهدة القبر ، ثم تفترش الأرض وتتلو : ( أبانا الذي في السماوات ..) ، تتيه وبصوت هامس في دهاليز حواريتها ، معاتبة وحزينة لانتقاء الرّب ! في ذاك الشتاء الكئيب .
كانت تتمنى لو ان ربيعاً ما سيفاجئها بنموّه ، مثل زهرة سَبُتتْ بفعل برودة الجوّ ، شعرت بقلبها يتهدل من مكانه من شدة الأسى ، حَنَت رأساً ملفوفاً بفوطة سوداء ، ومدّت يداً معروقة ، وبأصابع مرتجفة تحسست اسمهُ المحفور ، ثم بدأ صوتها بالارتفاع : ( غرفتك كما عهدتها نظيفة وأغراضها مرتبة / ملابسك مغسولة، كويتها كلها / انت منعتني من تلميع حذاءك ،( كاروووو) هل تذكر ؟ لكنني جهزت لك ثلاثة ازواج جديدة / صديقك ( أبا هند) عمل لك حفلاً تأبينياً استعان بعارضة افلام وشاشة كبيرة شعّت بالعديد من صورك واعمالك المسرحية / تحدث عنك الأصدقاء في تلك الجلسة ، تركوا لك كرسياً في الخط الأول ، كنا بانتظارك ومازلنا لكنك لم تأتِ .. وأجبتهم بدلاً منك : ( انه مازال يحلم (بغودو) فقد تقمص شخصيته .تناثرت كلمات العجوز في فضاء المقبرة ، وسط ضوضاء احدثها بعض الصبية الذين اقتحموا المكان فجأة ، يطاردون كلباً اجربَ بالعصي والحجارة ، رفعت رأسها لتودّع أبيها الذي في السماوات ، نهضت بتؤدة ، نفضَت التراب عن معطفها الأسود ، عادت ادراجها واسدلت الستار على يومٍ آخر مثل نهاية كل شهر