محمد صادق جراد
عند متابعة الأحداث الأخيرة في المنطقة يمكن القول بأن هناك واقعا جديدا اخذ يفرض نفسه على القضايا الإقليمية ويفتح الباب لاصطفافات ورهانات جديدة قد تغير من موازين القوى وتعيد توصيف مفهوم القوة في المنطقة، فهل ان ما يحدث كان نتاجا طبيعيا لانجاز الملف النووي الإيراني والاتفاق التاريخي الذي توصلت اليه إيران بقيادة روحاني مع الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية؟ وهل سيساهم الواقع الجديد في اتخاذ قرارات ومواقف جديدة باتجاه إيقاف الكثير من الحروب ومعاناة الشعوب في المنطقة لاسيما في العراق وسوريا واليمن؟. قبل ان نجيب على هذه التساؤلات لا بد من الاعتراف بأن الكثير من المشاكل والصراعات التي تعاني منها المنطقة كانت نتيجة الخلاف الإيراني الأميركي واستثمار بعض الدول الخليجية لهذا الصراع عبر محاولات توسيع الفجوة بين الطرفين في محاولة لضرب إيران الدولة المجاورة التي يعتقد البعض بأنها تشكل خطرا كبيرا على أمنه واستقراره، كما لا بد من الاعتراف بأن ساحات القتال في المنطقة تشهد صراعا ومواجهة غير مباشرة بين ايران والدول الخليجية، ففي الوقت الذي تدعم فيه دول نفطية مجموعات مسلحة في العراق وسوريا فان إيران تجد في تلك المجموعات تنظيمات إرهابية وتقاتلها وفق قرارات دولية تدعو الى توحيد الجهود الدولية في مكافحة الإرهاب، ومن هنا يمكن القول بأن هناك حربا وان لم تكن معلنة بين الطرفين.
الموقف الأميركي والأوروبي كان وعلى مدى سنوات طويلة الى جانب الدول الخليجية، والعقوبات الدولية الاقتصادية بحق إيران خير دليل على ذلك والذريعة دائما البرنامج النووي الإيراني. اليوم يبدو ان إيران قررت الخروج من شرنقة العقوبات حتى لو كان ذلك على حساب التنازل عن بعض الشعارات المعادية للولايات المتحدة الأميركية كالشيطان الأكبر وعدو الشعوب لأن ايران أدركت أخيرا ان مفتاح اللعبة السياسية يكمن في الحوار مع الكبار بعيدا عن التصعيد الذي تسعى إليه المملكة العربية السعودية عبر عدة قرارات متهورة منها تشكيل حلف لضرب الحوثيين ودعم تنظيمات مسلحة تحمل حساسية طائفية وإعدام النمر وقرارات أخرى عبرت عن استياء سعودي من الاتفاق النووي الإيراني لان الجميع يعلم بأن الاتفاق يعني ان الدول الكبرى قد وافقت وقررت ان يكون لإيران دور مهم في المنطقة باعتبارها قوة إقليمية فاعلة لا يمكن تجاهلها. ولذلك فان الواقع الجديد واعتراف الولايات المتحدة الأميركية والغرب بدور إيراني ايجابي يفرض على الفرقاء الإقليميين في المنطقة إعادة النظر بمواقفهم حول القضايا والخلافات السياسية والإقليمية والاقتصادية وعلى العراق ان يستفيد من المواقف الجديدة وان يحسن التعامل مع الملفات السيادية كما فعلت إيران. وعلى العرب ان يدركوا بأن المنطقة لم تعد تحتمل المزيد من الحروب الفاشلة التي تستنزف الطاقات الاقتصادية والبشرية وتنزف خلالها المزيد من دماء الشباب والأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ. ربما آن الاوان لأن تضع الحروب اوزارها وان ينشغل الجميع بترميم الاقتصاد من اجل توفير حياة حرة كريمة للشعوب بعيدا عن آهات الحروب.

