خالد الوادي
من الواضح إن الحياة تسير باتجاه خاطئ ، وإلا كيف لك أن تحيا بهذه النتانة ؟ جسدك يفوح بروائح لا تحتمل ، هل أنت راض عن نفسك ؟
كانت الحافلة تسير ببطء تحملنا نحن الغارقون باليأس ، تلقينا تباعا كالنفايات وتهرب كالقط المتوحش ، تزأر مبتعدة في عمق المدينة المنتحبة ، الملفعة بيافطات ضحايا الحرب ، يعتقد البعض إننا محظوظون حين أعادونا إلى حيث المعامل والدخان ، حيث الذين لا يبالون لأعوام شبابنا المتبخرة . فكل شيء من أجل المعركة ، واسأل نفسي كل يوم ذات السؤال المترنح ، الذي لا يأبه لما سيحدث بعد ذلك ، فهو اتخم من الحياة وشقائها ، في أي اتجاه نحن نسير ؟
لم يبالي لانتقاداتي اللاذعة ،  بات أكثر تصميما من ذي قبل على السير بنتانته حتى النهاية ، فهو يعتقد إن رائحته طاردة لكل شر قد يصيبه  ، كثيرا ما أشفق عليه ، أحدثه بتعقل وأقول :
ـ النظافة عنوان الإنسان .
يهزأ مني ويضحك ثم يهتف حزينا :
ـ انظر يا صديقي كم الوقت الآن ؟
كان النهار قد مضى ، وجاء الليل كئيبا يثير بنا نحن المعذبون آهات مكبوتة وأحاديث خفية تشبه الهمس ، والعيون تطالع بعضها ، عيون غائرة تهتز مع اهتزازات الحافة المتهرئة الماضية نحو غرف نومنا الخاوية من الحياة ، فنحن فقدنا الكثير من إنسانيتنا وأصبحنا أرقاما تأتي مع هزيع الليل الأخير وترحل متعبة ، منهكة وقد مضى اليوم بشمسه وهوائه ، ببرده وحره ، بتقلباته ، ونحن مسمرون كل بمكانه ، نواصل الحياة كالكلاب أو أدنى .
ها هي الحافلة تتوقف ، نظرتَ إلى الساعة كانت تشير إلى الثامنة والنصف مساء ، كان يمشي بجانبي ، مرهقا تفوح من جسده تلك الرائحة الدسمة رغم برودة الطقس ، قلت له ـ أرجوك جرب أن تستحم هذا المساء ، وستشعر بشيء مختلف يعيدك إلى ما كنت عليه من قبل .. بالحقيقة كان نظيفا بصرامة وأنيقا أيضا ، كنا نمضي نحو المدرسة وأراه من بعيد ، وسيما ، وحالما ومحبا للحياة .في الجبهة طرأ على سلوكه الكثير من التغير ، لم يعد مؤمنا بالحياة ، أصبح مهووسا بالخوف يداهمه الإسهال على الدوام ، حتى بات نحيفا كالقصبة ، يهزأ منه الجنود رغم المشتركات التي كانت تجمعهم ، من خوف  وهذيان ، وحين جاء اليوم الذي غادرنا الخنادق ، متجهون نحو معامل التصنيع العسكري ، وجد نفسه مثقلا بما لا طاقة له عليه ، في لحظة أستلم معوله وانحنى يزيح الخبث اللعين عن مكائن الصهر الحارة ، مكان يشبه الجحيم يعج برجال متوحشين يرتدون البدلات الزيتونية ، يتمنطقون بمسدسات ضخمة ، وقطع من قابلوات مرعبة يلوحون بها تهديدا للجميع ، يهتفون بقسوة ( أعمل قشمر ) عبارة يستخدمونها كثيرا ، فهي بمثابة  الانتصار الذي يبحثون عنه ، انتصار يحيلنا إلى جموع من الإهانات والقهر والاضطهاد .
في الرابعة فجرا أصحو مذعورا ،
 ذعر كالملازمة ، بل هو ملازمة فعلا ، فالحافلة لا ترحم ، هي رقم كما نحن يحددها الوقت المهدور ببطء ، لا مجال للأعذار حتى وان كانت حقيقية .
أخرجَ مكسورا نحو الشارع ،
 أقف عند الناصية تلفحني رائحة البيض المقلي ، لقد اعتادت عيناي مشهد الشيخ وعجوزه  وعربتهما الفائرة بالصمون والبصل والطماطم ،
 يقدمان لزبائنهما  الجنود أطباق الطعام ، والكل هنا يأكل مسرعا ، خوفا من الوقت ومن المتوحشين الذي لا يأبهون لهذه الإنسانية المعذبة ، في هذا الوقت تطل الحافلة ، عوراء بمصباح واحد .. تتوقف بازدراء ، ومع توقفها أنتبه ، أين ذلك المخبول ؟ أكاد لا اصدق فهو لم يحضر .
ـ أصعد .. أصعد
هتاف جاء  مجنونا ، من السائق ومن المتأهبين ليوم عمل طويل ، طالعت المقاعد والوجوه ، عسى أن أجده ، لكن دون جدوى ، ومع انقضاء اليوم عدت خائفا أبحث عنه ، طرقت الباب .. ها هو صوت أمه أتى رخيما خائفا ـ من هناك ؟
ـ أنا .. أين هو ؟
فتحت الباب تمسح دموعها بشالها الأسود الخشن .
ـ يا ولدي .. أنه في مستشفى المجانين ، صديقك جن هرعت مسرعا نحو المستشفى اسأل عنه ، أحاول أن أجده ، ومع البحث وجدته جالسا على السرير مع الكثير من المجانين ، 
يهز رأسه بانتظام كأنه بندول ساعة .
ـ ما بك ؟
نظر إلي حزينا ثم أبتسم وبعدها قال : 
ـ كن نتنا نتجو !!

التعليقات معطلة