الناقدة والتشكيلية التونسية: خيرة مباركي
“تمهل حبيبي” ..قصيدة للشاعر أحمد قنديل ..هي قصيدة “مشاكسة” و “مراوغة” تُظهر ما لا تبطن ..تقول وكأنها تستعد للقول ..وما قاله شاعرنا إنما هو بوابة لعالم بلا قرار ،فيبدأ القول حين تنتهي القصيدة لأنها كون الشاعر الذي أنشأه عبر صور موحية ..رامزة ..رغم مافيها من وضوح ..لعله وضوح الغموض الذي يحملنا إلى عوالم غير العوالم التي أوهمنا بها وأقنعنا بوجودها ..لقد أقنعنا بنسيج يتهادي على أوتار القص من خلال ما عرضه من مقومات تجعل من الخطاب مغامرة ، تعلنها عاشقة طالبة للوصل تشم رائحة الدنيا فتنطق بالأحلام وتنثرها على ثرى الأثير بخطاب انفعالي أجرته على حركة الطلب بالأمر والالتماس ..هو طلب قول بين الرغبة والفعل يكشف انفعالات ذاتها لحظة عشق وانفلات لعنان العاطفة ..هو اللامتناهي للشوق ..للصبابة ..للهوى المكتوم ..يتوارى بين أعطاف خطاب هو مسافة ما بين الأحلام والرؤى ..بين الماضي والحاضر ..بين الخد والخد ..بين الشهد والنهد ..وبين البرد والصهد …وبين هذا وذاك رغبة متوهجة ..هي المحضور المضمر في ذواتنا …هي حوار افتراضي يقوم على المكاشفة والتذكير ..كلام غانية في عشق عاشق معشوق …ولكنه صوته لا صوتها -وإن أقنعنا بغير ذلك – ورغبته المتوهجة لصهد ذات لامتناهية ..ليست بين حبيباته ولا نسائه الجميلات اللواتي يحطن به ..هي غيرهن ..هي أحلامه ..الرغبة في أفعوانها والشهوة في قمة تأججها ..و أنغامه اللامتناهية في أعماقنا التي تحتلنا ..هو عشقه الباذخ المثير ..إذا فهذه القصيدة هي جواز سفرنا إلى عوالم شاعرنا الداخلية ..عوالم سرمدية تنطق فيها النجمات السّاهرات بألحان خمرية معتقة .. بألحان عشق مشهود .. مكدود ..منشود هي شهرزاده المعصورة من غض الكروم ..معتقة من أناغيم صهد مكتوم ..موؤود يتمرد على الكلام المباح ..فيتهادى ما بين خد ونهد ..يجاوب الصدى ويصادر المسكوت عنه في أعماقنا ..إنه الشاعر ..شاعر كثير الكلام لفظا ولكنه قليله فعلا ..لأن هيامه المغامر في غياهب الوجد يختنق من أوردة الشرنقة ..وآن الأوان أن يمزق هذه الأوردة ويطير مع الفراشات ..في سماء اللذة بأنفاسه الباذخات عبيرا ..الزافرات صواعق البوح المفضوح بمجانيق الهوى في الأفق المكتوم ..شهد ونهد ..وخد وصهد وورد وبرد …بالدال دويه بالدل والدلال .. بالإشارة والإنارة ..وبالرغبة المكتومة ..بالطلب الصامت ..والأنامل الماجنات …أنها “الديونيزية” تأليه للذة وعبادة لفواكه أفقها المصلوب ..في الواقع الآسن الذي يصلب الصبابة على أنغام موؤودة ..ولكن الشاعر يكسر القيد بأن يجعل لذاته فضاءا افتراضيا يمارس فيه المحضور والعشق الممنوع ..يصادر القوة العمياء ..الخرساء في نواميسنا التي تفرض القيود ..ودليلنا في ذلك لغة لم تستطع أن تخفي أسرارها بسجل باد على هذا النسيج هو سجل اللذة من حقول الفواكه و غض الكروم إلى تفاحة الإفك الحرام أليست من أنزلت آدم من عليائه ليكون نغما حزينا في عالم مسطول ؟ ..فلئن توارت خلف خطاب امرأة فاجرة المعاني تنطق بشبقية العشق الوثني ..فإنها لا تتحمل اخفاء هذا المعجم لأنه موصول بكل أنواع اللذة من شهد وعطر ..هنا قد يحق لنا أن نقتحم عوالم الأسطورة ..في هذه المحاورة بين البنت والولد لعلهما أساف ونائلة في أسطورة العشق الممنوع ..وآدم وحواء وملحمة النزول إلى الأرض ..بهذا الاستعداد للقفز ..فهل هو حركة النزول ..بنزول المادة إلى أفقها السفلي أم حركة صعود من عام متناه إلى عوالم لامحدودة ..؟إنه الابداع حين يثير الأسئلة وحين يخرج عن المألوف …
تَمَهَّل ْ حَبِيبِي
قَالَت ْ البِنْت ُ
لِلوَلدِ المُتَحَفِّز ِ للقَفْز ِ
بَيْنَ حُقول ِ الفَوَاكه ِ
والمُتَحَيِّن ِ
شَم َّ العَبَيْر ِ النضير ِ
عَلى بَتَلات ِ الزُهُور ِ
الخَمِيْر ِ … : حَبِيبِي ْ : َتمَهَّل
ت..م..ه..ل
رُوَيْدَا ً … رُوَيداً
وَخُذ ْ
ما تُرِيد ُ مِن َ الوَرْد ِ
لَكن ْ بِرِفْق ٍ
وذُق ْ …ما تُرِيد ُ من الشَهْد ِ
لَكِن ْ بعِشْق ٍ
تَمَهَّل ْ…تَمَهَّل ْ
فَنَهْر ُ حَنَانِي َ
ما أغْدَقَه ْ.!!
تَمَهَّل حَبِيْبِي َ
حتَّى أُعِدَّ لِطَيْفِكَ هذا الأثير ِ
سَرَيراً عَلَى شُرْفَة ِ الصَّدْر ِ
بين َ الضلوع ِ
أُهَدْهِدُه ُ بالحَنِين ِ إلَيْك َ
لعَامَين ِ مَرَّا….وتَصْحَبُنِي
الذِّكْرياتُ الطّوال ُ
لِطَيفِك َ ذاك َ الصَّموتِ
ال يَنَام ُ …بِقُرْبِي َ فوق َ الوِسَادة ِ
فِي كُلِّ ليل ٍ….وَكَم ْ ذا أحاوِل ُ
بالعِطر ِ….أن ْ أُنْطِقَه ْ
تَمَهَّل ….وحَتَّى يَجِن َّ الظَّلام ُ
وتَرْعَاك َ نجْماتيَ السَّاهرات ُ
لِدَرْب ِ الفواكِه ِ
تَقْطُف ُ
تفَّاحَهَا المُسْتراح َ
وَتَسْمَع ُ ..مِنْها الكلام َ المباحَ
وتَعْصِرُ غَضَ ّ الكرومِ ِ
وتختار ُ مِن ْ خَمْرِهَا
أَعْتَقَه ْ…وأعْرِف ُ أنَّك َ كَم ْ كُنت َ
تَهْوَى العُطُور َ التي تَسْتَثير ُ
أنَامِلَك َ الماجِنات ِ
وَأنْفَاسَك َ الحَارِقَات ِ
وتِلْك َ الأنامل
حين تمر ُّعَلَى صَفحةٍ
من كِتَاب ِ النعومةِ
ما بَيْن َ أَخْذ ٍ وَرَدٍ
وما بين خدٍّ وخد ٍ
وما بينَ شهْدٍ وَنَهْدٍ
وما بين برد ٍ وَصَهْد ٍ
يدور ُالبَخورُ….وتَهمِي العطورُ
ُتَنِزُّ المَسَام ُ
عَلَى وَقع ِ أنْفاسِك َ
المُحْرِقَه ْ…أَقُوْل ُ
تَمَهَّل حَبيبيْ…وكُنْت َ
تُطَوِّقُنِيْ وَقتَهَا في عِناق ٍ لَدَيْك َ
وَتُلْصِقُنِي في حَنَان ٍ إليك َ
وتَأخُذ ُ خَدِي َبين َ يَدَيك َ
وكَم ْ …كُنْت ُ أَشْعُر ُ أنَّك تُوشِك ُ
مِن ْ شدَّة ِ الشَّوْق ِ …وَالتَّوْق ِ
أن ْ تَسْرِقَه ْ
أَتَذْكُر ُ
يا أيُّها الشَّاعِر ُ المُسْتَهَام ُ
كثير ُ الكَلام ِ . !؟
المُحَاوِل ُ …أن يَتَخَطَّى الحُدُود َ
المُفَكِك ُ
أزْرَار َ نَبْض ِ القصيدِ ِ
المُسافِر ُ عبرَ الوريد ِ
المغامر ُ …فوق َ قميص ِ الحديقةِ
منتهزا ً…غفلة َ الحَارِسَيْن ِ
اللَّذين ِ ينَامان ِ مُتَكئين ِ
عَلَى شُرْفَتِي مُنْذ ُ عَامَين ِ مَرَّا
ويَنْتَظِرَان ِ الخُرُوج َ إليك َ
من الشَّرْنَقَه ْ
أتَذْكر ُ
تلك َ الفواكِه َ ..!!؟
أضْحَت ْ …بِهَجْرِك َ مِثل َ الطيور ِ الحَبيسةِ
كُلّ صباح ٍ …يُناجِيك َ طَيْرِي
ينَادِيك …يا كُلَّ عُمْرِي
ويَسْقِيك َ
في الحُلْم ِ خَمْرِي
ويَرجُوك َ…تأتي تُرَاوِد ُ هذا القميص َ
تُمَزِّق ُ تلك َ الخيوط َ
تُحَرِر ُ تلك الفواكه َ
يرْجُوك….في الحلْم ِ
أنْ تُطْلِقَه ْ
فَهَلَّا أتَيْت َ …ليقفز َ مِن ْ حَبْسهِ طَائر ٌ قَد ْ تَمَرَّد َ
ذَاك َ الذي …قد ْ تَمنَّي طَويلاً طَويلاً
تُدَاعِب أقفال َ محْبسهِ
بيديكَ….وكم ْ ذا تَمَنَّى
كثيراً….كثيراً
بِكَفَيْك َ هاتين ِ
أنْ تُعْتِقَه ْ
تَعَال َ حَبَيْبي ْ
فَبُسْتَان ُ عِشْقي َ
دونك َ أنت َ
عليل ٌ …عليل ٌ
وَ بُرْئِي
مِن َ العِشْق ِ …أن ْ تَعْشَقَه ْ

