سميح صعب
قبل القمة التي جمعت الرئيس الاميركي باراك اوباما وزعماء مجلس التعاون الخليجي في الرياض، قيل الكثير من الكلام عن العلاقة بين و اشنطن ودول الخليج، ولا سيما السعودية. ومن الواضح ان هذه العلاقة يشوبها الكثير من التناقض والخلافات في الرأي، ما انعكس توتراً في جملة من القضايا التي تهم المنطقة، وزاد التوتر مع الانتقادات التي وجهها أوباما الى السعودية ودول خليجية أخرى في مقابلته مع مجلة «أتلانتيك». يومها وصف الرئيس الأميركي دول الخليج بأنها تشبه «الراكبين بالمجان». لكن ما يجدر التوقف عنده هو أن العلاقة الاميركية-الخليجية بدأت بالتدهور منذ أن عدل أوباما عن تهديده بتوجيه ضربة عسكرية الى نظام الرئيس بشار الاسد في سوريا في آب 2013 والقبول مع روسيا بتسوية قامت على نزع السلاح الكيميائي السوري. لكن الامتناع الاميركي عن اسقاط النظام السوري عسكرياً كان يخفي خوفاً أميركياً من عدم توافر البديل أكثر منه لسبب آخر. وما كشف عنه اوباما في مقابلته مع شبكة «فوكس نيوز» الاميركية للتلفزيون قبل ايام عن أن ليبيا كانت من اسوأ الخيارات التي أقدم عليها في السياسة الخارجية ليس دفاعاً عن نظام معمر القذافي وإنما للتقصير الغربي في إيجاد بديل يجنب ليبيا الفوضى التي انساقت اليها بعد سقوط النظام فيها. وكان لوم أوباما منصباً بالدرجة الاولى على حلفائه الاوروبيين، ولا سيما فرنسا وبريطانيا.
ربما كان الخوف من تكرار السيناريو في سوريا هو الدافع الذي حدا بالرئيس الاميركي الى التروي في توجيه ضربة عسكرية للنظام السوري. أما من وجهة نظر الدول الخليجية فانها كانت تتطلع فقط الى اسقاط الاسد من دون النظر كثيراً الى ما يمكن ان يترتب على ذلك من سيطرة الفوضى الكاملة على سوريا.
والعامل الثاني الذي لعب دوراً كبيراً في تعميق الشرخ بين أدارة اوباما ودول الخليج، كان التوقيع الاميركي على الاتفاق النووي مع ايران. فدول الخليج كانت تفضل استمرار العقوبات على طهران حتى تقبل بالتخلي النهائي عن طموحاتها النووية حتى السلمية من بينها. وليست هذه النقطة الوحيدة التي كانت تقلق دول الخليج، بل أن الدور الايراني في المنطقة يولد قلقاً لدى هذه الدول يفوق بكثير ذلك الناجم عن الطموحات النووية. ولا يبدو الفكرة التي طرحها أوباما على الخليجيين بـ”تقاسم” النفوذ مع ايران في المنطقة قد لقيت استحساناً لديهم، بل زادتهم نفوراً من واشنطن وجعلتهم يرتابون أكثر بالنيات الاميركية. ولم يخفف من الخشية الخليجية التعهدات الاميركية الضمانات الامنية التي تعهد بها أوباما للدفاع عن الخليج في حال تعرض دوله لأي اعتداء.
ودفع تزايد الشك في العلاقة مع الولايات المتحدة بالسعودية الى انتهاج سياسة قد لا تروق كثيراً للولايات المتحدة. وهكذا كانت الحرب على الحوثيين في اليمن. كما ان الدعم الخليجي لفصائل عسكرية مسلحة في سوريا يحول دون قبول هذه الفصائل بالتزام حل سياسي للأزمة السورية ويدفع الامور الى مزيد من التصعيد.
كل ذلك أوجد اكثر من سوء تفاهم بهذا الاتساع للمرة الاولى بين ادارة اميركية ودول الخليج. ولا يبدو ان رهانات البعض في الخليج عن امكان عودة الامور الى سابق عهدها بمجرد مغادرة اوباما للبيت الابيض بعد أشهر. إذ أن الشرخ الموجود في العلاقات ليس قائماً على مسألة شخصية وإنما نابع من المسألة التي تنظر بها الولايات المتحدة الى مصالحها في الشرق الاوسط. ومهما كان اسم الرئيس الاميركي المقبل، فإنه من المستبعد أن ينقض سياسة اوباما ويعود الى بناء سياسة من نقطة الصفر.ان الاولوية للولايات المتحدة الان في الشرق الاوسط هي القضاء على تنظيم «داعش» الارهابي، بينما يتمسك الخليجيون بأولوية إسقاط النظام السوري على رغم ان ذلك يسهم في تقوية الارهاب. واذا ما عادت اميركا الى دعم الخيار العسكري ضد الاسد فإنها بذلك تطيل عمر الحرب ليس في سوريا فحسب وإنما في العراق ايضاً. ولن يكون من شأن نقض الاتفاق النووي مع ايران سوى تصعيد الاخطار في المنطقة. لذلك من الصعوبة بمكان على أي رئيس اميركي مقبل ان يتخلى بالكامل عن سياسة اوباما ويعود الى نهج التصعيد في الشرق الاوسط، لا سيما أن مثل السياسة جربتها اميركا وادخلتها في اكثر من ورطة.

