حسن الكعبي
لا يمكن للسلطة السياسية في مسعاها لحكم مجتمع ما، ان تكون فاعلة وقادرة على التاثير في محيطها الاجتماعي، اذا كانت خطابتها المصدرة لهذا المحيط تصدر عن سياق متعال، يكشف عن عدم فهم المشكلات التي يعانيها المجتمع والمتطلبات التي يحتاجها، فالسلطة يفترض بها انها تعي المشكلات والمتطلبات الاجتماعية مسبقا وتمتلك ستراتيجيات ازاءهما لان السياسة عموما وارادة السلطة تعنيان في الفهم الفلسفي والثقافي انهما ممارسات اجتماعية وان خطاباتهما اجتماعية اشارة الى تحرر الخطاب السياسي او خطاب السلطة السياسية عن العقد النخبوية التي تهيمن على مجالات اخرى، كالادب والفن مثلا، فالنخبوية وخطاباتها في هذين المجالين يتحولان في كثير من الاحيان الى فضيلة لهما فالانزياح والتوريات والكناية والاستعارة والمجازات التي تستخدم في هذين المجالين تجعل من العلاقة بين الدال والمدلول علاقة معقدة تحتاج الى وعي استثنائي وكون الادب والفن يفترضان لانتزاع دلالات خطاباتهما الابداعية وعيا ابداعيا فان فضيلتهما تكمن ضمن هذا الافتراض الذي يطور الوعي ويمنحه صفته الابداعية على عكس الخطاب السياسي الذي يكون فيه الدال عين المدلول، اي ان الخطاب يصدر عن طابع المشاكلة او المطابقة لانه في طبيعته متجرد عن مشترطات اللغة الفنية والادبية في احتكامهما الى الانزياحات وما شابه من تحميلات جمالية تسيطر على طابع الانتاج الفني والادبي هذا على صعيد اللغة التي من خلالها تتكشف الافعال والممارسات وفاعلتيهما التاثيرية في السياق الاجتماعي.
ان المقارنة بين الادب او الفن والسياسة هي مقارنة على المستوى اللغة التي هي نتاج فهم بالمشكلات الاجتماعية وتمثيلها لغويا فاللغة ضمن هذه الحقول هي نتاج ممارسات اجتماعية والخطاب السياسي او الادبي لا يمكن ان يتشكل الا من خلال تمثل المشكل الاجتماعي والاتجاه الى سياقاته، واذا كان الامر كذلك فان الفن والادب يمتلكان فضيلة اخرى تتجلى في انه ومهما بالغ احدهما في نخبويته فانه لا يفرض خطابه على المجتمع لان رهانات الادب والفن هي رهانات مستقبلية تفترض ان هذا الخطاب موكول للمستقبل الذي سيتكفل في طرحه جماهيريا وبذلك فان الادب يمتلك صفته الديمقراطية وقدرته العجيبة على عدم الانعزال عن المجتمع في حين ان الخطاب السياسي هو خطاب آني فاذا كان نخبويا فانه يحكم على نفسه بالعزلة عن المجتمع والتضاد معه واذا حاول ان يفرض هذا الخطاب على المجتمع فانه يجنح الى استعمال سياسة القهر والاستبداد على المجتمع وفي كلا الحالتين فانه يعيش عزلة تامة عن المجتمع على مستوى الخطاب وعزلة عن فهم المجتمع، لكن في الآن ذاته فان هذه العزلة تفرض البطش والاستبداد على مستوى الممارسة اي ممارسة السلطة تجاه المجتمع
الذي تحكمه، فالعزلة في القاموس السياسي لا تعني الابتعاد عن المجتمع وتركه لحاله انما تعني الانعزال عن فهم مشكلاته والتضاد معه واعلان الحرب عليه.
ان الاسباب الكامنة وراء النخبوية السياسية هي عدم التماس مع الشارع وفهم مشكلاته الاقتصادية والاجتماعية والذي ياتي اي هذا التماس عبر خبراء في الشؤون الاقتصادية والتخطيط العمراني بوصفهما وسائط فاعلة في فهم حاجيات المجتمع وافهامها الى السلطة التي تعتمد اعتمادا كليا في انتاج خطابها على الايضاحات المضمنة في تقارير هذه الوسائط، فالوسيطة الاقتصادية تكشف عن حاجات السوق الفعلية للمجتمع ووسيطة التخطيط العمراني تكشف عن معدلات النمو الاجتماعي وحاجاته الخدمية الفعلية من مشاريع لها مساس بواقعه الاقتصادي ومن ذلك ينشأ التفاعل الاجتماعي مع خطابات السلطة السياسية وهذا الامر معروف في نطاق الدول المتقدمة التي ابتنت خطاباتها على فهم عال بمشكلات مجتمعاتها واعتمادها اعتمادا كليا على تقارير وسائطها الفاعلة اقتصاديا واجتماعيا في حين ان سلطاتنا العربية المستبدة تكشف خطاباتها عن استبعاد هذه الوسائط ( وهذه خصيصة عربية متاصلة
في استبعاد وقمع الخبرات ) وبالتالي عدم فهم مشكلات المجتمع والانعزال عنه وفرض طبائعها الاستبدادية
عليه .
ان امثلة العزلة السياسية لها تجليات كثيرة في الشأن العربي وفي الشأن العراقي فقد كشفت بعض الخطابات وهي تسعى لابداء رأيها حول الازمة الاقتصادية التي يمر بها البلد عن تلك العزلة الشاسعة عن المجتمع وعن عدم فهم المجتمع وما يمر به ولو فهما بسيطا او نسبيا بل انها خطابات تشعر المتلقي بانعزال مثل هذه الخطابات عن المجتمع بأزمنة تقدر بمئات القرون في افضل حالاتها والا فان الشعور الحقيقي تجاه هذه النوعية من الخطابات
بانها خطابات تستهين بالمجتمع وتستهزئ بمشكلاته الى ابعد الحدود وانها تتقصد التعامل معه بفوقية لا مثيل لها في تاريخ الاستبداد العربي الذي عامل مجتمعاته بأسوأ اشكال الامتهان .