جيمس ماكولي

يردد المتظاهرون الفرنسيون هذه الأيام كلمة مشتقة من التاريخ اليوناني القديم هي «أغورا» Agora للتعبير عن الساحة المركزية التي يعتبرونها القلب الاجتماعي والسياسي لمدينتهم. ومنذ يوم 31 مارس الماضي، تجمع مئات الآلاف من المتظاهرين، وأغلبهم من الشبان صغار السن، في الساحات المركزية للمدن الفرنسية المختلفة بعد أن وجدت فيها الحركات الاجتماعية المعروفة باسم «وقفات الليل»، ضالتها المنشودة في أثناء بحثها عن اعتماد «أغورا» جديدة لكل مدينة.ويأتي هذا التدفق غير العادي للمتظاهرين الفرنسيين الشبّان إلى الشوارع، كرد فعل على الخطة الحكومية الرامية لإصلاح منظومة العمل، والتي تتيح لأرباب العمل الاستغناء عن موظفيهم بسهولة أكبر، واعتراضاً على فكرة تخفيض عدد ساعات العمل الأسبوعية إلى 35 ساعة.وقد أصبحت حملة «وقفات الليل» تحاكي أعمال الشغب الشهيرة التي مارسها الطلاب الفرنسيون عام 1968 إن لم تتفوق عليها من حيث أعداد المشاركين ومدى حماستهم للشعارات التي يطرحونها. وهي في حقيقة الأمر، ليست ردة فعل على سياسات معينة حتى لو بدا من الناحية الظاهرية أن المحتجين يهتفون ضدها. ويمكن القول بشكل عام، إنها فورة ارتجالية ضخمة من حيث الحجم وغير مصحوبة بالعنف وتخلو من أي برنامج واضح أو مطالب محددة.ويبدو وكأن هذه المظاهرات تمثل النسخة الفرنسية للتظاهرات المعروفة في نيويورك تحت عنوان «احتلوا وول ستريت» التي تتلخص في رفض غير مكتمل الأركان لما يسميه المشاركون فيها الوضع الراهن أو الواقع المعيش. وبالنسبة لفتاة عمرها 17 عاماً مشاركة في المظاهرات تدعى «جالاتي دو لارمينات»، فإن الهدف من التظاهر هو «العثور على الديمقراطية الحقّة» التي قالت في وصفها لها يوم الإثنين الماضي: «إنها ليست الديمقراطية التمثيلية، بل الديمقراطية المباشرة التي تعتمد على المجالس التي تضم المواطنين، ويمكن تسميتها المجالس الشعبية». وذكرت «جالاتي» لوسائل الإعلام أنها قصدت ساحة الجمهورية في باريس 10 مرات خلال الأسبوعين الماضيين، وهي تمثل المركز المفضل وغير الرسمي لحركتها. وكانت تقضي ساعات طوالاً في كل مرة.وبمعنى أكثر تحديداً، يسود المتظاهرين إحساس طاغٍ بأن الحكومة الفرنسية في عهد الرئيس الاشتراكي فرانسوا أولاند انحرفت عن أهم الشعارات التي يرفعها هذا الحزب اليساري عقب الأحداث الإرهابية التي شهدتها باريس في شهري يناير ونوفمبر من العام الماضي (2015). وبالنسبة لكثير من أتباع هذا المعسكر، فإن الإصلاحات المتعلقة بمنظومة العمل، بالإضافة لاقتراح سحب الجنسية الفرنسية من المواطنين ذوي الجنسية المزدوجة والمتهمين بالضلوع بأعمال إرهابية، تعد من الخروقات الواضحة للقيم التي ينادي بها الحزب. وبالنسبة لآخرين، فإن حالة الطوارئ التي أعلنها أولاند عقب الأحداث الإرهابية لم تفعل شيئاً أكثر من تعزيز «القوة البوليسية» لبث الخوف في أوساط السكان. وقالت لارمينات: «إن الحزب الاشتراكي الآن أصبح حزباً ينتمي إلى اليمين». وكذلك قال متظاهر عمره 27 عاماً يدعى «مكسيم تانت» ويعمل في متحف للفنون في باريس: «هذه ليست حكومة يسارية على الإطلاق. وهي لا تمثل شيئاً من اشتراكية جان جوريس. وما هو قائم الآن ليس ديمقراطية بالمعنى الصحيح، بل هو نظام تمثيلي أرستوقراطي. أما الديمقراطية الحقيقية فتعني قوة حكم الشعب بواسطة الشعب ذاته».على أن الممارسات اليسارية لحركات التظاهر غطّت على هويتها الديمقراطية وألقت ظلالاً قاتمة على استعدادها للانفتاح على الحوار. ومن أمثلة ذلك، ما حدث مساء السبت قبل الماضي عندما تعرض الفيلسوف الفرنسي ذو التوجهات المحافظة «آلان فينكيلكرو» للمضايقات والإهانات من طرف المتظاهرين فيما كان يهم بدخول ساحة الجمهورية.وبالنسبة لمعظم هؤلاء الذين دأبوا على التجمع في باريس، تمثل ساحة الجمهورية رمزاً عظيماً بسبب ارتباطها بأحداث الثورة الفرنسية وعظمتها التاريخية وأهميتها في الحياة العادية للفرنسيين بعد الثورة التي اندلعت في عام 1789.وقد اختار المتظاهرون الباريسيون هذه الساحة للتعبير عن تضامنهم. وإليها سعوا عقب الهجوم الغاشم على مقر مجلة «شارلي إيبدو» في يناير 2015، وأقاموا فيها موقعاً تذكارياً لضحايا هجوم 13 نوفمبر الذي خلف 130 قتيلاً في باريس. ولئن ظلت هذه الساحة ميداناً للتعبير عن الحزن، فإنها أيضاً ساحة يتخذ منها أكثر من 3 آلاف متظاهر مسرحاً يتجمعون فيه كل ليلة للتناقش والتحاور في قضايا الساعة.

التعليقات معطلة