الناقد والشاعر اشرف قاسم /مصر
لا شك أن الشعر في أبهى تجلياته هو تعبير عن هموم الواقع ، إيمانا بقيمة الحياة و إعلاء لقيمة الحرية ، و من هنا وجب على المبدع ألا ينفصل عن الواقع ، بل أن يلتصق به في شتى انساقه. 
و من هنا أيضا جاءت قصيدة النثر مواكبة لما يمور به هذا الواقع من حراك و تناقضات ، معتمدة على اللغة المكثفة و الصورة المستوحاة من أتون هذا الواقع الملتهب .
في ديوانه للكراهية جدران .. للغيم أظافر للشاعر العراقي مؤيد عبد الزهرة أول ما يفاجئنا هو هذه اللغة الثائرة المقامة على هذا الواقع الذي يعيشه العراق في ظل هذا الاحتلال الانجلوامريكي منذ سقوط بغداد آخر حصون العرب منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي ، هذه اللغة التي يطرح الشاعر من خلالها أسئلة الحرية و الدفاع عن الوجود الذاتي و الحضاري ، و اقتناص اللحظات العابرة لتأطيرها داخل نصوصه كنوع من التوثيق الرؤيوي المكثف :
الكراهية جدران
للمناطق هويات عرجاء
ترسم الخصومة
بلا حدود فاصلة
تماما بينها
وحدها الشوارع مختلطة
هديرها 
لا بد أن تسقط الجدران
لا بد ص 9
ربما تأتي لغة مؤيد عبد الزهرة بهذا الشكل الملتبس أحيانا كمحاولة لهدم واقع مرفوض لتأسيس واقع جديد قوامه الحب و العدل و التسامح و الحرية وفق رؤاه الخاصة :
يا صاحبي
لتعيش زهو الأمان 
كبرياء السلام 
ازدهار الحياة
اردم مستنقعات الكراهية
انزع ثياب الحقد
غادر عبوسك 
لا تتوكأ على هلوسة الثارات 
أوحال الدم بالدم
ذلك ميراثنا من العار  ص 10
هذه اللغة النابضة بالحياة هي أداة لتخليق واقع جديد يصبو الشاعر ان يراه ، واقع يتسم بالسلامة التسامي و التسامح بين بني البشر ، دون أطماع و لا كراهية :
أطلقيني من حافة الخراب
و دعيني أحلق كطير طليق
يحمل حلما
لم يتلوث بعد
على أكتاف الزمن
عزاء
لخيبات الوطن !  ص 14
هذه اللغة أيضأ حينما تمتزج بالتشكيل الصوري المفجع أحيانا تنتج نصا فريدا لا يشبه الا نفسه:
للحنين أظافر تدمينا 
للخيبات جيب مثقوب من أعمارنا  ص 25
هذه الصورة التي ترسم هذا الواقع الملتهب جاءت لترسم معاناة الإنسان في ظل هذا الصراع المحتدم بين قوى الخير و الشر،  إيمانا من الشاعر بضرورة و حتمية أن ينتصر الخير مهما طال الأمد .
يؤسس مؤيد عبد الزهرة في نصوصه لما يمكن أن نطلق عليه الشكل الثوري في الكتابة الشعرية بشكل مغاير لما عرف من النصوص الثورية التي تثور على الظلم و الطغيان ، إذ تأتي نصوصه ثائرة على كل أشكال التشوه والقبح الإنساني مبتعدا عن الأنماط التقليدية للتحليل الاجتماعي،  من خلال تأملات التي تقترب كثيرا من وهج المتصوفة في لغتها و صورها و تشكيلها الفني :
يوما ما
سأتقيأ ظلي…. أصافح خسارتي 
أضحك من حروب مزقت ضحكاتنا 
أورثتنا الخراب الجميل
سئمت زحام التهم على أبواب الثكالى
سأبقى جالسا
على سرير الغروب
أحلم بشمس
لم تولد بعد !  ص 43
ربما كان هذا الألم الناضح من نصوص مؤيد عبد الزهرة هو البراق الذي يرتقي به الشاعر إلى سموات الحلم الشاسعة ليحلم بالغد الأجمل من خلال صور شعرية بعيدة كل البعد عن الاسترسال و الترهل و إن تشابهت غالبية النصوص إلى حد بعيد في معجمها اللغوي :
حلمي يتسكع
يجوب أزقة الفقراء
قدماه يغمسها بالماء الطافح على الجنبات 
و يداه تحملان 
رغيف خبز ساخنا
لطفل ملامحه لم تبن بعد !  ص 56
كما ان اختيار الشاعر لهذا الشكل القصير المكثف لنصوصه جاء موفقا إلى حد بعيد فهي أشبه بيوميات قصيرة يدونها الشاعر على عجل كنوع من توثيق اللحظات الهاربة ، ليأتي  الديوان كله نصا مفتوحا يربط بين نصوصه ألم الذات و فداحة الفجيعة في مرحلة مليئة بالأحداث و المتغيرات :
للحنين أهداب
أتعلق بها لناعم الذكريات
لجميلها 
ما أطيب رغيف الخبز
من تنور أمي 
يد أمي 
مغمس بضحكة حلوة
و قبلة على الخد
آه يا أمي 
أفتقد ذلك الرغيف !  ص 101
يتجلى العراق بمجده و تاريخه ، و بغداد حضارتها و سؤددها في كل نصوص الديوان ، بإحساس شفيف و لغة تحمل الكثير من رؤى و فنيات الألم و سؤال الفقد و الاغتراب :
للرحيل منافذ من وجع
تطوقنا باللوعات 
فأعانق جمر أفراحنا
الماضيات  !  ص 105
يا عراق 
ليهرب من يهرب من المركب 
لن اغضب… لن أعتب 
له أن يسبح أو يغرق
لأني سأواصل التجديف
أغازل الموج مرة ..
مرة أنتظر ..لكن لن أيأس 
من الوصول إليك نبضة
يعانق نبضك ! ص 72
و في النهاية أؤكد أن هذا الديوان يحمل الكثير من الرؤى و السياقات الدلالية و الشعرية التي لم تلم بها قراءتي الموجزة و لكن آمل ان تكون بابا صغيرا للولوج إلى عالم مؤيد عبد الزهرة و لقراءات أشمل و أعم  .

التعليقات معطلة