د.مظهر محمد صالح
لم تغادر فكرة تطور الرفاهية عند الاقتصاديين قضية تطور الدخل ونموه وتوزيعه بعدالة .فمنذ فجر تاريخ الفكر الاقتصادي والرفاهية هي دالة للدخل كما نطلق عليها ببساطة. وبتزايد أهمية علم اقتصاديات السعادة وبحوثه التطبيقية في حقل اجتماعيات علم الاقتصاد وسايكولوجيته ، أكدت الدراسات الميدانية خلال العقود الأربعة المنصرمة ان الثروة مصدرها الدخل لامناص..!! وعندما تبلغ الثروة حد الكفاية ستجعل من فاعليتها او القدرة على توليدها للرفاهية في وضع متناقص ويغدوا اقل اهميةً وتأثيراَ.
لذا عدُت مفارقة العالم إيسترلنك من أكثر الأفكار إثارة للجدل منذ ان أطلقها الأستاذ ريتشارد ايسترلنك في العام 1974 في جامعة جنوب كالفورنيا في بحثه المنشور : علم اقتصاديات السعادة مؤكدا انه لايُعتد بمفهوم السعادة لدى سكان البلد الواحد المرتفع الدخل .وان السعادة لا تتمثل بارتفاع حصة الفرد من الناتج الوطني السنوي .!! الأمر الذي ولد تناقضا على صعيد الفكر الاقتصادي الاجتماعي:
اذ أطلق على بحثه منذ ذلك التاريخ: بمفارقة إيسترلنك.فالاختبارات التي اجراها الأخير برهنت ان زيادة دخل الفرد في الولايات المتحدة الأمريكية خلال المدة 1946-1970 لم تظهر مايقابلها من زيادة في مستويات سعادة الافراد خلال المدة نفسها التي شهدت انخفاضات حادة على الرغم من ارتفاع متوسطات دخول الافراد السنوية في هذه البلاد الغنية.
اثأر ايسترلنك في مفارقته جدلاً فكرياً واسعا في الأوساط الأكاديمية .ففي العام 2008 توصل عالمان أمريكيان من جامعة بنسلفانيا في ردهما على مفارقة ايسترلنك بان ثمة علاقة لوغارتمية بين مستوى السعادة وارتفاعها مع استمرار ارتفاع مستوى الدخل المطلق والنسبي.
ولكن لاحظا ان السعادة تتحرك على مستوى ابطأ من الدخل في الأحوال كافة.
و على الرغم من انه لا توجد نقطة اشباع للسعادة ،الا ان الدخل سواء النسبي منه او المطلق هو الطريق إلى السعادة .
كما توصل عالمان امريكيان آخران في السنوات القليلة الماضية ان السعادة لها شيء من المرونة ،فإذا ما انخفض الدخل مرة واحدة انخفضت السعادة خمس مرات..!! الامر الذي أتاح الحجة لمهاجمة ايسترلنك ثانية،مؤكدين: اذا كانت كثرة الأموال هي ليست السبيل إلى السعادة ،اذن لنطلق اللامساواة على عواهنها؟والا عن ماذا يعاني شعبي اليونان والبرتغال في أيامنا هذا ؟اليس الدخل الوطني وهبوطه ؟أليس الدخل هو السبب في تعاستيهما وقلة سعادتهما؟؟.
الا ان الجمعية العامة للامم المتحدة وعلى الرغم من ذلك اقرت في قرارها الصادر في 11 تموز 2011
أهمية اعتماد الناتج الوطني الإجمالي للسعادة وجعله أكثر أهمية من الناتج الوطني الإجمالي للدخل وعلى وفق أربعة محاور هي: التنمية المستدامة والحفاظ على القيم الثقافية و الموارد الطبيعية والحوكمة الجيدة.
ختاماً، يعتمد المثل الشعبي البريطاني في تفسير السعادة الذي يقول :ضع عينك بشكل حصري على جارك (جونز) صاحب الدخل المرتفع فهو السبيل الذي يحدد تصرفاتك في تقييم مستلزمات سعادتك.