د. سميرة شرف
اعتدت الوقوف كثيرا أمام صورة جدي لوالدتي المعلقة في حجرة الضيوف أتأمل ملامحه ونظرة عينيه العميقة ثم أنظر لمنشته العاج بجوارها وإذا ما ذهبت لبيت خالي أكرر النظر لصورته المعلقة هناك وبجوارها ألة العود.
كلما نظرت لأحدي صوره هنا أو هناك حيرتني شخصيته كثيرا فقد جمع بين متناقضات عـدَّة .. لقد عاش جدي تسعين عاما .. رآني ولم أره .. اختار لي اسمي وقال : سأشبهه عندما أكبر .. كلما وقفت أمام صورته سألت نفسي : كيف سأشبهه؟ كثيرا ما سمعت أمي تحكي عنه وتروي سيرته خاصة كلما جلسنا أمام التلفاز لمشاهدة حفل ٍ موسيقي ٍ .. حيث تقول : أبي كان ماهرا في عزف العود .. يعزف ألحانا كثيرة لفريد الأطرش بمهارة عالية .. الآن كلما سمعت موسيقي فريد تذكرت جدي ..تحيرت في شخصيته .. جمع بين تدريس اللغة العربية وفلاحة أرضه والعزف علي العود .
كان يخرج كلَّ يوم من المدرسة ويذهب لأرضه يرعاها ويقوم بما يلزمها وفي العصر يجلس تحت التوتة يعزف علي العود ويقرض الشعر وحوله أولاده وسرعان ما يتجمع حوله جيرانه المزارعون ويهللون ويصفقون إذا اسمعهم قصيدة في المديح النبوي .
كيف برع في كلِّ هذا؟ سؤالٌ حيرني كثيرا حتى تعلمت الموسيقي واخترت ألة العود مثله .. في الأسبوع الماضي قال لي أستاذ الموسيقي : لقد أصبحت ماهرا في العزف ومن الغد سأجعلك العازف الأول للفريق . لذا يجب أن تقتني عودا .. عدت للبيت وأنا أفكر ماذا أفعل؟ هل أشتري عودا جديدا من مدخراتي أم آخذ عود جدي ؟
فرحت أمي وقالت : اليوم عاد جدك للحياة .
سألتها هل أستطيع أخذ عود جدي ؟ وفرحتُ عندما أكدت لي أن خالي لن يمانع لأني الوحيد الذي سأحيي ذكري جدي .
كانت فرحتي كبيرة عندما وافق خالي علي إعطائي العود..عدت للبيت .. دخلت حجرتي .. أخرجت نوتتي الموسيقية وشرعت في العزف .. لكن الأوتار تتمزق تحت ريشتي .. تركته علي حافة سريري وخرجت لصورة جدي .. دققت النظر فيها .. نزلت دمعتان من عينيي .. شعرت بالحزن في نظرة جدي .. استدرت خارجا أبحث عمن يصلح لي الأوتار .