Pdf copy 1

وفاء نبيل 
كان لي أب عندما يراني يعلم بكل حكاياتي، وتبدأ بين يديه انهياراتي الطفولية حتى وأنا في الأربعين من عمري، من حجر صغير يلقيه في بركة أيامي المتشابهة، حين يسألني بلطف: مالك يا بنتى؟ بقدر لهفة عينيه الطيبة، بقدر ما تتغير نبرة صوتي، لنبرة طفلة تشكو لأبيها همومها الصغيرة، تختلف عن نبرات صوتي التي أغيرها كل عدة دقائق، للتعامل مع الحياة ومن فيها
نبرة تخص رؤسائي في العمل ملؤها الاحترام والتبجيل والتغاضي عن أي منغصات جانبية للزملاء، والتظاهر بالرضا عن كل شيء، لأنه ليس هناك وقت للشكوى .
نبرة تخص زملاء العمل، من هم أكبر منك أو أقدم، والتحدث معهم على أطراف الكلمات، خوفا من وصول فكرة “طائشة” عن محاولة “التفكير” في أن تكون مثلهم!!
ونبرة للزملاء الجدد ممزوجة بالود والترحيب بتقديم المساعدة في أي وقت مع الاحتفاظ بقدر من احترام الذات، لا يزيد مقدار “شعرة” فيترجم إلى تكبر.
نبرة صوت للأولاد ، حزم ثم لين، ثم وعيد بالحرمان من أشياء يحبونها، ليقوموا بانجاز أشياء لا يطيقونها.
نبرة لمن أستخدم أوقاتهم ليديروا لي خدمات أو أعمالا منزلية، ملؤها الرحمة والرفق بظروفهم.
نبرة للزوج، أطمأنه فيها على أشياء كثيرة، فعلت وفعلت وفعلت، الأولاد بخير، طعامهم، دروسهم، مشاكل كبيرهم وصغيرهم، وكل شيء فى البيت تمام؟!
طيب سلام..
تلك حكاية كل يوم، متكررة، مملة، لم يسألني أحد هذا السؤال الذي أجده أصعب بكثير من سؤال وضعوه لقياس مستوى الطالب العبقري في امتحان فيزياء بالثانوية العامة :
“مالك يا بنتي؟!” ..
“أبدا يا بابا، الحمد لله، أنا بخير” !!
يرفض هذه الإجابة، لأنه يعلم جيدا أنها ليست إجابة، بقدر ما هي تحضير لجلسة الإجابة.يقول لي “لأ ، أعملي لنا فنجانين قهوة، وتعالى أحكى لي مالك بجد”
أمتثل للأمر الأبوي الحنون، وفى حضرة القهوة يهدأ القلب وتبدأ “الفضفضة” التي لو فعلها أفضل طبيب نفسي في العالم، ما جاءت بمثل هذه النتيجة الطيبة والسريعة جدا معي.
أقول له يا بابا أنا تعبت، يقول لى أنتي بمائة رجل، وبكرة لو أنا عايش أو ميت، أفتكري كلامي، ربنا لازم يراضيك، لكن الأول لازم تتعبي.
يا والدي الحبيب، شددت رحال روحك المنهكة، ورحلت إلى الله ملبيا نداءه. مقصرة أنا في زيارتك، ربما لأنك تعرف خوفي من زيارة القبور منذ صغرى، فأغفر لي هذا.
وربما لأني غير مقتنعة، بأن روحك الطيبة وصبرك، وكلامك الغارق فى الصبر والعشم في وجه الله، لا يمكن أن يسكن هذا التراب، ولابد أن كل تلك الأشياء الجميلة صعدت إلى السماء، وأستقبلها الله بالرضا فأرضاها.
لهذا كلما افتقدتك نظرت للسماء، أحاول أن أستخلص من كل صخب الكون “كلمتين أتنين ، كانوا بيريحوا القلب”
“ مالك يا بنتي” ..

التعليقات معطلة