أشرف قاسم
الشاعـر الفلسطينى الكبير أحمد القدومى ولد العام 1961فى قرية “ جيوس “الواقعة ضمن لواء طو لكرم بفلسطين .
حاصل على بكالوريوس الأدب العربى من الجامعة الأردنية العام 1982 .
يعمل بالتربية والتعليم بالمماكة العربية السعودية منذ أكثر من عشرين عاماً .
– صدر له عدة مجموعات شعرية منها:
بلا زورق العام 1984 – عمان ‘ذكريات على شاطىء النسيان1989 – عمان
رباعيات الجرح النازف 1993 – الرياض،شفاه الفجر 1995 – القاهرة
ويحملنى الثرى قمراً 2003 – عمان،لاشىء بعدك 2004 – عمان
– أحمد القدومى شاعـر مسكون بهموم الأمة العربية يحاول أن يكون صادقاً مع نفسه ومع القارىء فى كل ما يكتب .
لا شــــــىء بعــدك
فى مجموعته الشعرية “لا شىء بعدك “ يطوف بنا أحمد القدومى فى عالمه المتشعب بين تفاؤل وتشاؤم ، وإنتصار وإنكسار ، متكئاً على رصيد وافر من التجارب الحياتية الذاتية التى ينطلق منها إلى معالجة القضايا العامة واضعاً نصب عينيه آلام أمته وانكسار الحلم العربى بالوحدة على مذابح الفرقة والتناحر – تتنوع قصائد الديوان بين الشعر العاطفى والشعر الوطنى واللمحات الفلسفية .. مع التأكيد على أصالة التجارب لفظاً ومعنى فى محاولات دائبه من الشاعر لمسايرة حركة التحديث فى القصيدة العربية بعيداً عن الإغراب والتعتيم متكئاً على الصدق مع النفس ومع القارىء كما أسلفنا !
– فلسطين هى الوطن الأم الذى ولد به الشاعر ولذا نراه هو الجرح الأم بين جراح الشاعر إذ إن الصرخة تكون بحجم الطعنة كما قيل .
خمسون عاماً
والهزيمة فى دمى قدر
وجرح الأرض ينزف ذكريات
لن تموت
فكلنا وطن يسافر
فى دم الأيام
يهتف : عائدون
خمسون عاماً
والهواجس فى عروق الليل
ترسم شعبى المنفى
فى وحى الظنون
خمسون عاماً
والعروبة فى سبات الوهم
تنتظر المنون
“إن النبى والفيلسوف والفنان –كما يرى صلاح عبد الصبور – أصوات شرعية ،وشرعيتها تشتمل كل ألوان الحياة الإنسانية بغية تنظيمها وتخليصها من فوضاها وتنافرها ،ومجال رؤيتهم هو الظاهرة الإنسانية في زمانها الذي هو الديمومة ،وفي مكانها الذي هو الكون ،وفي حركتها التي هى التاريخ “0
وبناءاً على هذه الأسس تأتي قصائد أحمد القدومي طلقات في وجه المحتل الذي سلبه أرضه وحريته وجعله أسير منفاه الإجباري منذ أكثر من عشرين عاماً :
أعيا الترحل مدنفاً ومتيماً
وغفا الغرام على جفون مسهد 0
وهاهو يتسائل في منفاه :
من أين أبدأ والمدى
/عبث
/وأحلام الفتى العربي
/في وطني هراء ؟
أواه ياكل الفصول
/تعبدي
/برفات أوتاري وأنغامي الظماء
وهاهو يعاهد مسقط رأسه “جيوس “الفلسطنية قائلاً :
سنعود يا جيوس
/أفئدة الهوى العذري
/أحلاما ًوأسئلةً
/لنبحر في ملامح فجرك/
الآتي
/عيوناً يستريح على مشارفها
الضياء /سنعود ياجيوس
يا أحلى المدائن والجنائن
/والمواسم /ياعبير الأرض
/في ورد السماء
وبعيداً عن نظريتي “الفن للفن ،الفن للمجتمع “وبعيداً عن التنظيرات النقدية نستطيع أن نقول أن قصائد أحمد القدومي تحاول استلهام روح العصر في مجمله على أن الهم القومي /فلسطين يلقى بظلاله على مجمل قصائد الديوان في جو من “التفاؤم “أعني الحيرة بين التفاؤل والتشاؤم في نسيج وحدوى متصل :
فيا قلبي أكل الناس مثلي
عن الأحباب يشكون اغترابا ؟
فشكى سوف يسلبني يقيني
وغيثي سوف يسقيني سرابــا0
وكل ترحل بشغاف قلبي
سيرسم فوق أوردتي ارتيا با 0
وكل تساؤل في العين يغفو
سيوقظ في الفؤاد غداً جوابـا 0
وفي قصيدة أخرى من أجمل –إن لم تكن هى أجمل –قصائد الديوان يشكو جواه وحرقة قلبه ومرارة ترحاله قائلاً :
أنا موطن الموت العتيق وفي دمي
ســـــــــر الحياة مرارة ًيتسامى
أنا ما تبقى من مساءت الجوى
بدنان من يسقي الورى أسقاما
أنا لحد كل الأمنيات فمن أنــــا
غير الفناء يعاقر الأوهـــــــاما
أنا من تبتل في فؤادي ناســــك
صلى بمحراب النجيع وصـاما
أنا طهرمن هزت بجذع النخلة
الكبرى ،تساقط للبتول طعـــــاما
أنا ثأر من رحلوا ولون دموعهم
شفق الغروب يلون الأيــــــــــاما
إن الأنا في هذه القصيدة التي تبدأ كل أبياتها تقريباً بكلمة “أنا” ليست محاولة لفرض سلطة الأنانية ،ولكنها محاولة مشروعة لإثبات الذات على طريقة أبي الطيب المتنبي :
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
واسمعت كلماتي من به صـــمـم والأنا في شعر أحمد القدومي ليست للترويج لسلعة بارت بغرض لفت الإنتباه ،ولكنهاضرب على وتر التحدي لكل ماهوقديم مستهلك عفا عليه الزمن!
أنا من جنون الأمس .. من صمتي
ومن لغة الهيام أطرز الأحلاما
أنا رعشة الوله الذي خفقاتــــــــــه
تزجي إلى أرض الحبيب غماما
أنا طائر الفينيق عدت محلقـــــــــا
لأصوغ للكون الجديد نظـــاما
الغربة والإنتماء
في كتابه “ عنصر المكان في شعر محمد أبو سنة” يقول الدكتور مصطفى عبد الغني (يرتبط عنصر المكان إرتباطا وثيقا بالرومانسية ،ذلك لأن حركة الشعر الحديث منذ تطورها الأول في العالم العربي ظلت إبناًوفياً للأثر الرومانسي وتداعيه )
إن الغربة هى أهم مظاهر الحس الرومانسي وأعني هنا الغربة بمعناها الشامل ،لاالغربة المكانية فحسب ،إذ أن قصائد أحمد القدومي هى في مجملها صورة لإغتراب الإنسان نفسياًومكانياً وصرخات في وجه كل شائه غريب ،ومحاولات لتعرية الهم العام في إطار رومانسي مع المحافظة على شكل القصيدة العربية في إطارها العمودي أو التفعيلي :
آت إليـك مـن ارتـحال العـشـق فـي وحى العـيون
ومدى الرحيل على مشارف ليلك الساجي ظنون
أمـلـي ذبـيح هـواجـس الأحـلام في وجـع المـنون
بالله قـولي مـن أنا؟مـن أين جـئت ؟ومـن أكـون ؟
أحمد القدومي “شاعر مخضب بالوطن “بتعبير الدكتور نذير العظمة ،والوطن في شعر القدومي لايعني فلسطين فقط ،بل الوطن العربي كله ولذا نراه يشدو لتونس الخضراء :
ياتونس الخضراء ما أحلاك
لولاك ما كان الهوى لولاك
ياتونس الخضراء جئتك هائما
وملوحا ومـتيــــما بهــواك
وإلى عمان التي عاش في جنباتها طالبا للعلم :
ولتشهدي أني المحب المفتدي
فاسق العطاش من الجفون مودة
ولتسكني نبض الخلود لتخلدي
وإلى لبنان الجريح :
كل البلاد غدت جنوبا والجنوب
غدا لصحوة أمتي عنــوانــا
ستعود يا لبنان موعد فرحــــــة
في القلب تبحر نشوة وحنانا إنها أصالة الشاعر المنتمي ،المشدود إلى جذوره بإيمانه العميق بعدالة قضيته التي يدافع عنها بكل ما أوتى من سبل الدفاع ،وبعذوبته الشعرية ، وعروبته التي تملي على ضميره الإخلاص لهذه القضية العادلة ،وان من حقه أن ينشد العدالة والحرية والخير والجمال في جحيم تلك الحرب الظالمة على وطنه الصغير “فلسطين “ووطنه الكبير “الوطن العربي “
اللغة والإيقاع
يجمع المعجم اللغوي لشاعرنا أحمد القدومي بين الأصالة التحديث في ما يمكن أن نطلق عليه محاولة “موسقة اللغة “بعيداً عن التكلف والجلب ،إذ أنه يمتاح من معين تجربة صادقة في إطار لغوي صادق بسيط ،عميق الغور في آن ،أى أنه يحترق بنار تجربته ،ثم يذوب حبرا على الورق الأبيض راسماً جراحه
/ جراحنا /
بريشة فنان محترف في إتقان شديد!
مروا على لغة الغرام
وحرقوا “عفراء “
لاتذروا لعروة موسما ًللحب
كونوا للنوى وطنا وللأشجان في كبدي
احتداما !
مروا
على ذكرى ارتحال الشمس
يوم ترنحت غرناطة الأحزان
وانطفأت شموع الوحى
في نبض القصائد
وانتشى الطوفان
موسم لعنة
وتليد مجد
الفاتحين
غدا
حطاما !
مروا على ليلى وعبلة
وانسجوا للحب من وله الصبايا
نشوةً
تغتال آخر خفقة في القلب
تعلن بدء تاريخ الجمال
على طلول المدنفين
وكل من رسموا خلود الحب
عشقاً أو
غراما !
أما عن إيقاعاته الشعرية فهى إيقاعات ترتبط ارتباطا وثيقا بالحالة الرومانسية التي يعانيهاالشاعر فعلى الرغم من وجود ستة عشر بحراً شعرياً إلا أن الشاعر قد اختار ثلاثة أبحر فقط لتحمل قصائد ديوانه الذي بلغ تسعاًو عشرين قصيدة مع ملاحظة غرام الشاعر الواضح بتفعيلة الكامل مجزوءاوتاماً حيث جاءت قصائد الديوان موزعة على النحو التالي 24 قصيدة من البحر الكامل تاماً و مجزوءاًوحراً
4 قصائد من الوافر تاماً ومجزوءاً
قصيدة واحدة من البحر البسيط
وأنا هنا أؤكد أن هذا ليس مأخذاً يؤخذعلى الشاعر بل هذه ظاهرة تؤكد أن الحالة الشعورية هى التي تحدد مسار النص الشعري لغة وموضوعا وإيقاعا وذلك راجع بالأساس إلى صدق الشاعر وعفويته حالة المخاض التي تعقبها ولادة القصيدة
وفي النهاية أقول :
إن أحمد القدومي شاعر رائع ومبدع يستحق شعره أن يقرأ وأن يدرس بشكل أكثر تدقيقا إذ أن فيه من الظواهر الكثير مما يستحق الوقوف لديه طويلاً وما قراءتي هذه سوى باب صغير للولوج إلى عالم الشاعر الفلسطيني الكبير أحمد القدومي