بقلم : محمد صالح البحر
 
في روايتها “ لقاء “ تنجح الكاتبة “ عزة دياب “ بحرفية فنية رائقة في خديعتنا، وهي تفتتح روايتها بلقاء مرتقب بين البطلة وأستاذها، تتكبد فيه عناء الانتقال من مدينتها رشيد إلي القاهرة، في مغامرة جريئة لامرأة لم يسبق لها الخروج من حيزها الصغير من قبل، واحتاجت للخروج من روحها أولا لخوض هذه المغامرة.
لا تكمن الخديعة في انهاء عزة دياب لـ القاء سريعا وبغموض محبب، ولا في إحباط اللقاء لتوقعات البطلة، بل في قدرتها علي أن ترمي بداخلنا الظن بأن كل ما سيأتي من بعد هو مجرد سرد لتفاصيل هذا الإحباط، بينما لم يكن الظن غير مجرد شرك للخديعة التي أوقعتنا في براثنها بيسر، ووضوح فني استمد براعته من بساطة السرد، لنكتشف أن “ لقاء “ هو اسم البطلة التي تبحث عن رحيق الحياة بداخلها قبل أن يجف تماما، وأن خروجها لم يكن من أجل العثور علي رجل، بل محاولة حثيثة للعثور علي ذاتها المفقودة بفعل واقع محبط وممتلئ بالحرمان والفقد، وبفعل رجال كثيرين لم يقدروا علي تثمين وجودها بينهم، بدءا من الأب المحب للمال، ومرورا بخيري الحبيب الذي ذهب هكذا بلا سبب، ثم عاد ليموت، ويحيي الزوج الذي فعل المستحيل في محاولة امتلاكها، ثم فعل المستحيل ذاته في محاولة الخلاص منها والارتماء في أحضان السفر الطويل لخدمة نساء الشام وأموالهم، وعماد أستاذها الجامعي الذي يمارس الزيف بثقافته من أجل الوصول المناسب في الحياة، والوصل لها، فلم يكن أكثر من مجرد لقاء عابر لم يتم ذكره من بعد إلا في موقف انتهازي واحد وعابر أيضا، وهو يحاول الغرف من حصاد الثورة، وأخيرا هاني قريبها الذي اختار صمت الملائكة بديلا عن قدرة البشر علي الاختراق والتجانس الروحي.
وبحرفية فنية تربط عزة دياب صراع لقاء للعثور علي ذاتها، بصراع وطن في لحظة حاسمة من تاريخه أيضا، وهو يحاول العثور علي ذاته المفقودة بعد ثورة ضخمة أوقعته في براثن واقع غير متوقع، ولا يرضي عنه، هكذا يتوازى البحثان ويتضافران في طريق واحدة، يتبادلان الأفراح الصغيرة، ويتضرعان ألم الواقع بأمل لا يكف عن التدفق للعثور علي الذات، ويبلغ التماهي بينهما حد الاكتمال حين تدرك لقاء أن تحققها يكمن في ذاتها هي، لا في الوجود إلى جوار ذوات الآخرين، ويكون الوطن قد تخلص من حكم جماعة الإخوان، وتكون السيارة التي استقلتها لقاء للوصول إلي مركز الإبداع، قد أنهت تعثرها في النفق، وتحركت باتجاه الخروج.
يأسرني النظر إلي الثورة عن بُعد، حيث لا سبيل لتقمص دور البطولة المفتقد في الواقع علي مستوي الأشخاص والأماكن، إنه يشبه النظر إلى النفس من الخارج بحيادية مطلقة، قادرة علي تحويل الخاص إلي عام، وكافية للعثور علي حقائق الذات والأشياء، فلم تكن لقاء تحكي قصة خروجها فقط، بل قصة خروج كل امرأة تقف إلى جوارها في هذه اللحظة، ماما تحية ونجوي، فجاء تحرر المرأة في الرواية دليلا علي تحرر الواقع والوطن والحياة بشكل عام، وقد استخدمت عزة دياب لهذا الخروج تقنيتين فنيتين غاية في السلاسة والتضافر مع روح الرواية، تمثلت الأولى في مذكرات ماما تحية، والثانية في رسائل يحيي إلي والدته، كأصوات قادرة علي قطع تدفق الأحداث، وتغيير الإيقاع السردي، ومد عين السرد لتصير أكثر شمولية في رؤيتها، وقدرتها علي البقاء والتأثير .

التعليقات معطلة