فاخر الداغري
أربع واربعون قصيدة شدا بها فكر الشاعر قيس الحسيني ضمتها تحت هذا الاسم “ قادم من الضباب” فهي تحمل عنوان القصيدة الثانية في هذه المجموعة .
وحبذا لو اسماها “ قيثارة الحب أو معشوقة الفجر أوعاشقة الورد كونها احساس بالجمال المطلق الذي يكتنف الشاعر إذ إن معظم القصائد غزلية تعالج التوجه الشبابي عند الشاعر فهو يهديها “ الى كل شيء جميل تحاوره عيناها فيزهوا اخضراراً ويسموا على مبسم الامنيات اغاريد عصفورة تناجي هذاراً” .
إنها تعبير يقطع الشك باليقين من إن الشاعر الحسيني يخاطب ليلاه فيقول لها على ص118 
لعاشقة الورد التي تستفزني 
بحرف من الشعر المموسق قاتل
يسيل من النجوى يمور مشاعراً
تفيض حناناً كالغيوم الهواطل
ويقطع الشاعر عهداً على نفسه بأنه يعيش هواجساً ومشاعراً وجدانية حظيت بها ص119 و ص120 .
لعاشقة الود التي صار حبها 
أكاليل ريحان يغطي سواحلي 
سأبقى على العهد الذي قد كتبته 
بدمع القوافي عاشقاُ غير راحلِ
وحسناً فعل وجميلاً صنع الحسيني يوم جعل قصيدة “ بغداد أنتِ “ أولى قصائده اعترافاً منه بالمكانة الأدبية التي عليها عاصمة العراق الاشم متواصلاً مع الشاعر الراحل السيد مصطفى جمال الدين يوم ناجى بغداد بقصيدة عصماء قلّ نظيرها 
بغداد ما اشتبكت عليك الاعصر       إلاّ ذوت ووريق غصنك أخضر 
ووسط هذا الخضم الأدبي يقول لنا الشاعر الحسيني على ص7 من هذه لمجموعة الشعرية :
بغداد انتِ وفيكِ الشعر يكتمل 
لولاك أم بلادي لانتهى الغزل 
لولاك ما لامس الاحساس قافيتي 
ولا تراقص قلب او بكت مقل 
ولا تنفس صبح الحب في أفقٍ
ولا نما في فؤادي العاشق الأمل 
وهنا يصدح صوت ملهمة الاحساس بقيمة الوطن فيروز حين قال ونظم الاخوان رحباني قصيدة :
بغداد والشعراء والصور 
ذهب الزمان وضوؤه العطر 
يا الف ليلة يا مكملة الاعراس 
ويغسل وجهك القمر
ويرد الشاعر الحسيني مبتهجاً :
آمنتُ بالشعر إذ بغداد قبلته 
وإذ قوافي في الهوى بالشوق تبتهل 
وتأتي هذه المجموعة نتاجاً أدبياً نوعياً تحت عنوان “ قادم من الضباب” يناجي فيها الشاعر معشوقته بغداد لتتصفح دفاتره وتمسح على خده فهو حزين حين يفارقها متوسلاً بها ان تبقى انشودة الحب التي طرزّها بأنامله:
آت اليك تصفحي دفاتري 
فأنا اليك وهبت كل مشاعري 
آتٍ اليك تهزني انشودة 
طرز لحنها بجواهر 
يجتاحني وجد تقاطر في دمي 
حتى نسيت مدائني وحواضري 
وينتقل شاعرنا مرحباً بكل جوارحه بانعقاد مؤتمر التأبين في سوق الشيوخ لفقد الراحل جمال الدين وهو يكفكف دمعاً فيقدم قصيدة ملآى بالمشاعر الإنسانية يهدر بها تحت سماء مدينة القوافي فيقول :مرحباً يا بناة فكرٍ عتيد 
في ديار لشاعر غريد
مرحباً يا شداة لحن مقفى 
ونمت عزمه سوافي البيد 
وتأتي هذه القصيدة مشاركة من الشاعر الحسيني بمهرجان ادبي اقامه أدباء سوق الشيوخ حزناً على رحيل جمال الدين الى الدار الآخرة إذ يبقى الوفاء ملازماً لهذه المدينة التي حيرت الشاعر المصري صلاح رمضان الصاوي الذي كان مدرساً للادب العربي في ثانوية الناصرية في مطلع الخمسينيات ، ويدعى الى مناسبات كانت تقيمها الاسرة الادبية فيها فقال قولاً نعت فيه مدينة القوافي بثلاث صفات في تساؤل مشروع تكتنفه الحيرة 
عكاضٌ أنت يا سوق القوافي           أكندة أم تميمٌ أم مناف ؟
ويهب الشاعر الحسيني مستذكراً الادب الجم الذي كان عليه الفقيد الشيخ جميل حيدر الذي وافته المنية بعد ان صلى صلاة الفجر حيث ارقت مشاعره هذه المأساة فبات مهموماً مواسياً نجله السيد وميض حيدر .
ذكرتك فاعترى جسمي نحولً
فكيف أبث نجوى … ما أقول ؟؟؟
تملكني الهام فجدت دمعاً
وايقظني الفراق وذا يطول 
وفي ذكراك تلتهب الحنايا 
وجمر بات في قلبي يصول 
وبعد تعداد مآثر الفقيد يقف على اعتاب مدينته سوق الشيوخ ناعتاً إياها بأن فيها بيوتات للمجد ترعى العالم والأدب من آل حيدر فهم اسرة المرجعية الدينية في هذه المدينة .
وفي سوق الشيوخ بيوت مجد
نمت وترعرعت فيها العقول 
وانبتت الشموخ بدار غرٍ
كما نبتت على الارض الحقول 
وتأتي قصيدة “ الى الشهيد “على ص63 عنواناً في تكريم من ضحى بنفسه في سبيل الوطن فآثر الاستشهاد دفاعاً عنه ليبق العراق عزيزاً مصاناً بدماء الشهداء الذين دافعوا عن القيم الحضارية والمواقف الوطنية دفاعاً عن وطنهم العراق .
أودع في كل يوم قمراً
ونجمة حب سناها يغور 
اودع كحل جفون المطر 
وارشف دمعاً وابني قبور
ويظل الغزل مهيمناً على الشاعر فيتلاشى عشقاً ويذوب صبابة ويظل هيماناً في لحن الحب ، والهوى العذري وتظل معشوقة القمر ليلاه التي ارقته 
اليكِ وحدكِ يا معشوقة القمر 
ابث اشواق قلبي ساعة السحر
اطوف هيمان لحن الحب يسكن بي
وزهو قيثارتي يسمو على الوتر 
وتبقى “ نخلة البرحي “ نموذجاً حياً لباسقات نخيل سوق الشيوخ 
سرى فيه حزن الناي لحناً مؤنثاً
فرنمه شوقاً على نغمةٍ حيرى
إلى نخلة البرحي ينثال صادحاً
بأشواقه شدواً فقالت له عذراً
وختاماً تبقى سوق الشيوخ مدينة القوافي في المهرجانات الادبية تلقى فيها القصائد بعفوية واقتدار نوعي 

التعليقات معطلة