بقلم : د. كاميليا عبد الفتّاح
إن المتأمل في شعر الشاعر “ محمد الشحات “ يلاحظُ انشغال طرحه الشعري بهاجس البحث عن الذات ، عن الجوهر الأصيل للشخصانية والذي يرمزُ له بالوجه ؛ فكثيرٌ من قصائده تحمل هذا الهاجس ، وتصور بحثه الإنساني عن هذه الجوهر ؛ ومن هنا تترددُ في صوره الشعرية المفردات المُتعلّقة بهذه الإشكالية ، ومنها : الظل ، والقناعُ ….، فضلا عن مفردة الوجه . بل إنّ الشاعر يستعملُ مفردة الوجه- في طرحه الشعري – باعتباره رمزاً دالاً على شخصانية كل كيانٍ ودالاً على اكتمال الكيانية – إن صحّ التعبير – من هذا المنطلق يكونُ عنوانُ قصيدته “ الحياة بلا أي وجه “ عنوانا ذا دلالة استلابيَّة ؛ ينتزعُ من الحياة تميزها ومذاقاتها .
يرتكزُ النص على بنية السَّردِ ؛ حيثُ تكونُ ذاتُ الشعر هي الذات السَّاردة ؛ وحيثُ يواجهُ ذاته باعتبارِها ( آخر ) يخضعُ لرؤيته الشعرية . وهذه الوضعية الفنية – في حدِّ ذاتها – تُبرزُ مدى تشظِّي الذات ؛ حيثُ تنقسمُ ذاتين : ذاتا رائية ، وذاتاً مشهودةً مَرئيّةً . يبدأُ النَّصُ بفعل القصّ ( التقليدي ) : كان ، والذي يؤذنُ بابتداء الحدث وابتداء السّرد ، ثم يقصّ علينا الشاعرُ / الساردُ وقائع اغتراب ( الأنا ) باعتبارها ( هو ) : “ كان يبحثُ عن وجهه “ . وعبر مجموعةٍ من الأفعالِ يصور الشاعرُ علاقة التصادم بينه وبين : المدينة ، الآخر المُغاير ، ثم يبدأ النص في الارتكاز على بنية “ المونولج “ التي تعدُّ قرينة فنية أخرى على هيمنة إشكالية التّشظّي ، ويبدأ المونولج بقوله :
“ أيّ وجهٍ سوف تلبسهُ
وقد خاصمتكَ الوجوهُ
وما عاد يحلو لها أن تصاحبك”
يطرحُ الشاعرُ إشكالية عميقة ذاتَ وجوهٍ عِدّة ؛ يطرحُ اغترابَه ، واضطراره للتقنّع باعتبار التقنّع لغة الواقع الصلد الذي رمز له بالمدينة. ثم يصور الشاعرُ رحلة تنازلِ الذاتِ في لعبة التّقنّع بدءاً من : التقنّع بوجه ، ثم نصف وجه ، ثم ظلّ وجه … وهنا تبدأُ واقعة انشطارُ الذات : ذاتٌ قبلت أن تكونَ ظلّ وجه ، وأخرى تبحثُ عنها :
ظل وجه
راح يبحث عن نصفه
ليكمله ويتركه
تسمر فى صمته خوفه “
وعبر هذه الذات المُتشظّية يكشف النص عن “ المسكوت عنه “ في الواقع ؛ إذ تُبرزُ ذاتُه المغتربة تغلغل الاغتراب والزيفِ ولعبة التقنّع في بنية الواقع عبر اصطفافِ آلافِ الوجوه على طاولة المقهى . يقول:
كان يجلس
عند طاولة
بها ألف وجه
هل يساومه
و يسأله
أن يسمِّى له أىَّ وجه
ليمضى به “
وتنتهي القصيدة بهذا الانشطار ، بل تنتهي بضياع الوجه أي “ غياب الذات “ وتلاشيها في قسوة الواقع المُزيف :
ظل يسأله
خوفه ظل يجلس
فى غرفة الشاى
وحين انتهى
ترجل ثم مضى
وبت انا بلا اى وجه
على طاولة الشاى “
وحين نصلُ إلى هذه النهاية نتوقف عند قول الشاعر :
“ وبتُّ أنا بلا أي وجه “ … ونلاحظ التّماهي الدلالي بين هذه الجملة الشعرية ، وبين عنوانِ النّص : “ الحياة بلا أى وجه “ ؛ ونستنتج من هذا التماهي افتقاد الذات ملامح الحياة بافتقادِها شخصانيتها، وماهيتها بما يعني أنّ الذات = الحياة ، والحياةَ = الذات .
أبرزَ الشاعرُ صراعه وإشكاليته عبر الاعتماد على الأفعال التي أتت ما بين صيغة المضارعة وصيغة الماضي ، والتي منحت عبر تواليها إيقاع التلاحق والتوتر الدرامي ، كما في :
كان يبحث ، اشتاق / يتجول ،
عاجله الخوفً ، أجلسهُ
خاصمتك ( الوجوهُ ) ، ماعاد يحلو لها ، ارتضى
لا يتيحُ ، تملّص ، حاول
تعثّر ، كان يمضي ، ليجلس
راح يبحث ، ليكمل ، ويترك ، تسمَّر
ونلاحظُ أنّ إيقاع التلاحق يزدادُ بين الأفعال مع اقتراب انغلاق السرد وانتهاء القصيدة ، وصولا إلى افتراق الذاتين / الكيانين ، بل نلاحظُ ارتفاع نبرة التوتر والقلق من خلال تكرار الفعل “ يسألُ “ على النحو التالي :
كان يجلس ، هل يساوم ، و يسأله ، ظل يسأل، ظل يجلس ( خوفُهُ )
انتهى ، ترجل ، مضى ، ثم “ بت أنا بلا أى وجه “ .
وفيما يخصُّ طبيعة الحركة في الصورة الشعرية نلاحظُ أن الحركة الداخلية النفسية / الفكرية ( داخل الذات ) هي الأكثر شيوعاً في الصورة من الحركة الخارجية التي تكادُ تقتصر على “ التجول في طرقات المدينة “ ، والحركة عند طاولة الشاي ؛ بما ينسجم مع بنية المونولج ، وينسجمُ مع انشطار الذات الشاعرة إلى ساردةٍ ومسرودة ، رائية تعاينُ نصفها المنشطر المغترب عنها وفيها.