ماجد الربيعي
الشعر هو محاكاة الوجدان بما يصل بهِ حد الإنبهار والدهشة وهو رسالة الضمير المعبر عن الإنسانية بكل أوجاعِها ومآسيها وتطلعاتها ، هو الإفصاح عن خلجات الروح بكل ما تحملهُ من هواجسٍ وأحلامٍ ، وهو رسائلٌ نبيلةٌ يبعثها القلب لتصل الى كل القلوب المتطلعة للجمال والسحر .عادل الغرابي الشاعرُ العاشقُ حد الثمالةِ لوطنٍ يئنُّ فيكتبهُ أنيناً وحزناً تارةً وتارةً صراخاً في وجهِ كلّ من يؤذيهِ فيبعثُ رسائلهُ قصائداً لكل الإنسانية المتطلعة لحريةِ العيش وكرامة الإنسان .يبكي على الشهداء حد الصراخ ، هكذا عرفتهُ ، بكينا معاً حينما احتضنتهُ بعد ان قرأ قصيدتهُ التي ألقاها للشهيد مصطفى العذاري عند نزوله من منصةِ الشعرِ فكانَ نحيباً أبكى كل من كان في القاعة ، بكى حينما زرنا مكان التفجير الذي اودى بحياة الابرياء في الكرادة ، كان يصرخ وينحب كما الاطفال حاملاً أوجاع ومآسي كل الامهات المفجوعات بقلبِ نديٍ عاشقٍ يسع الجميع فيحمل هموم الآخرين متوجعا ولا تنوء له كتفان .لا يمرّ همٌّ في العراق إلاّ وكانت قوافيه حاضرة ، يعاتبهُ ويبكيه تارةً ويفخر به تارة أخرى فهو المسيح الذي يشافي العليل ويبصر الأعمى وهو البهي الجميل الذي يرتلُ لحنَ الحياةِ وتزوره النوارس مرغمةً وطائعةً ويمنح الحياة والخصب فيخاطبهُ :
فـأنـتَ الـمـسـيـحُ ومِـنْ راحـتـيـكَ
يُـشـافـى عـلـيـلٌ ويُـبـصِـرُ أعْـمـى
فـرتِّـلْ مِـنَ الـحُـبِّ لَـحْـنَ الـحـيـاةِ
تَـزركَ الـنـوارسُ طـوعـًا ورغْـمـا
وتـمـنـحْـكَ لـو أجـدبـتْ مُـقْـلَـتـاكَ
صُـواعـًا مِـنَ الـشـعـرِ حـظَّــًا وسَـهْـمـا
لـكـي لا يُـذبَّـحَ شـدو الـطـيـورِ
عـلـى شـاطـئَـيـكَ نَـكـالاً وهـضْـمـا
وتـبـقـى سِـلالُـكَ لِـلـعـابِــريــنَ
تـجـودُ فـراتــًا وتـمـرًا وكـرْمــا
عادل الغرابي الصوفيُّ الذي يذوب عشقاً في النور الإلهي الذي هو غايتهُ وحقيقتهُ ومناه ، لا يرى الأشياء كما يراها غيرهُ ولا يعبّرُ عنها كما يعبّرُ عنها غيرهُ ، هذا العشقُ يجعلهُ متفردا في تصوّفهِ فتنهمرُ قوافيهِ بعذوبة تصل بنا إلى عوالمِ الذات الإلهيّة بقداسةٍ ، فهو المتضرّعُ المتوسّلُ بكُلِّهِ لأجلِ هذا الرجاء كي يدنوَ لهذهِ القداسةِ ، يستلهمُ معانيهِ من عشقهِ الصادق وخلجات روحهِ الهائمةِ حدّ الذوبان والتلاشي فينزفها حروفاً وقوافياً تجعل من يقرؤها ويسمعها يقف طويلاً سارحاً مذهولاً في عمق المعاني وروعة الصور والطريقة المثلى في الصياغة اللغوية الرصينة التي يتميز بها فيقول في احدى روائعه الصوفية :
أنـا لا شـيءَ حـتّــى أضمَـحِــلّا
وجـودي مـحضُ صـفرٍ ليسَ إلّا
فـمـا عـادَ (الأنـا ) إلّا مُـريــداً
لـهُ عـن كـلِّ شـيءٍ قـد تخلّى
تـوهّـمَ مـن رآنـي حـيـنَ أحـدو
أفيـضُ صـبابـةً جـزءًا وكُـلّا
وكُـلّي ذابَ في نجـواهُ عِشقاً
فصـارَ بسـاحـهِ ضيفـاً وحــلّا
فؤادي جـازَ قـوساً حينَ لَـبّـى
وقـوسـاً آخـراً لَــمّــا تَــدَلّــى
أَخِـرُّ بـسـاعـةِ الـنـجــوى صريعاً
ومَـغْـشــيــاً عَـلَـــيَّ إذا تَــجَــلّـــى
فـــلا أهــــلٌ ولا زوجٌ و خِـــــلٌّ
يُـعـاتـبُ مـن يُـريـدُ اللهَ خِـلّا
حواء حاضرةٌ في قوافيهِ فكتبها أمّاً تمنح الحياة وخاطبها حبيبةً تشعل جذوة الشوق والوجدِ بأروعِ رسائل العشق التي تفرد بها من خلالِ بوحهِ برسائلها التي صاغها شعراً والتي أصبحت عنواناً لروائعهِ في الغزلِ الذي يبعثُ سحراً وبلسماً لكلّ العاشقين ، فكانت رسالتها الأولى والثانية والثالثة وحد الرسالة السابعة ، حتى صرنا ننتظرها بشغفٍ ونتطلع إلى كل ماهو جديدٍ يبثّهُ الغرابي بيننا عبقاً وإبداعاً ، حيث يقول في رسالتها الرابعة :
فـيـا أيـهـا الـمـنـفـيُ بـيـنَ أضـالـعــي
تـرفَّـقْ بـأوجـاعـي فـإنـكَ شـاعــرُ
ذرفـتُ دمـاءَ الـبُـعـدِ مُـذْ بُـنـتَ لـوعـةً
وحـزنـًا فـقـد جـفَّـتْ عـلـيـكَ الـنـواظـرُ
نـهـاريْ مـتـاهـاتٌ تَـمـيـدُ بـخـطـوتــي
ولـيـلـيَ مـحـرابٌ بـذكـركَ عـامــرُ
ومِـنْ مُـهـجـتـي الـحـرّى أصـوغُ قـصـائدًا
يـشـيـخُ لـهـا طـفـلٌ ويـخـشـعُ كـافــرُ
( شوق ) محطةُ أسى في حياة الغرابي حيث الحادث الأليم الذي سلبه حياة ابنتهُ التي لم تكمل ربيعها الخامس ليحمِّل نفسَهُ ذنباً أذنبهُ دون قصدٍ فيدفع ثمنهُ بالزهايمر اللعين الذي أصابهُ واصبح ممحاةً لذاكرتهِ لولا الرحمة الالهية التي اعادتهُ الينا .
بكى شوق بملحمةٍ شعريةٍ من البحر الوافر كتبها بعد صحوته من الزهايمر الخبيث فيقول :
بـكـيـتُـكِ شـوق فـابيـضَّـتْ عيوني
وأسـلَـمَـني الأسـى شـيّـا فـشيّـا
أنـا يـعقوبُ فـي كَـمـدي وحُـزني
ذرفـتُ لُـمـامَ أحـشـائـي بُـكـيّــا
وأنـــتِ الـيوسـفـيـةُ دونَ عَــودٍ
ومـا لِـقَـمـيـصـكِ الزاكـي مـجيّـا
يُـؤرقُـنـي خَـيـالكِ حـيـثُ أمـضي
وتـجـلدُنـي سيــاطُ الهجـرِ غـيّــا
ثم تأتي رائعة أخرى من روائعهِ يصف لنا بها الزهايمر الذي أخذ ثلثا سنابلهُ بأروع واجمل ماتكون القوافي ويكون الابداع الآتي من رحم معاناته الحقيقية التي عاشها :
الدَّاعِـرُ القـَزَمُ لا تُـعْـيـيـه ِ نَافِلَةٌ
وَلا دُعــَاءٌ وَلا لَـحْـنٌ وَلا وتــَرُ
طُوفَانُهُ شَرِسٌ يَهْوِي بَأشْرِعَتِي
فكيفَ أنـجـو إِذَا مَا نُوحُ يَعتَذِرُ
مِنْ حُوتِ ذِي النُّونِ أسْتَجْدِي الخَلاصَ إِلَى
لَيْلٍ طَوِيلِ العَمَى مَا زَانَهُ قَمَرُ
يَا وَيْحَ ذَاكِرَتِي مِنْ آفَةٍ أكَلَتْ
ثُـلـثـا سنابلها فاسّاقطتْ صُوَرُ
حَتَّى غَدَتْ أرْضُهَا صَحْرَاءَ قَاحِلَةً
ظَمْيَاءَ مُجْدِبَةً مَا زَارَهَا مَطَرُ
عادل الغرابي يعيدنا الى امجاد الشعر العربي وأصالتِهِ وعصورهِ الذهبية فيفرحنا ويبعث فينا الأمل بأن بحور الفراهيدي لم ولن تجف وإن الإبداع مازال قائماً بيننا رغم الفوضى العارمة والتخبط والمؤامرات التي تُحاك للنيل من لغتنا العربية وتراثنا الأصيل وإرثنا الذي نفاخر بهِ الأمم .
( شوق ) هو الديوان الشعري البكر للشاعر العراقي عادل الغرابي الذي يضم اكثر من مائة قصيدة تنوعت اغراضها بين التصوف وعشق الوطن ورسائل الحبيبة والوجدانيات ، ويُعد كنزاً شعرياً يثري من يتطلع الى روائع الشعر العربي لجزالته وكثافة صوره الشعرية ورصانة لغته .