قراءة / ثامر الخفاجي 
حروف تدق اسفين الثورة في مدينة الأدب العرجاء التي اباحت للرجل أن يقول كل شيء عنها بين الغزل والنسيب والتشبيب فكانت مخرجا لحروف الرجل وهي ترسم المرأة عارية في غزل ماجن أو فاحش ليصنف الغزل في الجانب الآخر غزلا عذريا كالغزل الذي قرأناه لجميل بثينه وغيره لكنهم لم يعترضوا على الغزل الماجن بدءا من العصر الجاهلي ولغاية يومنا هذا حيث جعل الكثير من الشعراء جسد المرأة قبلتهم للتغني بمفاتنها بل حدا بالبعض أن يتذوق طعم القبلة خارج حدود الثغر والخدين في جسد المرأة ، كما كان لكلمة المومس وقعا استحسنه الكثير من القراء لما كتبه الشعراء ، فهل تستطيع المرأة أن تستخدم اللفظ المرادف لكلمة المومس في وصف رجل ما أم أنها ستتهم بالفحش والابتذال ، في الوقت الذي إستطاع الشعراء توظيف هذه الكلمة في كشف عورات المجتمع الذي لم ير في المرأة سوى أنها كائن ساحر وفاتن ومثير  فتغنى الرجل بكل ذرة من كيانها شوقا وهياما وشبقا وغريزة .
لقد قال الرجل كل شيء عن المرأة  وحجب عنها أشياء كثيرة كانت ترغب الإفصاح عنها ، وحتى بعض الحالات والشواهد النسائية في تاريخنا الأدبي التي تتصف بالجرأة
   في القول والسلوك، والجهر بمكنونات النفس ولذاتها،  بأسلوب يحاكي أساليب الرجال كما قرأنا لولادة في عشقها لإبن زيدون
 فقد عدَّها الباحثون حالة استثنائية وطارئة  في الثقافة العربية لم تشهدها هذه الثقافة قط ، بل أن بعض الدارسين أنكر وجودها اصلا وزعم أنها حكاية من نسج خيال الرواة كونها لا تتوائم والصورة المرسومة للمرأة المسلمة.
من هذه المقدمة البسيطة أريد ان اقول ألا يحق للمرأة أن تتغنى بالرجل حبيبا ومثيرا وساحرا بعلاقته الحميمية مع المرأة ؟ وأن تقول في الرجل ما قاله في المرأة وأن تميط اللثام عن مكنوناتها ورغائبها اتجاهه ؟ أرى أن  ميسرة هاشم محمد الدليمي قد فعلتها :
اليوم حاولت إستعادة ذاتي 
انادي بإسمي وغيري ينادي 
من انا …؟   
وهي تمثل ظاهرة في الأدب النسائي ظاهرة تعلن الثورة ضد كل من يحاول ان يكبل حرفها في دائرة ضيقة من المسموح به في شعر المرأة:
 أنا تلك الأنثى
 التي ترسم خيبتها
 على هيئة شجرة 
وتحيلها مركبا للنجاة
إنها ثورة الأنثى وتمردها على سلطة القيم الذكورية التي تحاول إن تحجم حرفها ولا تسمح لصوتها أن ينطلق في فضاء البوح بما تعج به النفس البشرية من اختلاجات الجسد ورغباته وهيامه وهي تمثل حالة من العصيان تمردت فيها الأنثى على سلطة القيم الذكورية التي لا تبيح لها أن تنطلق منطلقاً حراً في فضاء البوح الصريح عن اختلاجات الجسد برغائبه وأشواقه. فأستطاعت تحديد توجهها في الكتابة ورسم الملامح الفنية المتفردة ، واستطاعت أن تتذوق طعم الحرية فيما تكتب بجرأة يحسدها عليها الكثيرون حتى الذين يعارضون نهجها في الكتابة وان لم يصرحوا بذلك .
  لا مواءات في الخمر 
في يدي قصيدة 
تحركها ثورة صامتة 
لأصلب على فاه التوت 
فلا تندهش من مكري 
إنا امرأة
أرسم صوتك فوق الغيم دون بلل 
تسقط الألوان دون مطر 
فلا أحتاج غير سماء تحملني 
جهز  مواعيد السهر 
وتعال 
أعرني أصابعك كي اثمل
إن الجرأة التي اتسمت بها نصوص ميسرة هاشم  هي صرخة أنثى بكلمات من نار تحاول أن تذيب الجليد لتظهر للقاريء تمردا من نوع آخر جمع بين الدهشة والجرأة إذ تقول :
 هذه المسافة لا تنتهي معك 
أطالع فمك المشغول بألتهامي 
يقضم قبلاتي الطويلة 
أشرب دغدغة البحر 
ليرفع منسوب أشتعالي 
وماؤك  يشدني للغرق 
يمزق فستاني 
لأكون على حسن الموج 
امرأة لا تجيد النجاة.
استطاعت ميسرة هاشم  أن تجمع خيوط حروفها لتنسج منها لوحات ناطقة بما يعتمل في روحها التواقة للجمال والعاشقة للحرف وعقلها الذي أعلن العصيان ليتمرد على حرف بنات جنسها :
 لا يسعني الإنتظار 
ولدت حرة 
واعيش حرة 
لن تقيدني قبلة
 ولا كلمة  مبتورة الأسطر
إذا كانت الجرأة تعني الإقدام والجسارة فميسرة هاشم  كانت جريئة كفاية  لتجعل الحب والجسد محور صوت صرخات حرفها وهو يرقص عاريا في منطقة محظورة على النساء :
أنا أرملة الحروب
كلما أردت تقبيل شفاه جندي 
أخبرني بأن زوجي حي
ليجعلنا نقف متأملين باندهاش هذه الحسية العالية في شعرها بغض النظر عن وجود بعض الهنات في هذا النص أو ذاك لغة أو خطا أحمر تتجاوزه في صورة ما فتماسها مع ذاتها  يجعلها أحيانا وحيدة إلا من حرفها الذي يتدفق في فضاء يظنه البعض ليس لها .
هل إن إنفجار ميسرة هاشم  في لغة الجسد هو ثورة على القيد الذي أعطى للرجل مجالا أوسع في حرية التعبير في هذه اللغة أم إنه تعبير عن القيد نفسه الذي الزمها حدود الكلام المحظور في الغزل والنسيب والتشبيب وهل الجرأة هي إفراز لنص إبداعي ليكون مثار جدل وهل الجرأة في الادب مسألة نسبية بين هذه الشاعرة أو تلك ؟ وهل الجرأة لدى المرأة سببها الخطاب الشعري لدى الرجل والسؤال الأهم هل الجرأة تبقى 
 رهينة ثقافة المتلقي في تقييم أي نص شعري للمرأة .
أستطيع أن أقول أن  ميسرة هاشم استطاعت ان ترفع القيد الذي ألقى بكاهله على الأدب النسوي بجرأة وتحد للنفس بنصوص شعرية أبدعت في صياغة حروفها لتصبح وشما خاصا بها قد لا تستطيع أخريات أن تنقش بها قصائدها

التعليقات معطلة