Pdf copy 1

غاده عبد الستار عواد
     مهما عاش المرء الجد والمنطق والعقلانية ،فهو يبحث دائما عن الاصالة الهزلية المنبثقة من الحياة الواقعية والتي تقترب من الفن بشكل كبير فنسميها (الفن والحياة ) . فالحياة من خلال الضحك والهزل تحقق انشراح الصدور وارتياح النفوس ورفع الهموم ومشقات الحياة الرتيبة . الضحك حالة وجدانية إنفعالية وملكة إنسانية يمتاز بها الإنسان ويكشف من خلالهُ الابعاد الشخصية والقيم الاخلاقية للفرد والجماعة بحسب رده الفعل إتجاه الموقف .
    دخل الضحك في الادب والفلسفة بشكل عام على مر العُصور لشعوب العالم ،وعرفَ العرب الفكاهة والضحك كما عرفتها الامم الاخرى بإعتبارها لاتهدف فقط إضحاك المرسل اليهِ ،بل ان لها في حالات كثيرة رسالة نقدية إصلاحية ،تصريحاً او تلميحاً هادفاً . ومن أهم كتًاب الفكاهة والضحك هو ( ابو عثمان عمروا بن بحر الجاحظ ) الذي ملأ الدنيا وشغلها بفكاهتهِ اللاذعة ، حيث يقول : (من كان فيهِ دعابة فقد برئ من الكبر) . اما الفلاسفة فكثيرا منهم من ارتكز على مبدأ الضحك وفي مقدمتهم (فريدريك نيتشه و هنري برجسون ) ،فالضحك عند نيتشة ضروري وحركة دائمة تُنقل الى العقل رغم انها نقيض العقل والمنطق وخلاف المناهج المتعارف عليها الا ان الفيلسوف عدً أهمية الضحك وجعلهُ أحد تعاليمهِ وعنصر تحًدي مع الفلاسفة الآخرين وأفكارهم وقد كتب ذلك في كتابه ( هكذا تكلم زرادشت ) ،بالرغم من إعتماده على الضحك وهدم أهمية الضحك من ناحية نفسية وإجتماعية وأخلاقية فإن الهدف الاساسي لنيتشة هو إستحضار مفاهيم الضحك والمرح لتكون هدفاً في هدم الاخلاق والقيم الافلاطونية المسيطرة على العقول ،وعمل الفيلسوف على تجسيد ضربات المطرقة على مستوى فعلي من اجل علاج الفلسفات المتشائمة وفرط الحساسية الذي يعتبر بؤس الوقت الحاضر ،وان الحياة ينبغي ان تكون مرحاً طفولياً ضداً على شيخوخة الكاهن العجوز ويجب ان تتصف الحياة بالجمال ضداً على القبح السقراطي وتكون الحياة فرحاً ديوزونسياً خلافاً لتشاؤم الفيلسوف شوبنهاور .وفي غياب هذه المكونات الجوهرية تغدو الحياة مرضاً قبيحاً مثل مرض الشيخوخة المبكرة . اما طروحات (هنري برجسون ) ركزت على الفكر والمتحرك والعمل على تنفيذ القيم التي اطاحها المذهب المادي ومن يتغير ينضج ومن ينضج هو ان يخلق لنفسهِ بإستمرار وأعتمد على آلية إشتغالية للضحك وتطبيقه في الفعل المسرحي الكوميدي ،يعتبر برجسون الفيلسوف الوحيد الذي درس الضحك وطرح عدة نقاط مهمة وكيفية تحقيق الاثر على المشاهد عبر آلية وضعها في كتاب (الضحك ). وعرفهُ على أنهُ نقيض فردي اوإجماعي يستدعي التصحيح المباشر فهو ينتج بوجود شخصين او اكثر على الاقل ويكون الاثر والاستجابة على حد قول برجسون “لايمكن ان نتذوق النكتة ( الهزل ) إن شعرنا أننا لوحدنا فالضحك يحتاج الى الصدى “. ان برجسون يرى الضحك حالة من التصلب وان كل شيء عكس ماهو ميكانيكي هو مدعاة للضحك والتصلب هو التردد في النطق او عدم الانتقال من حركة الى اخرى بآلية عالية او التعثر او السقطة وهو عدم الآلية او الميكانيكة المنسابة . 
   ان العرض المسرحي الضاحك هو فن من فنون المسرح يهدف الى تحقيق الامتاع وهو شكل مسرحي عميق تاريخياً وتطور هذا النوع من العروض لضرورة أجتماعية وإنسانية ووسيلة فنية وجمالية تعمل على تفريغ شحنات الغضب والحزن والتنفيس عن المأساة والكوارث وكل مايمر بالإنسان من اضطهادات والتاكيد على مبدأ الحرية من أجل تغير الواقع نحو الافضل وخلق نوع من التوازن بين المرء والبيئة المحيطة بهِ. لقد مر تاريخ الضحك والهزل بمراحل مختلفة وكلما تقدم الزمن كلما زاد استخدام آليات ومواضيع جديدة ومتطورة للضحك ،ففي العصر الوسيط مثلاً كانت اغلب الموضوعات هي اجتماعية تدور حول الزوج والزوجة و الحماة .أما العصر الاليزابيثي أكد على ان الضحك والهزل لابد ان يرتكز على الذات الإنسانية والبحث عن موضوعات تمس ضعف الإنسان وعرضها بشكل كوميدي من اجل انتباة الإنسان لنقص معين في الحياة يتطلب المعالجة . 
يختلف مسرح الطفل عن باقي انواع المسارح لكونه يعتمد على اهمية وجود جميع العناصر الخاصة بالعرض المسرحي ومن بينها الشخصية الدرامية بوصفها حاملة رسالة وهذا الامر ليس بالامر الميسور لانها تتطلب دراسة ودراية مابين التكوين العقلي للطفل والتكوين النفسي ، وكثيراً ماينجذب الطفل نحو الشخصية التي تقدم الكوميديا والفكاهة وبنفس الوقت تكون حاملة لرسالة فيها حكمة خاصة فأن هذه الكوميديا الجادة البسيطة قريبة من عقل الطفل وواقعهِ ومن السهل أن يلتقطها من غير أطالة في التفكير فكثير من الكتَاب بشكل عام أكدوا أنهُ ليس من السهل وضع قواعد للفكاهة والضحك فأما أن يمتلكها الكاتب أو لايمتلكها كرسم شخــصيـــــة                 جــــحا البغــــدادي مثلاً . و ان مسرح الطفل يتطلب التنوع مابين النص او القصة والشخصية والديكور والازياء وعملية الاخراج كلها ممكن ان توظف كعناصر لإضحاك الطفل وخصوصاً تنوع الشخصيات مابين الادمية والحيوانية والنباتية والفنتازية الخيالية وخلق عالم خاص مليء بالفرح والضحك والهزل فعندما تتحدث الشجرة او يتحدث ويرقص الارنب فان هذا منافي للواقع لكن افعاله تقترب من الواقع لتكون اكثر امتاعاً للطفل .و من المهم جدا عدم نسيان باقي عناصر العرض المسرحي من أزياء وديكورات وإضاءة فهي تعتبر وسائل مساعدة مع مجريات العرض المسرحي فكلما كانت الالوان زاهية قريبة من نفسية الطفل او مخالفة للواقع كلما اسهمت في تلقي المعنى الحقيقي للفكاهة الضاحكة . ان المتعة النفسية والترويح النفسي يمكن الحصول عليها من خلال إدخال الكلمات الشعبية او المفردة الشعبية وسط اللغة الفصحى فهي في الاغلب عملية اثارة للضحك وخصوصا تلك المفردة المتداولة في واقع الطفل المعاش . ومن خلال تكرار نهايات الجمل وفعل المعاكسة ومناقضة الشكل مع المضمون وحالات عدم الفهم أو التصرف بغباء وسوء الفهم جميعها عوامل مثيرة للضحك . بالاضافة الى التأخير والتقديم في الحروف او الكلمات يولد ضحكاً عقلياً مستدعياً العقل الى البحث عن الكلمات الاصلية ،ولاننسى الصمت ووقفة الاداء والايماءة لها اثارة للضحك وبنفس الوقت تنمي الخيال  .فالاهداف التي يجنيها  الطفل من خلال الضحك بعد نهاية العرض المسرحي ستزيد من تفكيره الفعال وتسهم في تنمية الحس الجمالي وتنمية الذوق الفني ، وكل هذا موجود في عروض مسرح الطفل . 

التعليقات معطلة