قراءة : د. فائزة عبد الواحد
الجزء الثاني
التي يشارف فيها على (القذف)، ويبلغ ذروة النجاح الجنسي، يحصل طارئ ما، أو ظرف ما ، يحول دون بلوغه الهدف، هكذا هي تجاربه على الدوام، تخيب في اللحظة الاخيرة، وهو موقف مواز تماماً لمحاولات الانقلاب والاغتيال والانتفاضة، فقد كانت لهذا السبب الطارئ أو ذلك الظرف، تفشل في تحقيق النصر… الطرفان إذن لهما المسار ذاته، والقصة واصلت ذلك التوازي والتزمت به كلياً، وهذا ما نكتشفه عندما تهيأ للبطل (أخيراً) أن ينجح في (إتمام) العلاقة الجنسية وبلوغ الذروة، ولكن الفوضى المدمرة التي رافقت الانتصار على الدكتاتور والدكتاتورية، هي الفوضى المدمرة نفسها التي سترافق البطل في نجاح مهمته الجنسية ، فبسبب من فشله الجنسي المتواصل (فلتت الامور من يده) وفقد السيطرة على نفسه في تلك الليلة التي كان يحتفي بها احتفاء ملكياً بحريته، مستثمراً أول نجاح مؤزر له، ولهذا تمادى في الممارسة الجنسية تمادياً غير مسموح به، ويتعارض مع نواميس الجسد الطبيعية، يشجعه على ذلك الطرف المقابل، المرأة الحبيبة أو (الانثى) التي شاركته الفراش، فقد كانت بدورها تعاني من جدب عاطفي وحرمان جنسي وعطش غريزي، تمكن القاص من ايصاله ببراعة عبر تلك الاثارات والمشاهد الفلمية المصنوعة بحبكة عالية، ولابد من اشارة نقدية عابرة هنا، وهي إن مشاهد تلك العلاقات الجسدية جميعها، ثم عرضها برؤية فنية موشومة بعواطف رقيقة ولغة شعرية ذات ابعاد انسانية، تعبر عن احتياجات نفسية تفرضها الطبيعة البشرية … بعيداً عن المنظور الرخيص للجنس. هكذا وقع الاثنان، البطل والبطلة، أسيري الفوضى والطيش، وإذا كان الواقع السياسي في العراق يقوم على رأيين متناقضين، كما أسلفنا القول، بين متفائل بعودة القطار الى السكة، وبين متشائم من خروجه عنها بصورة نهائية، فأن المؤلف يقدم لنا صورة الواقع الجنسي بطريقة مطابقة للواقع السياسي تماماً، فحين يستيقظ البطل على ضوء الشمس صباحاً ، يجد المرأة التي حققت له حلمه الجميل في بلوغ الذروة، راقدة الى جانبه (الانثى هنا توازي العملية السياسية)، ولكنها غارقة في الدماء… ومن المفيد الاشارة هنا، الى إن المرأة كانت تمتلك نبتة غريبة ترتبط بصاحبها ارتباطاً روحياً ومصيرياً وجسدياً، فهي متعافية اذا كان متعافياً، وتذبل إذا توعك او مرض، وتموت اذا مات صاحبها، وهنا نجد البطل الذي ارعبه مشهد المرأة التي بادلته العشق والاحتفاء بليلة الحرية، وهي راقدة في بركة الدماء، قد فقد صوابه وغادر البيت عارياً، هائماً على وجهه، شبه مجنون، ولكنه قبل هربه من الوضع المأساوي الذي وجد نفسه عليه مع حبيبته، حانت منه التفاتة الى النبتة الغريبة، فلاحظ ان اوراقها ذابلة، ولكنها لم تمت.. والسؤال هو : هل ستعيش؟ هل يمكن أن تسترد عافتيها كما هي العملية السياسية بعد انتصار نيسان 2003، حيث ذبل الحلم ولا احدٌ قادراً على قراءة الكف ومعرفة المستقبل والمصير، هذان هما الخطان المتوازيان (المرئي والمخفي)، وهي الاسئلة ذاتها التي اعترضتنا في الواقع السياسي، بل هي القضية عينها حول حكاية القطار، هل سيعود الى السكة ويستعيد عافيته أم يواصل انحرافه حتى يسقط؟ (العملية السياسية) و(الانثى المضرجة بالدماء) كلاهما يواجهان المصير المجهول، ربما يستعيدان عافيتهما، وربما يموتان… النهاية المفتوحة لهما واحدة…
لابد من التنويه اخيراً، الى إن القاص أوكل مهمة العلاقات الجنسية الى عالم النبات قبل 2003، لآن فسحة الحرية في رسم المشاهد العاطفية الحسية، كان محاطاً بشيء من الحذر، وعراقيل الحملة الايمانية المضحكة، غير إنه بعد هذا التاريخ، تخلى عن الوكالة وأعاد الامور الى نصابها، وتولى تسليم المهمة الى اصحابها (الشرعيين)، مستثمراً اجواء الحرية، او بالأحرى مستفيداً من فوضى حرية التعبير، ولهذا ظهرت ليلة الاحتفاء بالحرية بوجهها المكشوف، ثم ظهر آخر نتاج سردي وقفت عليه تحت عنوان (الساقية وشجرة التين)(6) وهي قصة تقع في (12) صفحة، تجاوزت في تصوير المشاهد الجنسية الحسية الرمزية، ما كنا تعرفنا عليه في نتاجاته السابقة، ومن يدري الى أي حد (سيتمادى) الكاتب في توظيف هذا الاتكاء الاسلوبي الاخاذ المبهر الجميل، على ما فيه من صرفٍ لذهن المتلقي (قد) يؤذي النص ويبعده عن غاياته الحقيقية…
الهوامش:
1) المرأة والنرجس/ من المجموعة القصصية الثالثة للمؤلف (ليلة رأس السنة)، مطبوعات دار الشؤون الثقافية العامة / بغداد 1994/ ص13-26.
2) الولد الكبير/ المجموعة القصصية الرابعة/ دار الشؤون الثقافية العامة / بغداد- 2000
3) ليلة الاحتفاء بالحرية / المجموعة السادسة/ دار ميزوبوتاميا/ بغداد 2015
4) جريدة الصباح / العدد 3737 / في 24 تموز 2016.
5) جريدة الزمان / الجزء الاول / العدد 2092 / في 3 آيار 2015.
6) جريدة الزمان/ الجزء الثاني/ العدد 2093/ في 4 آيار 2015
7) مجلة الاقلام/ العدد الاول / السنة الثانية والخمسيون / آذار 2017.