حسن الوزاني
“هذا يومي الثاني عشر لي في المستشفي أنا في مقهى نيبون الذي أكتب لك منه. داخل المستشفى أتمشى تارة وتارة أخرى أجالس أحد المرضى ألأذكياء فيحكي لي عن مآسي حياته. الإحساس بالكتابة بدأ يغزوني في هذا البيمارستان. عندما أخرج من هنا، سأحاول أن أغيّر حياتي
لم يكن صاحب ألرسالة التي تعود إلى سبعينات القرن الماضي غير الكاتب الراحل محمد شكري. شكري سيغادر مستشفى الأمراض العقلية ليستأنف مسار الكتابة دون أن يتخلص من بعض الجنون الذي شكل في كثير من الأحيان طريقته في أن يكون كما هو..والحقيقة أن ملامح الجنون تطبعُ الكثيرين من ألأدباء سواء من خلال طقوسهم أو من خلال تصرفاتهم، أو أحيانا من خلال نصوصهم. وذلك بالطبع مع اختلاف ألدرجات بين من يستثمر جرعة الجنون في حدودها الدنيا ومن يقطع نهائيا الخيطَ الرابط بين العقل والجنون، وصنف ثالث يذهب أبعد من ذلك إلى حد القطع مع الحياة. تماما كما فعلت الكاتبة العراقية حياة شراره حيث توفيت انتحارا هي وابنتها مها باستنشاق الغاز.
ويبدو تاريخ الكتابة الأدبية العالمية حافلا بالأسماء التي ظل يطاردها الجنون، بمختلف أنواعه، ومنها من قضى جزءا من حياته داخل المستشفيات العقلية.
أُونطوان أرتو وتهيؤاته، موباسون وألمه ألعصبي نيرفال وهَوسُه ألحاد مارسيل بروست ورُهابه، ورامبو وهلوساته. وفي كثير من ألأحيان كانت لحظاتُ الجنون تُنعش القدرة على الكتابة.
الكاتبةُ الأميركية أليس فلاهرتي كانت تجد نفسها، كما تحكي في عملها “مرض منتصف ألليل أمام فيض من الكلمات، بحيث لا تستطيع أن تتوقف عن الكتابة. غير أن هذا الوضع سيتغير مع تناولها أدويةً مضادة للهوس. وكان عليها أن تنقص من الجرعات لكي تحقق التوازن بين قدرتها على الكتابة والاحتفاظ بمستوى أقل من الهوس.
وإذا كان هؤلاء قد عاشوا الجنون بالتوازي مع مسارهم الطويل في الكتابة، فإن هناك من جاء إلى الكتابة من طريق الجنون. إنهم مجانين الأدب، كما يسميهم رايمون كينيو.أما “نصوصهم”، التي تملأ أرشيفات المستشفيات العقلية، فكثيرٌ منها يحفل بخصوصياته الأدبية، كما هو الأمر بالنسبة إلى نصوص إيمابل جاييت، الجزار ألسابق الذي فاجأ النقاد بكتاباته المدهشة، والذي اعتاد أن يدونها، أثناء إقامته بمصحة عقلية، على أوراق علب السجائر.
يبدو جنون الأدباء العظماء أحيانا أمرا مقبولا، باعتباره في كثير من الأحيان محفزا على كتابة نصوص عظيمة، غير أن المشكل هو حين يُجَن أشباه الكتاب، هؤلاء الذين يعيشون بيننا.
جون بول سارتر كان دقيقا في وصف ما يمكن أن يصل إليه هؤلاء عبر شخصية بول هلبير، بطل قصته إيروسترات، حيث أقدم هذا الأخير على قتل مجموعة من الناس لكي يلفت الاهتمام إلى اسمه الأدبي الذي لم يكن يحظى بما يكفي من الأضواء.