قراءة وتحليل : عبد الهادى الزعر
نص :
جلست في مكان قصي، أسوّر عزلتي بحنين لذيذ، لم أعد أطيق لعبة النسيان في ظلّ مدن خربة، ليلة أمس حطّ طائرك على نافذة حلم بعد غياب طويل، طويل جداً؛ ما الذي جعلك تعتلين سلالم كون يتغزّل بالغياب؟ أحلامك الموؤدة تهزّ ذاكرتي، يتساقط الأمس مزداناً بهمسك، مكتظّ بغنجك… ألا تذكرين؟. ها أنا أقف منتظراً قدومك، عابراً حدود اللحظة، فتأتين مخمورة بالشوق، يضفر شعرك الليلكي ريح الصبا، عطرك يسابق أنفاسك، كانت المحطة مزدحمة والقطار لمّا يأتِ بعد، هناك توسّد قلبينا ظلّ أغنية جنوبية، جلسنا متقابلين، ساهمين، لا نعرف ما نفعل، كانت الرؤى مجهولة، نلهث وراء أمل ما برح أن أصبح دخاناً، في ذلك الصباح كان كلّ شيء مرتبكاً، كنت أنتظر جواباً، وما إن أبصرت دمعك البربري؛ افترقنا غريبين، تاركين بعض الجنون في زحام المدن… وبعد حين من الشوق، تراني أدمنت التحديق عبر نافذة أحلامي؛
الشعرية الصادحة فى قصة الانتظار للساعدى :
فى القصص القصيرة التى يدونها عبد الكريم الساعدى وأطلع عليها أجد أشياءً مبهرة :
فاللغة كما تعارف عنها هى الوعاء المادى الذى يحتضن البناء القصصى فى بُعدٍ لغوى متزن وهى البؤرة التى يرتكز عليها السرد ؛ بالأخص حين تجود المفردات بأقصى طاقاتها التعبيرية –
ورب سائل يقول : مالعلاقة بين ( ق- ق ) وبين القصيدة وشعريتها ؟ 
والجواب : أذا أنطلقت القصة رغم قصرها بغنائية مزدانةٍ بكثافة إسلوبية وأشفعت بتدفق عاطفى جياش تجد الأيقاع والتقابل والتوازى ظاهر لامناص منه وهاك بعض الجمل الشعرية كما أوردها القاص فى هذا النص بعد تجريدها :
1 – جلست أسور عزلتى بحنين لذيذ 
2 -حط طائرك على نافذة حلم بعد غياب –
3- مالذى جعلك تعتلين سلالم كون يتغزل بالغياب ؟
4 – أحلامك المؤودة تهز ذاكرتى –
5 – تساقط الأمس مزداناً بهمسك 
6 – يضفر شعرك الليلكى ريح الصبا –
7 – هناك توسد قلبينا ظل أغنيةٍ جنوبية
8 – وما أن أبصرت دمعك البربرى 
9 – أفترقنا كغريبين تاركين بعض الجنون فى زحام المدن 
10 – بعدها أدمنت التحديق عبر نافذة أحلامى –
فالقصص القصيرة حسب تعريفات المنظرين أنها تنأى عن الحشو والأسفاف وتلهث مسرعةً للنهاية غايتها الأدهاش وتثوير المتلقى ثم أنها لا تطنب بالأحداث ولا تلاحق الجزئيات لكونها معنية بالتقطيروأظهارالخلاصة –
وهى تتنامى رغم قلة شخصياتها وأختزال أحداثها وضيق مكانها وشحة زمنها فى صيرورة محسوبة ؟
ولنرجع للنص نحاكمه بتودد : فبأستطاعة أيٍ منا أن يرتب تلك الأسطر العشرة بعد إضافات بسيطة فتمسى قصيدة نثر معتبره !؟
أحياناً أرى جملاً أستهلالية جاذبة تميل نحو القصرالشديد ( يتكأ عليها القاص ) ورغم أنها لا تتناقى مع مجريات القص ولكن لابد من أكتنازها بقدر معين من جماليات الحكى حتى تبث فحواها – 
فالقصة القصيرة ولدت وتنامت كردة فعل عن الحياة الصاخبة التى نحياها وأجمل مافيها أنها تؤرخ اللحظة المعاشة كأن تكون فرحاً حزناً طيشاً – – المهم أنها مراّة ناصعة لاشائبة فيها ولا ضلال –
فمنذ ناتالى ساروت وانفعالاتها حتى يومنا هذا والقصة القصيرة كلقطة الكاميرا الخاطفة تناءت عن النمطية وأبتعدت عن الأجترار وأستبطنت تيار الوعى الفوكنرى وأعتمدت الشذرة ؟

التعليقات معطلة