بقلم / د. حمد حاجي / تونس
هل كنت وحدي بالسجن ، بل كنت أكثر من وحدي ، أرتزق بصمتي ، كان الجدير بي أن أحدِّق بالعلامات المنسوخة على الجدران.. وأن ألمح تفاصيل الأيدي التي تحطم الأغلال او حتى أن أتعلم كلمات مؤذية، بذيئة من هؤلاء الشباب ذوي شرائط الرأس الحمراء او السراويل الساقطة على الأعجاز.. وان أستمتع لحديث أولئك الموشومة زنودهم .. وأن أتعلم كيف؟ بعضهم يسب أمهات البعض ..( ..كذا كذا ..أمك) ..
لكنني كنت محاطا بجلل جسيم .. تهمتين: أمي وطبيبها..
من عامين ، كنت أصطحب أمي الى طبيب الأمراض السرطانية .. كنت أقضي معها الوقت كله .. حتى أنه اعتاد أنفي عطرها وعطنها ولم أكن لأعطس عندما تتقيأ او تنزل تعتمد علي لأوصلها بيت الراحة.. فيما صوت من داخلي يباغتني :
— “ اذن أنت لن تنفذ ما دار بخلدها .. نعم أمك.. الموت الرحيم !”
— انه ليس بهذه السهولة سأمنح نفسي بعض الوقت.. أحتاج أن أتغلب على تأثير الحب..
لم أكن قادرا على سماع كلمة واحدة ، ولكنه كان عليَّ أن أصمد .. وأستجمع كلماتها ..
ويصفعني صوت أمي حين كنت أريد أن أواجهها عينا بعين ووجها لوجه..
** “ انظر، لابد أن يحدث، ثق بي بنيَّ.. انا أسامحك أمام رب العالمين.. من دار الدنيا لدار الآخرة..”
لم أجرؤ على مواجهتها .. وكان في امكانها حينها أن تستمع لصرير أسناني غير أني مقابل أي خطوة تفكر بها كنت قد أخذت خطوتين .. حقا كنت أنظر بقفاها ويدي على راسها .. لابدَّ انها كانت تظن ان هذا الامر من قبيل المحبة ..غير اني كنت اريد فقط ان امنع يدي من الارتعاش.. آه من صباحها يدي ترجف كذيل سحلية مقطوع..
** دعني أكمل ..أقول كلمتي بنيَّ الأخيرة : كل الذي أريده أن أرتاح من عذاب الكي وحصص الكيمياوي..
وأدخلتها السيارة وأجلستها بالكرسي الخلفي ..كانت ساقاها تلامسان قنينة الشراب الملقاة على الأرضية وانتشر صداها وارتدَّ.. من وراء المقود تلمست آخذ الزجاجة لكنني أمسكتُ بساقها.. صاحت أمي:
** آلام مرضى السرطان عفاكم الله من المساس أيضا ..
وقرقرت كل نبيذ القارورة بجوفي..
كان المطر يهطل طوال اليوم خفيفا ومتواصلا ..
وكانت الطرقات ملساء بسبب الطين والمياه .. لكنني قدت ببطء ..
…
وجدت الطبيب بالانتظار واقفا عند مدخل المصحة وبيده مظلته والهاتف النقال . واستمر يتحدث على الهاتف ..
حين أنزلتها من السيارة ، شعرت بخفة وزنها ، ومن تحت كفي ، جرت رعشة من أسفل عمودها الفقري الى أعلى فخذها وبدأت ركبتاها ترتعشان ، وكانت عيناها تدوران ،
هي حاولت أن تصرخ : أنا لايغمى عليَّ..
حاولت ان تظهر لي انها بخير لكن رجلاها كانت تنزلقان .. والارض من تحتها تتحرك .. كل شيء يحفر طريقه نحوها ، يتفتق التراب عن مخالب تنغرس بأعلى قدمها في لحمها وتحاول ان تشدها لجوف الأرض المظلم
كان آخر ما فكرتُ به أن أريحها .. ربما رحمة بها.
تقدمت للطبيب .. لا يأبه بأي شيء سوى هاتفه النقال ، وهج ازرق اللون يضيء وجهه ومن دون ان يرفع نظره سألني :
— ضع أمك بقاعة الانتظار .. وانتظرني بالداخل لتمضي قبولك لجرعة قتل أمك..!
وظل الوميض الأزرق من هاتفه هو الضوء الوحيد بيننا يلهو به يضغط الأزرار ويبتسم ..
لابدَّ انه يبعث رسالة نصية لأمه ..
أومأ اليَّ ..
مدَّ لي القلم ..
بدت يداي مرتعشتين وتخطى قلبي نبضاته وضعت رأس القلم وأوشكت على الإمضاء..
التفتتُ للطبيب كان جاثيا على ركبتيه يعدِّلُ الحقنة القاتلة ..حملت قنينة من جانب الطاولة طويت ذراعي ..
وفي الأسفل كان رأسه ككرة بيضاء ورأيت خطا رفيعا من فروة رأسه يقسم شعره بدقة ..
هويت بالقنينة عليه ..
التهم الزجاج عظامه ورحت أدك رأسه ثلاثا أو خيل إليَّ..
سقط الجسد ، أطلق صوتا من شفتيه ، نهض على يديه وركبتيه وبدأ يزحف حول نفسه في دوائر ..
ساويته بالارض بوضع رجلي على ظهره وهو يزحف .. وسرعان ما انقلب دست بركبتي على صدره وخنقته عميقا بياقة قميصه حتى خارت قواه.. في اللحظة التي انفجر شريان حياته داخل عيني ، دخلت معاونة الطبيب ..
تصيح أمك ماتت.. أمك ماتت ..!