بقلم/ عبد المجيد بَطالي
إن المتلقي المتفحص في نص “هَجر” للشاعرة (نور النهار) يستهويه ويشدّه ذلك الصدى القوي من الأحزان والآلام والشكوى… المنبعث بقوة والمتردّد داخل متن القصيدة وعلى مساحات أشطرها وعلى مستوى فضاء النص ككل… في علاقته بالذات الشاعرة / المتكلِّمة، وبالمتلقي / المخاطَب…
هذا الصدى المتموج بين جدران النص… يحمل في طياته وبين ثناياه جملة من الأصوات المتتالية تصاعديا نحو تفجير معاناة الذات المتكلمة نفسيا واجتماعيا وصوتيا وانفعاليا…
يظهر ذلك شفّافا من خلال مجموعة من المفردات (المعجم اللغوي) ومن خلال مجموعة من المعاني (المعجم الدلالي والصوتي) … هذا الزخم المبثوث ضمن البناء العميق للنص… جعل خطاب هذا المتن الشعري المكثف مشحونا بما يوازي أو يمثل ذلك (الصدى) المنبعث من النفس وهي تترجم: آهاتها وآلامها وأحزانها… بداية من العنوان “هجر” إلى المعجم المترجم لهذه المعاناة والمتمثل في: (التنكّر – الجور – الهجر – العتب – شر الجور – ثقال الهمّ – الجفاء…)
ويزداد رجع (الصدى) في هذا النص المفعم بالأصوات الدّالة على إبراز عدّة مؤثرات استفزّت مشاعر الذات المتكلمة/ الشاعرة لاسْتفراغ ما تكنّه أو تختزنه النفس من تراكمات قاسية ومؤلمة… لذا اختارت صاحبة النص بوعي منها أو بغير وعي… أصواتا / حروفا جهورية يتردد صداها في الحلق وعبر مداخل (الجهاز الصوتي) للإنسان من خلال صوت/حرف (الجيم) الذي يتكرّر صداه (7 مرات في النص) تماشيا مع دلالة النص وقصديته…
وهو حرف يخرج من وسط اللسان عند ارتطامه بجدار الحنك الأعلى ليحدث صوت الجيم تاركا أثر القوة الناجمة عن انفعالات نفسية – سلوكية ولغوية – مقامية أو مقالية…
وتتوالى الأصوات المعبرة دلاليا عن شدّة الحزن في أقصاها بصوت (الهاء) العابر للجهاز الصوتي دون توقف انطلاقا من الجوف مرورا بوسط الحلق إلى ما لانهاية تعبيرا عن تفجع وتوجع وآهات متتالية تصاعديا من أعماق النّفس للدلالة على التنْفيس عند شدة الكرب وانضغاط النفس… ليتكرر خلال النص (8 مرات) في كلمات دالة على ذلك…
فضلت الشاعرة بعد كل هذه الصيحات والآهات المتصاعدة… تنفيسا واستفراغا للنفس من المعاناة، أن تتنازل عن كل تلك المؤثرات المؤلمة من جراء الهجر، لتظهر بوجه المتسامح الكريم الذي يعفو ويصفح عن كل ما يصدر من الآخر/ الحبيب من هجران ونسيان، وأن تغلّب الجانب العاطفي والإنساني على ما يصدره الآخر من تصرفات وسلوكيات جارحة… لتحوّل ذلك البوح الشديد إلى لحن جميل… ونغم إنساني يحمل بواعث النفس الإنسانية المتسامحة التي تغض الطرف عن كل ما هو مشين… كما حكت عن ذلك في ختام النص …
“وما على الفؤاد بأس بالهيام إن هاما…!!
فداؤك نفسي يا كل نفسي…
رغم بوح العتب
ربت ألحانا وأنغاما”
ولو أردنا تتبع هذا المستوى من الاستشفاف لنص “هجر لطال بنا الكلام وما وسعنا المقام…
النص موضوع الدراسة:
هجر
تنكر لي ٠٠ وجار في هجري ٠٠
فهوت ٠٠
نبضات القلب ٠٠ أيتاما ٠٠!!
أين قدسي العهود…!؟
وأين الوفا…!؟
مات الوفاء… آهات وآلاما…!!
إليك أشكو… والشكوى لذي جَور…
عتب ٌ في الحق
نورا وأعلاما
أمعنت في الجور
وشر الجور …
متي حمل المحب ثقال َ الهم… بساما … !!
زدني جفاء
وحسبي أنني منك
وما على الفؤاد بأس بالهيام إن هاما… !!
فداؤك نفسي يا كل نفسي…
رغم بوح العتب
ربت ألحانا وأنغاما

