Pdf copy 1

بقلم الكاتب \ حسين الساعدي
           الجزء الثاني
لقد أراد الشاعر “هيثم الطيب” في مجموعتة الشعرية (اقرب مما ينبغي) أن تكون اتجاهًا شعرياً جديدًاً يقتحم به الساحة الشعرية ، له القدرة على التقاط المشهد الإنساني ، والتعبير عن روح العصر الذي رافقته تحولات فكرية وفنية عديدة ، كان لها الاثر في تغيير الذائقة الشعرية . فهي نتاج عصر ما بعد الحداثة ، عصر الأتصالات والمعلوماتية ، الذي يحتاج فيه المتلقي الى أساليب مبتكرة في القصة (القصة القصيرة/ القصيرة جدا) والشعر (الهايكو/الومضة/التقليلية/ ..) ، أساليب تستحوذ على أهتمامه . فهناك كم هائل مما يسمعه ويشاهده من النصوص الطوال ، هذا الكم أحدث أشكالية بعدم قدرة المتلقي لأقتناص الوقت الكافي لذلك . فسمة الأختزال والتكثيف من مقتنيات العصر ، حتى أضحت النصوص الطوال (ثرثرة شعرية) على حد تعبير “نزار قباني” : (الثرثرة الشعرية هي فجيعة شعرنا العربي) ، وبقوله هذا يؤكد نمط شعري يواكب مرحلة ما بعد الحداثة ، يعتمد على حصر الزمن في النص الشعري الى مديات متناهية في الصغر كما في (الومضة) أو (التقليلية) أو ما يطلق عليه بالقصيدة (الكونكريتية) الذي يمكن أختزالها بكلمة أو بحرف ، وهذا لا يمكن أن يكون إلا بالأعتماد على تكنيك حديث يمتلكه شاعر متمكن من أدواته الشعرية ، تتضح هذه الأمكانية من خلال لغة النص . الكاتب “آلن زيجلر” يقول:( دراسة الأشكال القصيرة – التي تغطي قروناً ولغات عدة – تكشف أن مفهوم الجنس الأدبي غامض ، ومتغيِّر الشكل ، وأحياناً غير موجود).
فى عصر ما بعد الحداثة لم تعد اللغة نقطة أنطلاق نحو الإبداع ، بل نرى أن النص يولد بأشكال نصية متعددة وجديدة وبمقاسات مختلفة ومواصفات نوعية يطلق عليها عبارات أصطلاحية أو مسميات معينة .
أن شعراء ما بعد الحداثة جنحوا في نتاجهم الشعري الى خوض المغامرة الشعرية ، والتمرد على الأعراف الشعرية والتحرر من قيود القصيدة الشكلية المتعارف عليها في كتابة النص الشعري ، من أجل إبداع رؤى ومعاني جديدة والغوص في عمق ومكنونات النص وإستخراج الرؤية المواكبة لروح العصر . لأن الحداثة أعطت الشاعر فسحة واسعة من الحرية في توظيف التفرعات التي أحدثتها مرحلة ما بعد الحداثة في عملية الإبداع الشعري ، نتيجة التحولات الداخلية للنص التي يمكن أن تؤثر في طبيعته ، وقراءته وفهمه برؤية وأدوات ومفاهيم جديدة .
لقد أستطاع الشاعر “هيثم الطيب” من خلال أمكانياته الفنية واللغوية ، وثقافته الواسعة وأسلوبه المميز ، أن يطور أدواته الفنية والشعرية ، ومضامينه الفكرية ، ويسمو بها نحو الإبداع الشعري والتجديد بما يتلائم ومتطلبات التطور والحداثة في المسيرة الشعرية المعاصرة .
يقول هيثم الطيب: (لا أريد الخوض في نقاشات حول من كتب نصاً بهذا النمط قبل غيره أو كيف تم أستخدام مفردة اللحظة لأنها كانت بالفعل لحظة “هيثم الطيب” التي لم تتكرر ولا يمكن تكرارها وأرتبطت به ، وأرتبط بها ، مثلما ارتبطت ملحمة العراقيين بكلكامش وانكيدو، والمسلة بحمورابي ،وتحديث الشعر بالسياب ونازك والبياتي . ) ، “اقرب مما ينبغي” ص٤ ، هنا تتضخم الـ(أنا) عند الشاعر “هيثم الطيب” قد تكون تمرداً غريزياً متأصلاً في النفس أو تمرداً على القوالب الشعرية وتجديدها شكلاً ومضموناً ، وفق خطابه الشعري ، حتى ينفرد ويشكل نصه الشعري وفق رؤياه . وإذا أردنا أن نرجع في قراءتنا للنصوص الشاعر في مجموعته نرى أن الشاعر “هيثم الطيب” أستخدم ضمير المتكلم المفرد الـ(أنا) أكثر من عشرين مرة في نصوصه الشعرية ، وكأنها صورة متجذرة في نفسه فهي تحمل (نبرة الأعتداد بالنفس ، وتضخيم الذات ، وتفخيم الأنا ) .
١٣
أنا مهووس بالكتابة
مهووس باخضرار العشب
مهووس بالضوء
وبالنزق
٨٤
أشتهي أن آلامسك
هذا كل ما أقوله الآن
وأنا أعد النجوم
١٦٤
سأغويك بمصباح
ونبضة قلب
أنا ماهر في وضع الفخاخ
١٩٣
كم أحتاج من الوقت لكي أحتفظ بشفاهك
وبشغفك بي
أنا كاهن الكلمات
تواجه رؤية الشاعر أشكالية ثنائية تتمثل في جانبين أساسيين هما : الاصطلاح و التجنيس ، فهما يمتزجان معاً ، فيحدثان أشكالية لديه . لأن مسئلة تجنيس النص الشعري ، تشكل مشكلة حقيقية شائكة ، لأن لكل تجربة شعرية متميزة أدواتها التعبيرية والفنية والدلالية التي تظهر قيمتها الفنية والجمالية في تشكيل الصورة الشعرية ، والنمط الشعري الذي تبنى عليه.
أن تجنيس النص الشعري ، وحلحلت أشكالاته الحاصلة نتيجة تداخل المصطلحات والمفاهيم مع الاشكال الاخرى من النصوص ، تعد هي الأخرى إشكالية ، نظراً لتقارب البنية النصية ، والتكوينية ، والاختزال ، والتكثيف ، في تشكيل الصورة الشعرية .
أن مصطلحات (الهايكو) أو (الومضة و مسمياتها المتعددة) أو (قصيدة اللحظة) ، أضافة الى المسميات الأخرى للنص القصير ، يتراءى للبعض ، نصوص لحظوية ، ومسميات لجنس واحد تتسم بشاعرية (الصورة واللغة) وخصائصها المتقاربة ، ومن أجل تفكيك هذه الاشكالية ، يتطلب رسم الحدود التي تميز بين هذه الأشكال والمفاهيم .
أن تسمية (قصيدة اللحظة) سوف تكون مثار جدل أذا تم تناولها من قبل النقاد ، وهذا الجدل نابع من مشكلات تواجه تجنيسها وتأصيلها من جهة ، وتأكيد حضورها في المشهد الشعري من جهة ثانية .
وإذا سلمنا بقصيدة اللحظة فأننا نرى أنه لم تتبلور بعد الملامح التقنية والفنية المؤطرة لها ، وتحديدها نقدياً تحت تجنيس محدد ومعين ، حتى تكون بمستوى فني شائع ، فهي ما تزال بحاجة إلى دراسة جادة لفك الاشتباك الحاصل نتيجة تداخل المفاهيم ، وهذا الامر يقع على عاتق المعنيين بالعملية النقدية .
فـ(قصيدة اللحظة) متقاربة من حيث الدلالة والتكثيف والصورة ، مع الومضة لان (الومضة الشعريّة لحظة أو مشهدٌ أو موقفٌ أو إحساس شعريّ خاطف يمّر في المخيلة أو الذّهن يصوغُهُ الشاعرُ بألفاظٍ قليلةٍ. و هي وسيلة من وسائل التجديد الشعري ، أو ش˜ل من أش˜ال الحداثة التي تحاول مجاراة العصر الحديث ، معبرة عن هموم الشاعر و آلامه ، مناسبة في ش˜لها مع مبدأ الاقتصاد الذي يح˜م حياة العصر المعاصر) . “الومضةُ الشعريّة و سماتها” ، سيد فضل قادري ، حسين ˜ياني . وكذلك (الهايكو) نص لحظوي ذو امكانية جمالية عالية يحمل كثافة وعمقاً .
أن عملية التجنيس توجب وجود معايير تتسم بقواعد تشكيل النص وتصنيفه جنساً أدبياً ، لأن (الجنس الأدبي هو مؤسسة ثابتة بقوانينها ومكوناتها النظرية والتطبيقية، حيث يتعارف عليها الناس ، إلى أن يصبح الجنس قاعدة معيارية في تعرف النصوص والخطابات والأشكال ) .
يبقى أن نقول أن الشاعر “هيثم الطيب” (لا يعرض آراء ولكنه يعرض رؤية) ، (قصيدة اللحظة) هي قصيدة رؤيوية تستند الى أحساس شعري مقترن بلحظة زمنية خاطفة ، تمتلك طاقة تعبيرية نابعة من كثافتها اللغوية في سياق تأخذ به شكلاً شعرياً منتظما ًيعبر به الشاعر عن تجربته الشعرية . عندما بدأت بقراءة مجموعة “هيثم الطيب” وأنتهيت منها ، كانت تتملكني أنطباعات وأفكار يوحى بها واقع الشعر الحديث ، لضرورة ثقافية تطورية تتعلق بالعصر ، الذي يرفض الجمود وينبذ السكون . أن حركة الشعر والشاعر في ظل تعدد الرؤى الحداثوية ، حركة حية ، لا تؤمن بالجمود ، ولها القدرة على توليد الأشكال النصية وفق مقاسات ومواصفات متعددة ، ذات الدلالة الرمزية التي تتجاوز الدلالة التي أظهرها النص .

التعليقات معطلة