عبد الوهاب الملوح
تطورت نظرية الأجناس الأدبية منذ أن وضع أرسطو كتابه «فن الشعر»، وذلك بحكم تطور فن الأدب أسلوبا وأنواعا، وبحكم ظهور أنماط متجددة في الكتابة الفنية وبروز فن القصة القصيرة والسيرة الذاتية وفن اليوميات والرسائل. ولقد عمل الباحثون على تحيين مسألة الأجناس الأدبية لتواكب التغيرات المتتالية الجذرية والتي ضغطت من أجل تغيير مفهوم الأدب في حد ذاته. وبرغم كل الجهود التي بذلها الدارسون والمنظرون لتطوير هذه النظرية فإنهم ظلوا يدورون في نفس فلك أرسطو، حتى أنهم ظهروا كما لو أنهم رهائن الأساس الأول الذي بناه صاحب فن الشعر؛ بل تأكد أن حركة الإبداع الأدبي أسرع وأكثر مكرًا في مسيرتها من متابعة النقاد وترصداتهم للمنجزات الأدبية.
وليس غريبا أن يصنف بعض النقاد أعمالًا أدبية مستعملين مصطلحات أرسطو التقليدية من نوع مأساة، ملهاة، تراجيديا أو كوميديا، طبعا مع الأخذ بعين الاعتبار ما دشن دخوله إلى عالم الأدب من مختارات الكتاب مما سبق ذكره من قصة ويوميات وسيرة…إلخ، وبقي التصنيف هو نفسه. تقوم نظرية الأجناس الأدبية في جوهرها على تقسيم الأدب إلى قسمين كبيرين مختلفين، النثر والشعر، ولكل قسم أنواعه.
ونصب الدارسون أنفسهم كحرس حدود يقفون في المعابر يؤشرون للأدباء عبورهم إلى ممالك نصوصهم. ولا يعترف حرس حدود الأدب بالنص، ويصرون مثلًا على الهوية المدنية للنص شأنهم شأن البوليس السياسي.
برأيي، ليس للنص الأدبي هوية، ولا ينبغي أن تكون له جنسية طالما أنه بالأساس نزف متفلت لا يخضع للقياس، ولا يمكن له أن ينضبط ويتخذ له شكلا مشروطا مسبقا.
لا يخضع الأدب الحقيقي لربطة عنق، ولا يلتزم بارتداء بذلة مشروطة، فهو ليس من مرتادي الحفلات الخاصة!
لقد كان الأدب منذ العهود الأولى التي ظهرت فيها الأدبيات الفنية، منذ نشيد الأنشاد وتعازيم الهنود الحمر ورقاع الفراعنة مرورا بأوديسة هوميروس ومعلقات العرب القدامى وصولا إلى النص المفتوح الآن، كان طيرانا حرا في سماء بلا حدود وما زال كذلك.
ولقد ظهرت أنماط جديدة في الكتابة، وعمل أصحابها على تطويرها من الداخل من حيث الأسلوب والتركيب ومن حيث اللغة ودلالاتها، بل حتى من حيث توزيعها البصري في البياض، على اعتبار أن البياض هو في حد ذاته كتابة. بل دشن بعض الشعراء عوالم لم يكن في انتظار أفق الباحثين حدوثها. ومن ذلك ما عمد إليه أبوللينير في قصيدته البصرية « النافورة». كما تجرأ بعض الشعراء على كتابة قصيدة في شكل سردي وخال من الأوزان لكنها شعرية مثل ما فعل سان جان بيرس في قصيدته «أناباز»، والأمر نفسه في السرد (مع استعارة مصطلح أصحاب نظرية الأجناس). أفلم يكتب بروتون رواية بشكل شعري، وألم يكن عمل مارسيل بروست «من جهة سوان» و»البحث عن الزمن المفقود» شعريا في أغلبه وهو ما أدخل الكثير من الارتباك في عمل حرس حدود الأدب الذين لم يفهموا ويبدو أنهم لن يفهموا أن نظريتهم بقدر ما هي مغدورة هي أيضا معطلة؟.
ولعل قصيدة النثر هي الأشد إرباكا لهؤلاء الواقفين عند المعابر ليس لهم من شغل سوى ختم تأشيرات العبور. وهي تربكهم لأنها بلا صنف ولا جنس، وهي إن تكاثرت بشكل جاد تهدد وجودهم وبالتالي تقطع عليهم خبزهم اليومي السهل. إن قصيدة النثر هي التجلي الأرقى للأدب في تغيراته عبر التاريخ، وهي الشكل الفني الأعلى للكتابة الفنية لسبب واحد بسيط: إنها جماع كل أساليب الكتابة نثرًا وشعرًا، إنها «النص» في أجلى معانيه والنص كما هو عند جميع الشعوب، النص المكتوب والمعالج بشكل جمالي وإبداعي بما يجعل منه أثرًا فنيا عالي القيمة.
يجد أصحاب نظرية الأجناس أنفسهم أمام بعض الكتابات الحديثة عاجزين عن تصنيفها فيسارعون إلى إلغائها والرمي بها في سلال مهملاتهم على اعتبار أنهم صاروا يهملون الكثير، وسيقوم الإبداع على القليل القليل، وهو ما يدعو جديا إلى التخلي عن نظرية الأجناس الأدبية والانكباب على دراسة الأعمال الأدبية دونما خلفية مسبقة… فليس للإبداع الأدبي نظرية، وإن حدث أن صارت له نظرية فتلك شهادة وفاته.

التعليقات معطلة