اياد السماوي
لم يكن سفاح نيوزلندا برينتون تارانت مختلا عقليا، ولم يكن مجرّد رجل أبيض ارتكب هذه المجزرة التي أودت بحياة خمسون شخصا من المصلين العزّل في مسجدين بمدينة كاريستشيرش، كما ولم يكن مرتبكا أو خائفا أو مترددا في تنفيذ جريمته التي نفذّها بكل احترافية وبرودة أعصاب قد لا نشاهدها إلا في أفلام الجريمة المنظمة، فسفاح نيوزلندا كان يقتل الأبرياء بعزيمة وإصرار على القتل من دون أن يرّف له جفن أو يردعه أنين رجل جريح أو استغاثة أمرأة جريحة سقطت في الشارع، بل على العكس كان مستمتعا وهو ينقل تفاصيل مجزرته بشكل حي عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وأنا على يقين تام أنّ هذه المجزرة التي حدثت في أقصى شرق الأرض ستنتقل عدواها كالنار في الهشيم إلى دول أوربا وأمريكا واستراليا وفي كل مكان يتواجد فيه المسلمون، لأن خطاب الكراهية المضاد قد انتقل إلى المجتمعات المتحضرّة وأصبح مقبولا في بلدان أوربا وأمريكا واستراليا، وأصبحت تتبنى هذا الخطاب أحزاب ومنظمات يمنية متطرفة وبشكل علني، ولم تعد حكومات هذه البلدان قادرة على إيقاف هذا الخطاب المتطرّف.
وإذا كان سفاح نيوزلندا برينتون تارانت الذي ينتمي لليمين المتطرّف قد نفذّ جريمته بدوافع الكراهية لما أسماهم بالغزاة المسلمين، فالعشرات مثل هذه المجزرة المروّعة قد نّفذّها مسلمون إرهابيون ضدّ مساجد وحسينيات المسلمون الشيعة في العراق والكويت والسعودية والباكستان وبدموية أكبر وأبشع، ولم يكن هؤلاء المصلين الشيعة غزاة أو إرهابيون أو هاجموا مسجدا يأمه مصلين من السنّة وقتلوهم وهم يؤدون صلواتهم، فخطاب الكراهية وتكفير الناس وقتلهم بأبشع أنواع القتل هو السبب في تّفشي ظاهرة العنف والعنف المضاد، فداعش والقاعدة من قبلها وباقي المنظمات الإرهابية الأخرى في أفريقيا وآسيا والمغرب العربي قد خرجت جميعا من تحت عباءة الفكر الوهابي المتطرّف، وما قام به سفاح نيوزلندا هو نتيجة طبيعية لانتشار فكر التطرّف والتوّحش الذي سوّد وجه الإنسانية، وها هم المسلمون في كافة أرجاء المعمورة يدفعون ثمن هذا التطرّف ويتلّقون ردود أفعال اليمين المتطرّف في أوربا وباقي أنحاء العالم.

